صناديق جوزيف كورنيل المغلقة




صناديق جوزيف كورنيل المغلقة
يوسف ليمود




ما الذي يسجن الكائنات في عالمها الداخلي والخارجي هكذا ؟؟
سؤال لن يجيب عنه لا الفن ولا غيره .. وربما كل ما يستطيعه الفن تجاه هذا التساؤل الوجودي في جوهره هو اجترار الظاهرة على المستوى الجمالي فقط وكان الله بالسر عليما .

إلا أن سؤالا أكثر واقعية وربما أكثر أهمية على المستوى الفني يفرض نفسه أمام أعمال كالتي لمثل هذا الفنان الضئيل الحجم (جسما) والذي عاش داخل صناديقه أكثر مما عاش خارجها : ما الذي يجعل فنانا يستخدم عناصر أو مواد أو تكنيكات معينة دون غيرها ؟ ما معنى الخامة ؟ ما معنى اللون ؟ ما معنى الشكل ومن أين يخرج ؟ لماذا الأبيض وليس الأسود ؟ لماذا الألوان وليس الهباب المهبب ؟ لماذا الرسم وليس الفوتوغرافيا ؟ لماذا البعد الثالث المجسم وليس المسطح الوهمي ؟ لماذا التجميل القبيح وليس القبح الجميل ؟ لماذا الفن أصلا ؟؟ مثل هذه الأسئلة ليست موجودة في اسطوانة البرمجة الذهنية لنموذج الفنان العربي ناهيك عن سوء التحكم في لوحة المفاتيح بسبب غياب تلك الذهنية .




ولكي لا نبدو مجحفين تماما تجاه محركات دماغ الفنان العربي , فلن ننكر أن هناك فنانين كبار على مستوى العالم لن يكون لديهم ردود شافية على مثل علامات الاستفهام تلك , ولكن الفرق يكمن كما نظن في وعيهم بهذه الأسئلة وفي اختياراتهم الواعية لطرقهم . نعتقد أن الأمريكي جوزيف كورنيل 1903 : 1972 ذلك الغائب في ميتافيزيقاه الخاصة كان واحدا من هؤلاء .
على العكس من الألماني كورت شفيترز فنان الدادا العريق الذي رفع بنايته الفنية من المخلفات وصفائح الزبالة ومن كل مايمكن أن يلقيه الآخرون في الشارع , والذي مارس عمله بمنطق "كل ما يبصقه الفنان فن" , كانت أعمال كورنيل تتعامل بأرستقراطية وعناية شديدة في اختيارات عناصره : صور فوتوغرافية وكروت تذكارية قديمة , خرائط جغرافيا , كؤوس بللورية , كرات زجاجية ملونة , أحشاء ساعات قديمة , غلايين تبغ , نماذج كرات أرضية ...الخ من الأشياء التي كان يجمعها من أسواق البراغيت (الخردة) والتي كانت رحلته إليها من محيط نيويورك إلى قلب مانهاتن هي تقريبا السبب الوحيد والترفيه الوحيد الذي يستدعيه للخروج من البيت الريفي الذي يعيش فيه مع أمه وأخيه المعوق وسط متاهة من الصناديق الخشبية والأشياء الصغيرة العجيبة.


بالتأمل في طبيعة اختيارات أشيائه وعناصره مجردة ً قبل أن يتعامل معها , نلمس نوعا من شاعرية مولعة ببقايا الأشياء التي كانت يوما ثمينة وماتزال تفوح منها رائحة الفخامة , على النقيض من شاعرية مالارميه المغرمة بوهج الأشياء الذابلة .
 كما سندرك هما أصيلا بالسؤال عن الزمان والفضاء . فيما لو نظرنا إلى هذه العناصر بعد كهربتها بالعلاقات والدهشة , سنرى روح الغرابة التي تجمع ظلال أزمنة بظلال أمكنة داخل ميتافيزيقا لن تفتح نفسها أبدا , رغم أن زجاج الضلفة التي أحكمت غلق الصناديق مهدد بالكسر بسهولة في كل لحظة .

صورة يوسف ليمود

التعليقات (1)

شاعر فى كل شيء
و تشكيلي فى كل شيء
ريشتك كلمة
و كلمتك ريشة
....

صورة أحمد يحيى