Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

على راحته

على راحته
ذكرنى لقاء الدكتور سامى المليجى بأيام زمان ، عندما كنت طبيبا بالامتياز تعرفت عليه وكان من قدامى النواب بالمستشفى ، فقد أمضى بها ردحا من الزمان، حتى أن البعض كان يتحدث عنه بصفته جزءا منها .
عادت بى الذاكرة إلى أيام الطفولة ؛ عندما كنا نقضى اليوم كله فى اللعب ولا نعود إلى بيوتنا إلا بعد أن بسدل الليل أستاره ، فى الصيف كنا نذهب إلى الشاطىء أو إلى النادي للاستمتاع بالسباحة واللعب فى المياه والملاعب ، وكنا نقضى النهار كله وجزءا من الليل ، ولا نعود إلا بعد أن نستنفد كل قوانا وفلوسنا.
فكرنى لقاؤه بتلك الأيام الجميلة التى كنا نجد فيها وقتا كافيا لنعمل كل شىء.
والدكتور سامى المليجى رجل لطيف المعشر يهوى الهدوء ويعشقه ؛ لا يهمه الوقت فى كثير أو قليل وخصوصا إذا ما كان مندمجا فى حوار أو سفر أو حتى كشف على مريض ، ظل فترة طويلة يعشق شرب القهوة واقتناء الكتب ، وعندما أسأله :
- هل قرأت كتاب فلان الفلانى يا دكتور سامى ؟ يرد قائلا بثقة :
- لا أنا لم اقرأ حتى الآن، أنا مازلت مشغولا فى مشروع البناء
- ومتى تنتهى منه؟
- الله أعلم ، حسب التساهيل ، فانا غير مستعجل
والبناء هذا بدأ منذ أكثر من سبع سنوات ، ومازال المشروع قائما ، فهو يفضل أن يكون كل شىء على نار هادئة ، ظل هذا الطبع ملاصقا للدكتور سامى الذى لم يفكر فى تغييره أو الحياد عنه ؛ أحيانا كنت أحسده على الفراغ والدعة وعلى ذلك البطء اللذيذ الذى يتيح له الفرصة لكى يمضغ الأحداث ويستطعم المأكل والمشرب،كما يجب ، وأن يمارس هواياته الشخصية كما ينبغى . تجده أحيانا فى السوق يقف متحدثا مع البائع مدة طويلة دون ملل أو كلل ، وأحيانا تأخذه جلسة على مقهى أو احد النوادى فيستمر إلى قرب طلوع الشمس ساهرا ومندمجا؛ وعندما تسأله :
- ما الذى سهرت من أجله ؟
يرد قائلا بأريحيته المعهودة :
- أبدا كانت الجلسة ظريفة !!
- وما الذى دار فيها ؟
- كل خير !!
- هل هناك موضوع أو مشكلة هامة تجعلك تسهر هكذا ؟
- لا ، ولكن لا يجوز أن أترك الأصدقاء وأمشى... يبقى عيب منى .
هكذا لا تستطيع أن تحصل منه على بداية أو نهاية ، وان كانت النهاية دائما متوقعة للجميع ؛ كنت أحس باطمئنان ودعة عندما أراه يتحدث ؛ فهو يشعرنى بأن كل شىء على مايرام وأن الوقت طويل وأن فى العمر متسع لعمل أشياء كثيرة
---***---
والسر فى هذا قد لا يخفى على اللبيب ، فالدكتور سامى مازال أعزب؛ بالرغم من عبوره النصف قرن بقليل ،ولا ينوى أن " يتسرع"ويأخذ قرارا بالزواج فهذا المشروع عنده له حيثيات ، ويخضع لموازين كثيرة ، قد سبق له تجربة خرج منها خاسرا كما يقول.
هذه التجربة سبق أن حضرتها معه وكان كل شىء يسير على ما يرام حتى تم كتب الكتاب ، ساعتها أبلغه أحد أقاربه أن والدة العروسة وجدها لهم أصل قبرصى ، وأنهم أتوا إلى مصر بعد الحملة الفرنسية , واستقروا فيها ، فقلت له :
- وما المشكلة فى هذا ؟
- ياه ، لكنى لم أعلم ، هل يرضيك أن أعرف من خارج العائلة ؟
- ربما لم تجىء الفرصة للحديث عن مثل هذا التاريخ القديم
- ولو ماداموا لم يقولوا فى البداية؟ فما خفى كان أعظم !!
- يا سلام !! وهل ترى عيبا ظاهرا فى سلوك خطيبتك أو فى أهلها ؟
- فى الحقيقة لا ، ولكن موضوع قبرص هذا جعل الفار يلعب فى عبى !!
- وما عيب قبرص ؟ هل ذقت الزيتون القبرصى الكالاماتا ؟
ضحك ،وافترقنا
سمعت بعد شهور أنه فض الاشتباك ، وترك للعروسة كل تحويشة العمر.
---***---
عندما أسأله بعد أكثر من ست سنوات على هذا الحادث يرد قائلا :
- لابد من التمهل ، وان تمر العروسة السعيدة بمراحل عدة من الاختبارات
- كيف يا دكتور ؟
- الموضوع يختلف عن سلق البيض
ضحكت قائلا :
- ابني صار فى الإعدادية، وأنت لم تتروج حتى الآن ؟
- لابد من الاختبارات حتى يعرف المعدن !
- يهيأ لى أن شروطك صعبة للغاية !!
- نادرا ما تجدها فى واحدة، فهى غالبا مثل اللاتى سبقنها
---***---

يحلو لى أحيانا أن أفكره بأنه نسى أن يتزوج فيرد بحماس :
- لا ..أنا لم انس هذا المشروع ، ولكن لابد أولا من الاهتمام بالوالدين ، عندما أتزوج لن تقبل الزوجة أن تهتم بهما، وربما لا تقبل أن أمضى زمنا فى خدمتهما ، فماذا أفعل وقتها ؟
أجبته بكل تقدير مؤكدا له:
- أنا أحييك يادكتور سامى على هذه الإنسانية الهائلة ، ولكن من الممكن الاتفاق على كل شىء
يستانف كلامه قائلا :
- ثم ان البناء لم يكتمل حتى الآن ، وأنا عامل حسابى لكل شىء؛ تعالى لترى .
---***---
ذهبت إليه للفرجة كما اتفقنا ، وجدته ينتظرنى منذ الصباح ، قلت له :
- لماذا جئت مبكرا هكذا ؟
أجابنى :
- قلت ربما يحلو لك أن تجىء قبل الميعاد ، وعيب أن تجىء ولا تجد أحدا ..
طالعت البناء ؛ عبارة عن فيللا فخمة ، بدورين ،محاطة بمساحة لا بأس بها ، وقد زرع فيها بعض الشجيرات ،لمحت منها المانجو والليمون ،واليوسفى والبرتقال ،وسألته عن تلك الشجيرات الموجودة بالأركان ذات الأوراق العريضة والملمس الناعم ،أخبرنى أنها شجرة الخروع ،فهو لا يحب أن يقضى وقته إلا فيما هو مفيد ،تركنا الحديقة على أن نجلس فيها بعد أن أدخل معه للفرجة ؛ قال لى : بالدور الأول يوجد الرسبشن وحجرة للخادم أو الخادمة , بالإضافة إلى حجرة مطبخ واسعة ,أتبع كلامه بابتسامة ؛ قائلا :
- كما تعلم فالطريق إلى قلب الرجل هو معدته ، ويهمنى جدا أن يكون الأكل متنوعا ولذيذا وشهيا ،وأنا كما تعلم أجيد الطهى؛ كما يوجد عندى أكثر من أربعة مراجع فى طرق الطبخ وعمل الحلوى ، وطبعا من الشروط الأساسية فى زوجة المستقبل أن تكون طباخة ماهرة .
صعدنا الى الدور الثانى لنرى حجرة النوم الرحيبة ، قال لى :
- هذه الحجرة أخذت منى مجهودا ضخما فهى كما ترى واسعة ، وكما ترى هذه الدواليب داخل الحوائط ،أما السقف فقد أحضرت له الكهربائي ليركب تلك السماعات التى سترسل الموسيقى الخفيفة ،التى أعشقها كما تعلم ، واتفقت مع أحد الصنايعية من خارج المدينة ، ليعمل هذه الكرانيش التى لم أرها فبل فى حجرة نوم ؛ وهذا البانوه العجيب فى منتصف السقف، لتركب وسطه نجفة ايطالى كانت هدية من عمى الذى عمل بالسفارة الإيطالية ردحا من الزمن ، وخرج الى المعاش منذ عشرين عاما أو أكثر .
لفت نظرى تلك الصبة الخرسانية الموجودة فى منتصف الحجرة ، شعر الدكتور سامى أنى أطيل النظر إليها، فوفر على عناء التفكير قائلا :
- أما هذه الصبة الأسمنتية التى لفتت نظرك فهى عبارة عن السرير كما ترى، فلا نحتاج مستقبلا إلا إحضار بعض الخشب للديكور فقط ، وأيضا سيكون سريرا هائلا يتحمل تقلبات الزمن( وضحك ضحكة مجلجلة )، وهذا يوفر فى الخشب ، ويعيش أطول لأنه حديد . ويوجد اثنين حمام وحمام آخر صغير ملحق بغرفة نوم العروسين كما شاهدت
سبقنى إلى حجرة مجاورة ونظر إلى قائلا :
- هذه هى حجرة المكتبة، وأنا الآن فى مرحلة تجميع للكتب التى سوف أنقلها جميعا وأبدأ فى قراءتها
ازدادت دهشتى عندما رصدت عيناى ذلك البياض الفضى الذى ارتفع من فوديه ،إلى قمة رأسه ليرسم خيوطا لامعة كأشعة الشمس التى يصعب تجاهلها أو إهمالها ، كما انتفخ كرشه بصورة مزعجة ، وأصبحت حركته أقل بطئا، ولكنه مازال يدقق كثيرا فيما يشترى ، ويكثر السؤال إذا ما حاول أن يشترى شيئا ، حتى ينال ما يظن أنه أجود الأصناف ، وحتى يشعر أن البائع لم يغشه أو يضحك عليه ، ومازال أيضا يهتم بالتفاصيل الدقيقة وكان يقول :
-.لابد من التدقيق الواحد لا يعيش مرتين ،أ ليس كذلك أم أنك لا توافقني ؟
أرد قائلا :
- فعلا ..فعلا ..
وأمضى إلى حال سبيلي .
---***---
عندما أقترب من سقف الستين حادثته تليفونيا وكان خارج البلد :
- ما أخبارك ؟
- كيف عرفت تليفونى ؟
- ليس هذا هو المهم ؟
- ما المهم إذا ؟
- أنت ؛ ما أخبارك ؟
- كل خير ،أنا هنا فى المملكة ، المعيشة فى البلد أصبحت صعبة للغاية .
- ومتى ستعود الينا بالسلامة ؟
- عن قريب ،عندما أكون نفسى الى حد ما ، ربما خلال سنتين أو ثلاثة !!
- والزواج ؟؟
- هو سبب غربتي كما تعلم !!!

صورة د.رضا صالح

التعليقات (2)

الصديق والمبدع المتألق دائما
د/رضا صالح
يشرفنى دوما أن أقرأ لك
واقعية القصة جرجرتنى كثيرا إلى عالمها الصادق
دمت المبدع المتميز

عبداللطيف

صورة عبداللطيف مبارك

عزيزى الشاعر عبد اللطيف مبارك
تحياتى لك
مرت أيام المهرجان سريعة
كأنها طيف
أرجو أن أقابلك مرة أخرى
وأشكرك على قراءة القصة
ربما تكون قد قرأتها على راحتك أيضا !
تحياتى لك
رضا

صورة د.رضا صالح