صناعة الرواية بطريقة عباس العبد

ما الذي يجعلني أكتب عن ( أن تكون عباس العبد ) الآن ؟ .. ربما السؤال نفسه ليس بحاجة للطرح من الأساس باعتبار أن الكتابة ـ في ظني ـ تأتي دائما في موعدها الصحيح مهما بدا الأمر مخالفا لذلك وربما يكون ما كتبه ( أحمد الفخراني ) عن ( أحمد العايدي ) مؤخرا هو السبب .. قبل أن اقرأ هذه الرواية للمرة الأولى تابعت بفضول واستغراب كبيرين ما أتيح لي مصادفته من الاحتفاء الهائل بالرواية وكاتبها والذي لم يسبق أن حصل عليه في رأيي أي ( كاتب شاب ) من قبل .. تفاصيل هذا الاحتفاء كانت قادرة بشكل ما على تحفيز استنتاجاتي لتكوين  أفكار وانطباعات تفسيرية عامة له وشكّلت في الوقت ذاته مدخلا مهما لقراءة الرواية .. الآن ينبغي أن أقول أنني لم أقرأ ( أن تكون عباس العبد ) مرة واحدة بل عدة مرات وأنني في كل مرة كنت أشعر بضرورة أن أكتب عنها ولكنني لم أفعل وبالطبع أنا أعرف الأسباب .. ( ما الذي سيبقى من ( أن تكون عباس العبد ) لو أخليناها من ( نادي القتال ) ) ؟ .. سؤال كان يظهر على استحياء بصيغ مختلفة في موقع هنا ومدونة هناك كهمسات جانبية في فرح صاخب .. الهدف من السؤال لم يكن الاستفهام طبعا بقدر ما كان توضيحا وتذكيرا بما يمثله الهيكل العظمي بالنسبة للجسم !! .. بالمناسبة ينبغي أن أقول أيضا أن هذا السؤال كان المفتتح الثابت لكلامي حينما كان يطلب مني أحد الأصدقاء معرفة رأيي في ( أن تكون عباس العبد ) .. من الواضح أنه لم يكن سؤالا مهما عند من أحب الرواية واحتفل بها ودافع عنها سواء كان واثقا أن ( نادي القتال ) كانت بمثابة ( الهيكل العظمي ) للرواية فعلا أم أن المسألة برمتها لا تعدو أكثر من استخدام كاتبين ( بولانيك ) و( العايدي ) لتيمة واحدة متاحة للجميع ولكافة طرق المعالجة المختلفة .. أتصور أنني أيضا كنت في حاجة للتخلص من أهمية هذا السؤال حتى أتمكن من الكتابة عنها ، وبما أنني أكتب الآن عن ( أن تكون عباس العبد ) فهذا يعني بالضرورة أن هذا السؤال لم يعد مهما بالنسبة لي وأن أحد الأسباب التي كانت تدفعني لتأجيل الكتابة عن هذه الرواية قد تم التخلص منه مع التأكيد على اقتناعي التام بأن ما يفرق بين ( أن تكون عباس العبد ) و( نادي القتال ) هو الجلد الخارجي فقط .

ما قام به ( أحمد العايدي ) في ( أن تكون عباس العبد ) لم يكن سهلا أو عاديا .. كان توظيفا فذا وغير مسبوق لأبجدية الشارع الألفيني وتحكما وتطويرا فائق الحساسية والبراعة والذكاء للقاموس الشفاهي الذي أنتجته الثقافة الشعبية مؤخرا والذي أصبح بمثابة اللغة الرسمية لمانفيستو المراهقين الراهن .. ( أسطورة العايدي التي شكلتها موجات قراء وسط البلد وكتبته بعد ذلك ) هكذا فهم ( أحمد الفخراني ) ( نجومية ) العايدي وروايته التي يراها ـ من وجهة نظره ـ ( محدودة القيمة ) واتفاقا مع ( الفخراني ) دعوني أوثق أنه بالتوازي مع اقتناعي بأن ما قام به ( العايدي ) لم يكن سهلا أو عاديا فإن ( أن تكون عباس العبد ) لم يتجاوز تأثيرها بداخلي التأثير الذي من الممكن أن تحدثه أي رواية شعاراتية طافحة بالاستعراض الميلودرامي الذي قامت عليه معظم أفلام الأبيض والأسود والذي يمكنك العثور عليه بأشكال أخرى في كتابات ( علاء الأسواني ) مثلا .. مضطر للعودة إلى ( نادي القتال ) ليس تخليا عن عدم أهمية علاقتها بـ ( أن تكون عباس العبد ) وإنما لرغبتي في استعمالها كممر يقودني نحو الفرق بين ( صناعة الرواية ) و( كتابة الرواية ) .. هل هذا الفرق موجود حقا ؟ .. من الجائز نعم ولكن من المؤكد أنها مسألة شخصية بحتة ترجع أسبابها أولا وأخيرا لمن يؤمن باختلاف الأداءين وعلى هذا فإنني لا أطمح لاستدراج مبررات أو سمات تفرقتي بين ( صناعة الرواية ) و( كتابة الرواية ) نحو شرك التعميم كي تكتسب بداهة هشة بوصفها حقيقة .. هل كانت ( أن تكون عباس العبد ) ( تمصيرا ) مرعبا لـ ( نادي القتال ) ؟ .. ربما وأضيف بأنه إذا كنت أميل لهذه الفكرة فسأقول بأنه ليس مرعبا فحسب بل وإجراميا أيضا ولكن بالنسبة لمن ؟ .. بالدرجة الأولى لمن لم يقرأ ( نادي القتال ) وهو أمر بديهي باعتبار النسخة الأصلية غير متدخلة لإفساد متعة القراءة المجردة لـ ( أن تكون عباس العبد ) وثانيا لمن قرأ ( نادي القتال ) ولكنه لا يتوقف كثيرا عند سلبيات ( التمصير ) أو بمعنى أدق المشاكل الناجمة عن الاحتفاظ بالهيكل وتغيير الجلد الخارجي .. بالنسبة لي تبدو ( نادي القتال ) متخلصة من شعارات ( أن تكون عباس العبد ) واستعراضاتها الميلودرامية وكذلك من ( الصراخ ) النفسي الفقير المفتقد للقدرة على خلق الجدل والتحريض على الاشتباك مع ما بين السطور وكذلك اكتشاف القلق المتربص وراء المشاهد والأحداث والانفعالات وبناء على هذا فإن ما نجح فيه ( أحمد العايدي ) هو ( صناعة ) رواية توفرت لها من مقومات النجاح التجاري والرواج الشبابي ما لم يتوفر في رواية أخرى حتى الآن .. فقط .


هناك نقطة أختلف فيها مع ( أحمد الفخراني ) وهي أنه لا يمكنني وضع ( أحمد العايدي ) في خانة واحدة مع ( محمد صلاح العزب ) و( طارق إمام ) مثلا على أساس انتماءهما للجيل الذي فتحت ( أن تكون عباس العبد ) الباب أمامه كي يكتب روايته الخاصة بمنطقه الخاص بحسب تعبير ( الفخراني ) .. منجز ( أحمد العايدي ) في اعتقادي هو تفجيره لماسورة الكتابة الساخرة في مصر خلال السنوات الأخيرة والتي أغرقت الساحة الأدبية بسيل لم ينقطع حتى الآن بل ومتزايد بضراوة من الكتب والمدونات سهلة التحضير وبأتفه مكونات الاستظراف والاستهبال وهذا ما يجعلها بعيدة للغاية عن الوصول للقيمة التي حققها ( أحمد العايدي ) كما أراها وهي تحويله ( الإفيهات ) و( الأكليشيهات ) الدارجة والمتداولة إلى ( موتيفات ) غاية في الثراء والتي نجح باقتدار في توليد جمالياتها بسخاء مدهش واللعب بدهاء مبهر باشتقاقاتها وتراكيبها اللغوية وتسخير إمكانياتها لخدمة مهاراته الاستثنائية في الابتكار بصرف النظر عن سطحية ما يتحدث عنه أصلا .

( أعتقد أن العايدي في حاجة إلى التعمق أكثر في ذاته قارئا ومتأملا قبل أن يصدر كتابا ، يصدر كل يوم ما هو أقل قيمة من من ديوان العايدي لكني تعاملت معه بما يليق باسم العايدي الذي يتصدر المشهد باندهاش من أن كل ذلك الصدى والرنين لا يحمل عمقا يستحق الذكر ) ..  لماذا كان ( الفخراني ) وهو ينهي مقاله عن ( العايدي ) يفترض هكذا أن ( الصدى والرنين ) يجب أن يحمل ( عمقا ) ؟! .. لماذا أفترض أنا أيضا هذا الافتراض كثيرا وكأن ما أعرفه عن الحياة وعن الثقافة المصرية وعن شروط الـ ( بيست سيلر ) محض كوابيس عابرة ؟ .

* * *



ما الذي يجعلني أكتب عن ( أن تكون عباس العبد ) الآن ؟ .. ربما السؤال نفسه ليس بحاجة للطرح من الأساس باعتبار أن الكتابة ـ في ظني ـ تأتي دائما في موعدها الصحيح مهما بدا الأمر مخالفا لذلك وربما يكون ما كتبه ( أحمد الفخراني ) عن ( أحمد العايدي ) مؤخرا هو السبب .. قبل أن اقرأ هذه الرواية للمرة الأولى تابعت بفضول واستغراب كبيرين ما أتيح لي مصادفته من الاحتفاء الهائل بالرواية وكاتبها والذي لم يسبق أن حصل عليه في رأيي أي ( كاتب شاب ) من قبل .. تفاصيل هذا الاحتفاء كانت قادرة بشكل ما على تحفيز استنتاجاتي لتكوين  أفكار وانطباعات تفسيرية عامة له وشكّلت في الوقت ذاته مدخلا مهما لقراءة الرواية .. الآن ينبغي أن أقول أنني لم أقرأ ( أن تكون عباس العبد ) مرة واحدة بل عدة مرات وأنني في كل مرة كنت أشعر بضرورة أن أكتب عنها ولكنني لم أفعل وبالطبع أنا أعرف الأسباب .. ( ما الذي سيبقى من ( أن تكون عباس العبد ) لو أخليناها من ( نادي القتال ) ) ؟ .. سؤال كان يظهر على استحياء بصيغ مختلفة في موقع هنا ومدونة هناك كهمسات جانبية في فرح صاخب .. الهدف من السؤال لم يكن الاستفهام طبعا بقدر ما كان توضيحا وتذكيرا بما يمثله الهيكل العظمي بالنسبة للجسم !! .. بالمناسبة ينبغي أن أقول أيضا أن هذا السؤال كان المفتتح الثابت لكلامي حينما كان يطلب مني أحد الأصدقاء معرفة رأيي في ( أن تكون عباس العبد ) .. من الواضح أنه لم يكن سؤالا مهما عند من أحب الرواية واحتفل بها ودافع عنها سواء كان واثقا أن ( نادي القتال ) كانت بمثابة ( الهيكل العظمي ) للرواية فعلا أم أن المسألة برمتها لا تعدو أكثر من استخدام كاتبين ( بولانيك ) و( العايدي ) لتيمة واحدة متاحة للجميع ولكافة طرق المعالجة المختلفة .. أتصور أنني أيضا كنت في حاجة للتخلص من أهمية هذا السؤال حتى أتمكن من الكتابة عنها ، وبما أنني أكتب الآن عن ( أن تكون عباس العبد ) فهذا يعني بالضرورة أن هذا السؤال لم يعد مهما بالنسبة لي وأن أحد الأسباب التي كانت تدفعني لتأجيل الكتابة عن هذه الرواية قد تم التخلص منه مع التأكيد على اقتناعي التام بأن ما يفرق بين ( أن تكون عباس العبد ) و( نادي القتال ) هو الجلد الخارجي فقط .
صورة ممدوح رزق