صَلب الحِملان

صَلب الحِملان
Crucifixion of the Lambs

د. زينب نور


عند الحديث عن الإمبراطورية الرومانية .. لا يمكن لذاكرتي البصرية إلا أن تستحضر إحدى أبشع طرق القهر والتعذيب طوال التاريخ البشرى.. إنها عملية الصلب.. التي تمثل وحشية الإنسان تجاه أخيه الإنسان.

وإن كان لكل حضارة مآخذها وإسهاماتها.. فإني هنا لا أقصد اختصار الحضارة الرومانية إلى أبشع صورها.. فيكفى أنها كانت بالوعي الذي جعلها تحترم وتحافظ على التراث الإغريقى من قبلها دون أن تنسفه أو تشوهه ..ولكّن تلك الإمبراطورية فى طريقها الإستعمارى إلى شتى أنحاء العالم القديم قد ألهت شعبها بدماء العبيد والمجالدين السائلة داخل حلبات ما يعرف ب (الكولوسيوم) Colosseum ..



ومنذ الوقت الذي شعر فيه الأباطرة بالخطر يحدق بممتلكاتهم وأطماعهم .. سرعان ما استكملوا متعتهم السادية في تعذيب كل من آمن بالعقيدة المسيحية..، ناهيك عن تقتيل وتذبيح الأباطرة لبعضهم البعض.. حتى عندما كانوا إخوة من آباء وأمهات واحدة.



ولأن دوام الحال من المحال.. فلقد انقلبت أعمالهم ضدهم.. فلأسباب عديدة قد انتشرت المسيحية ومن خلال نفس شبكة الطرق ورحلات السفن البحرية الرومانية..، ولكن ما يجدر ذكره هنا هو أن هذا التعذيب المتعمد والمنظم ضد أنصار العقيدة المسيحية ورموزها ..هو ما جعل الشعوب تتمسك أكثر وأكثر بإيمانها فى مواجهة الطغيان والبطش الروماني.

واليوم لا يمكن لذاكرتي البصرية أيضاً إلا أن تأتى بصور الصلب الوحشية عند الحديث عن الإمبراطورية الأمريكية ..فتلك الإمبراطورية المتمثلة فى إدارتها - وليست فى شعبها - لا تكف عن صلب الأطفال والنساء والشيوخ والرجال ..، وكأن الرجال هى آخر ما نهتم به!! وهو ما ليس بصحيح .



أوضاع الصلب عند الرومان من أوضاع الصلب عند الجيش الأمريكى


ولكن من ناحية أخرى .. نجد أن الأطفال يجب أن يكونوا بالفعل أول ما نهتم به ..فهم مستقبلنا وبراءتنا اللاهية وحياتنا المترعرعة أمام أعيننا.. فالعون كل العون أدعو به للآباء والأمهات الثكلى على أطفالهم ..سواء فى العراق أو فى فلسطين أو فى أى مكان على وجه الأرض.


وكونى أُماً خائفة .. كانت لوحتىْ (صلب الحملان.. 1 و 2) هما تعبيراً متواضعاً جداً عن آلامى التى أشعر بها تجاه هؤلاء الأطفال الذين أرعبتهم ومزقتهم الآلة الحربية الأمريكية.. فى أكثر من مكان حول العالم ، فإلى هذا الحد يستطيع حفنة أو عدد من الأشرار أن يدمروا العالم وبراءته .. فننتقل بذلك من عصر إلى عصر حاملين على أكتافنا آلاماً وعذاباً .. إما على مسارح الصلب أو العبودية أو التفتيش أو الزندقة أو الحرق أو المقاصل أو القنابل .. وكلها أدوات للتعذيب والترهيب والظلم والاتهام .



صلب الحملان (1) – كولاج Collage

وصلب الحملان كعنوان يأتي على وزن فيلم (صمت الحملان) للممثل الأمريكي الرائع (انطونى هوبكنز) .. الذي لا أستطيع أن أفوت فرصة مشاهدة أى من أفلامه، يأتي اختياره - أي العنوان - لسببين ..: أولهما أن أطفالنا هم هؤلاء الحملان (صغار الخراف) .. هم همنا الأكبر وهم وجعنا الأعمق..



صلب الحملان (2) – أسومبلاج Assemblage

والسبب الثاني لأنه بمثابة رسالة إلى الآلة السينمائية الأمريكية.. التي تصور جنودها ..لاسيما مشاة (المارينز) على أنهم ملائكة السماء التى تحمى المظلوم في كل مكان على وجه المسكونة ..(Good guys are here!!)، فالرسالة موجهة لهذه الآلة الكاذبة لترى عن قرب ما يجب أن تتناوله الكاميرا عن حق..بدلاً من الكذب والافتراء والتضليل فى زمن قد أصبحت فيه المعلومة مرئية قبل أن تكون مقروءة أو مسموعة.
وتلك المعلومة المرئية ذات تأثير أعمق بكثير من أي نوع آخر من المعلومات..فالعين وذاكرتها البصرية هما بمثابة المرشد الخفي واللمّاح لتشابهات وتطابقات كثيرة فى مقارنة دائمة بين المعاصر والسابق عليه ..حتى و إن امتدت جذوره إلى أبعد حدود التاريخ الإنساني..، وخاصةً عند الإنسان الذي يتعامل مع هذه اللغة البصرية تعاملاً متكرراً ومتواصلاً..، ولذا فإن الصلب الحديث والمعاصر الذي نلقاه فى أيامنا تلك.. لا ولم يأت إلا على يد الآلة الأمريكية التى حلت محل الصليب الروماني.

وإنه كما انقلبت أعمال الرومان ضدهم وتفككت إمبراطوريتهم ..سوف تنقلب أعمال هؤلاء المحدثين عليهم ..ولسوف تسود الفوضى الخلاقة مجتمعاتهم ..، فلعّل وعسى أن يستفيق الشعب الأمريكي من ملهاته الاستهلاكية ويرى إلى أى حافة قد استدرجته إدارته قبل فوات الأوان.



د. زينب نور
اقرأ أيضاً فى مجلة روزاليوسف
عدد السبت 9/6/2007
مقال (عزيز فنٍ ذلْ)
http://www.rosaonline.net/alphadb/article.asp?view=2708

صورة زينب نور

التعليقات (11)

بكل الحب الذي يملأ قلبي
أرسل تحية إلى صديقتي الغالية زينب
والتي سوف تثري الورشة بوجودها المشرق والجميل
سعدت بك هنا .. كما سعدت بك هناك

أماني

 
صورة أمانى على فهمى
وبعد تقديم واجب التحية
قرأت موضوعك صديقتى العزيزة .. وشعرت بوجعك وهمك ، وتنقل بى موضوعك فى رشاقة وبساطة بين التاريخ والسياسة والفن .. حياة الإنسان ، ذلك الكائن المقهور عبر الأزمنة ، أهنئك على نبضك الحي وإنسانيتك وأمومتك ، التى هى لسان دعوتك إلى الرحمة في عالم بلا رحمة
 God bless America

أمانى
صورة أمانى على فهمى
من الرائع أن نكون مهمومين بكينونتنا
و وجودنا على خارطة هذا الكوكب
و من الرائع أيضا أن نكون قادرين على وضع المعايير التي تمكننا من الحكم على الأحداث و استخلاص النتائج
و من الرائع أن نتمسك بهويتنا و نرفض كل ما يمكن أن يؤثر على هذه الهوية أيا كان هذا المؤثر و من أي قوة كان ... من الرومان قديما و حتى برابرة العصر الأمريكي الذي نحياة
الأروع من كل ذلك
أن يكون الفنان هو ذلك السادن لمعبد الهوية
و المحافظ على ذلك الكيان المشكل لها
لا يتخلى و لا يفرط
و هكذا كانت روعة ما كتتِ يا د. زينب
فوسط خضم المهرولين لأحضان العولمة و الداعين لنسف كل قيم الهوية كانتا لوحتيك بكل بساطة و براءة و حنو الأم التي تخاف على أبنائها و على هويتها صرخة في وجه العولمة القاتلة للهوية و في وجه الفوضى الخلاقة التي يزعمون و الشرق الأوسط الجديد و كل دعاوي قتل الهوية
تحية شكر لكِ
و هكذا يكون الفنان
صورة أحمد يحيى

ممتع جداََ هذا العرض د. زينب مع التداخل والحضارة الرومانية

كل التقدير ... وفي انتظار المزيد

تحياتي ،،،

دعاء
صورة dodo_nomercy
الأستاذة الجميلة دعاء
أشكر لك ذوقك وتعليقك
كما أشكر لك اهتمامك وإيجابيتك
وإلى لقاء قريب
صورة زينب نور
أخجلتم تواضعنا يا أستاذى الفاضل
أشكرك جزيل الشكر
وأرجو دائماً أن أكون عند حسن ظن  الجميع
وإنه كما تفضلتم 
يجب أن يكون الفنان أحد ضمائر المجتمع
وها نحن نحاول
أن نمتد أكثر إلى الداخل وليس إلى الخارج
كما
- القرع -
مع جزيل الشكر والتقدير
وأيضاً التمنيات بمزيد من التوفيق والنجاح لهذا الموقع
الواعى والراقى
والذى يعكس نضج القائمين عليه
وأنتم فى المقدمة
صورة زينب نور
والله يا أمانى
أعتز بك شديد المعزة
واحساسك بوجعى هو من أصدق
الأحاسيس وأنضجها
أشكر لك توفير الفرصة فى الأساس
للتعبير من خلال هذا الموقع المتميز
فأنت من المتميزين
ولذا فالطيور على اشكالها تقع
وتهنئتى القلبية بترقيتك الجامعية
من درجة مدرس إلى درجة أستاذ مساعد
فإلى مزيد من التوفيق والنجاح
صورة زينب نور
ياستى شكرا
وكله محصل بعضه
صورة أمانى على فهمى
الى متى نُصلب؟
من لديه الجواب"؟
فقد مللنا من طريق الجلجلة
تحيتي اليك
علي الموسوي
صورة علي الموسوي
إلى أن نتحد
وهيهات
ولكن ربما
أشكرك
صورة زينب نور
الفنانة الدكتورة زينب نور
شكرا على هذا الحضور الرائع
مودتى
محمود مغربى
صورة محمود مغربي