( شهادة )الأنبياءُ اليومَ يختلفونَ في أعذارهم عن أنبياءِ البارحة...!




( شهادة )الأنبياءُ اليومَ يختلفونَ في أعذارهم عن أنبياءِ البارحة...!
أشرف البولاقي



(1)

" لا النارُ مُتَّكَئى ولا أنا سيدُ الماءِ
اصطفَتْنى عندَ أبيضها ومالتْ فوق مبتدأى تغنى
أنت واحدُها هى الأسماءُ
قلتُ لعلّنى قبل الخطيئةِ كُنتُها
أنا من أَبَى
تفاحتانِ وآدمُ أنا من أبِى "

عشرون عاماً من أكاذيبَ حلوةٍ ، وأباطيلَ مدهشةٍ ، أعترف الآن لكم أننى شاركتُ فى نسجها بحماسة منقطعة النظير مع آخرين كانوا – ولا يزالون – يبحثون مثلى عن متكئٍ هو فى الحقيقة حائط مبكًى لجراحنا وهزائمنا .
لا تذهبوا بعيدا بالجراح والهزائمِ ( أنتم عباقرة فى تأويل كل شئ )
دَعْكُم من جراح الوطن وهزيمة الأمة من فضلكم
وركِّزوا معى لحظة واحدة فى جراح المرضى النفسيين الداخلية
وفى عُقَدِهم وهزائمهم اليومية المعتادةِ كلما خلوا إلى أنفسهم
أنا واحدٌ من هؤلاء
" لا بد من أكذوبة ليصلى الناس العشاء ويحلموا بالأنبياء "
كنتُ مضطرا أن أزعم أننى نبىٌّ فى بلاد القداسةِ
ولأننى خبيثٌ بما يكفى أذكرُ أننى جلستُ إلى رجلَيْن وامرأة بلا ملامحَ
وقرأتُ كتابا أو كتابَيْن من كتب الدجل والشعوذة القديمة
وخرجتُ أزعم بعدها أن معجزتى الغناء
وكان الناس خبثاءَ بما يكفى أيضا ليعلنوا تصديقهم للنبوة ، وإعجابهم بالغناء .
عشرون عاما من الأوهام التقليدية التى تبدأ بوادى عبقر ، ولا تنتهى بوادى النيل !
مرورا بفكرة الاصطفاء ؛ تلك التى جعلتنا – نحن الشعراءَ – نبدو وكأننا أنصافُ آلهةٍ تنزَّلتْ وتنازلتْ أن تسير فى شوارع الغبار
للصدفة قوانينُها الطبيعيةُ ، وضروراتُها الخاصةُ التى يعترف الناس بها جميعا ، إلا الشعراءَ لأنها تنزع عنهم ثوبَ القداسة المزيف :
فكل شاعر مصطفًى
وكل شاعر أرضعته أمه لبناً وقافية وشيئاً من جنون
وكلهم تتلمذوا على يد الشروق والغروب الصباح والنهار والنخيل والشجر
وكلهم – فى زعمهم – مهاجر للحق والخير والعدل والجمال
ولأننى " منذ ارتحلتُ عن البلاد تركتُ فى المدن القديمة بعض أمتعتى وشيئاً من صهيل "
أعترف لكم أننى دخلتُ عالم الشعر بالصدفةِ .. بالصدفة وحدها 
لا أذكر أننى صادقتُ فراشةً وأنا صغير ( فعلتُها منذ بضع سنواتٍ مضت )
ولا تأملتُ نجماً فى السماء
ولا عدوتُ خلف غيمةٍ
ولا زارتنى ملائكةٌ فى المنام ولا أنبياءُ .
ولا حفظتُ كتاباً كنتُ أقرؤه
وكيف أزعمُ أنى كنتُ مُختلِفاً


ولا نظرتُ إلى نهرٍ ولا شجرِ
وحولىَ الناسُ : من صخرٍ ومن حجرِ
لكننى كنتُ استجابةً طبيعيةً لتحدٍّ برئٍ فرضه علىَّ أترابُ الصبا والطفولة :
-       هل تستطيع أن تكتب مثل ما نكتب ؟
-       لا .. بل أستطيع أن أكتب أفضل مما تكتبون !
(2)
" هذه الأشياءُ تقلقنى كثيرا
مرّةً أنكرتُ من جسدى اشتهاءَ حبيبتى
وحبيبتى لا يعرف العشاقُ موسمَها
ولا أشجارَها
هل يشتهى جسدى النساءَ
ويقتفى أثرَ المواسمِ ؟
رائعٌ طوقُ الحمامةِ كان يقرأه ويبكى
هذه الأشياء تقلقنى كثيرا "
ثلاثة أرباع شعراء مصر – لا بأسَ أن يرى بعضكم أننى واحدٌ منهم – مدينون باعتذارٍ كبير لهذه الأسماء:
امرؤ القيس – هيرودوت – هوميروس – أبو نواس – المتنبى – بتاح حتب – مانيتون – ايمحوتب – المعتزلة – إخوان الصفا – الحلاج – الشبلى – ابن عربى – ابن رشد – ابن سينا – المعرى – النفرى – دانتى – طه حسين – قاسم أمين – محمد عبده – الطهطاوى – على عبد الرازق – تشيكوف – حسن حنفى – خليل عبد الكريم – نصر حامد أبو زيد ... وآخرين
مدينون لهذه الأسماء باعتذار كبير لأنها تجرى على ألسنتهم ، ويتشدقون بها ، ويستخدمونها كمحسناتٍ بديعية وجمالية فى بعض قصائدهم وكتاباتهم
( لاحظوا معى تلك الثقافةَ الرفيعةَ والعالية التى تنضحُ بها حواراتُهم ، وتكذبها قصائدهم وممارساتهم الثقافية )
دون أن يقف شاعرٌ على أعتاب منجزِ واحدٍ من هذه الأسماء
دون أن يفكر فى جراحهم وعذاباتهم 
آهٍ لو فكر شاعر أن يزور واحداً منهم ليستمع إليه ، وحسبه أن يقول له قبل أن ينصرف :
– إيهٍ يا أخى لقد تفهمت جرحك وعذابك ..
هؤلاء الشعراء هم عباقرة هذا الزمان ، شعراء بالفطرة ، ومطبوعون
استيقظوا ذاتَ مصيبةٍ سوداءَ فوجدوا تحت وسائدهم رسالةً خطيةً لطيفة من الإله تخصهم بالشاعرية أصبحوا شعراء دون أن يقرءوا كتاب ( الصناعتين ) لأبى هلال العسكرى
نظر بعضهم إلى القرآن ، وسمع بعضهم بالتوراة والإنجيل !
إذا سألتَ بعضَهم عن تاريخ الإلحاد العربى ، والفرق ِ بينه وبين الإلحاد الغربى أجابك بقوله تعالى :
" ومَنْ أعرض عن ذكرى فإن له معيشةً ضنكا "
هؤلاء العباقرة تصدروا المشهدَ بعد أن أفسدوه تماما ، واختزلوا الشعر فى قصيدة ،
واختزلوا القصيدة فى صرختين وآهةٍ على هودج الحبيبة تارة ، أو على الأرض السليبة تارة أخرى ! ليتراجع الشعر مُفسِحاً المجال لثقافة السرد وثقافة الصورة ،
لم تتقدم ثقافة السرد والحكاية والرواية إلا لإخلاص أصحابها ، وقدرتهم على تثقيف أنفسهم ، وبحثهم الدائم والمستمر عن المعرفة والتجديد ، ولعل تقدمهم وتصدرهم المشهد الإبداعى المصرى والعربى الآن فيه ما فيه من تعويضٍ عن قرون القهر والقمع التى عاشها النثر العربى تحت جنح الظلام فى الوقت الذى حظى فيه الشعر بالنور والأضواء واهتمام السلطة والمؤسسة ،
صدّقنا إننا أمة شاعرة ، وفتحنا الباب على مصراعيه ليدخل إلى حديقة الشعر اللصوصُ والزناةُ ، والخونةُ والمرتزقةُ ..  وأخيرا الجهلاءُ والحمقى .
( 3 )
" حين يُفلِتُ من يدىَّ النورُ
أو يغتابنى الشعراءُ فى صلواتهم ؛ سأنامُ
وحدى أطلُّ على جحيمٍ
والبلادُ غمامةٌ يدعو لها الفقراءُ بالصبح المراوغِ
مُحدَثٌ قلبى ولكنَّ الجراحَ قديمةٌ "
هل الجنوبىُّ على رأسه ريشةٌ ؟
هل الجنوبى على جبينه آيةٌ ؟
لماذا نصدِّع رؤوسنا بالجنوب ؟
وهل نحن صادقون تماما فى دعاوانا ؟ ... ربما
لكننا يجب أن نعترف أن المزيفين فى الجنوب أكثرُ من الحقيقيين فى الشمال
وعلينا أن نعترف أيضا أننا نعزِّى أنفسنا بمسألة الجنوب هذه أكثر من أننا نقرر واقعا أو حقيقة
نحن فى الجنوب أبناءُ وأحفادُ الجغرافيا ، لكننا لسنا من نَسْلِ صناع التاريخ
( أنا أتحدث عن التاريخ الأدبى أو الثقافى المعاصر ) ولا يمكن أن نصنع تاريخا ثقافيا حقيقيا ما دام المزيفون الذين صنعناهم بأنفسنا هم كتبة التاريخ القادم ،
هؤلاء الذين لم يقرءوا كتابا ، ولم يتأملوا وردة فى حياتهم ،
نحن متواطئون مع الزيف والخرافة من أجل مصالح ضيقة وصغيرة ،
سعداء بالإقامة الجبرية على أراضٍ فقيرة ، ومع ذوات مريضةٍ ترى أن إلقاء أو نشر قصيدة مجدٌ وتحقُّق ! وأن حضور مؤتمر هو شهادة وصك اعتراف بالشاعرية !
إن التاريخ الحقيقى – بمفهومه الواسع والعريض – لا يعترف بالجنوب ولا الشمال ، ولن يقف طويلا أمام ادعاءاتنا ومزاعمنا التى نسلّى بها أنفسنا ،  متوهمين أن التراث والثقافة الشعبية فى الجنوب يمكن أن يصنعا حالة إبداعية معاصرة بترديدهما وإعادة إنتاجهما بعيدا عن تجليات الحداثة ، وآليات الحضارة المعاصرة
إن أكبر أكاذيب الثقافة المصرية التى روّج لها المستفيدون هى " الإقليمية " التى تتحول بكثرة الاستغراق فيها إلى نوع من الفلكلور الشعبى الذى لن يُقبِلَ عليه إلا سائحٌ أو باحث .
ولأننا فى الجنوب نحن مضطرون إلى أن نصنع من أنفسنا أبطالا وضحايا فى الوقت نفسه ؛
أبطال لأننا لن نذهب إلى القاهرة رغم أنها فى حاجة إلينا !
وأبطال لأننا شيدنا معتقلاتنا بأنفسنا !
أبطال لأننا لم نَبِع القضيةَ بعد ( لا احد يعرف ما القضية تحديدا )
وضحايا لأن الإدارات والمؤسسات الثقافية عقيمة لا تلد إلا الخراب ؟!
وضحايا لأن النقاد والإعلاميين عملاءُ ومأجورون للقاهرة والشمال
وضحايا لأننا بالفعل عاجزون عن اتخاذ القرار .
( 4 )
" عشرون عاما من الخيلِ والليلِ
والخيبةِ والبيداءِ والمرارةِ
كيف لم ألتفتْ إلى فراشةٍ تزورنى ؟
أو قطةٍ تموءُ عند جارتى الأرملة ؟
كيف لم أنتبهْ إلى وحشة الآخرين ، وشهوتى وانطفائى ؟
كيف لم أكن كما ينبغى أن أكون ؟
سامحينى أيتها الوردةُ ..
فقد جئتُ متأخرا وفاتنى أن أغيرَ العالم "
اكتشفتُ بآخرة من الوقت أن المشهد الشعرى يبدو عبثيا للغاية ، واكتشفت أن أنبياء الشعر لا يصلحون لقيادة حملةٍ واحدة من أى نوع ، لكنهم بالتأكيد صالحون جدا لكشف مؤخراتهم ، وقضاء حوائجهم فى الخرائب وهم يتثاءبون !
ليظل سؤال الساعة مشروعا وموضوعيا : هل أزمة هذه الأمة فى الساسة والأنظمة ؟ أم فى نُخْبَتها وعلى رأسها شعراؤها ومبدعوها ؟
أليس غريبا أن تستجيب أنظمة عربية عديدة – راضيةً أو مكرَهةً – للتحولات والاتجاهات الديمقراطية التى تعنى قبول الآخر ، وتداول السلطة ، وحق الإنسان فى الرأى والتعبير والمعتقد ، فى الوقت الذى ترفع فيه الميليشياتُ الشعريةُ بنادقَها فى وجه من يخالفها من فصائل ؟ وإذا كانت معركة القصيدة التقليدية قد انتهت باستسلامها المذعن والمهين لتدخل متحف التاريخ ( لأسباب يعرفها عشاقها قبل منتقديها ) إلا أن الحرب الضروس لا تزال دائرةً بين أنصار قصيدة النثر ومخالفيهم ، تلك الحرب التى أريق فيها من دماء الطرفين ما أريق ! الأمر الذى يؤكد أننا أمةٌ قُدِّر لها ألاَّ تتعلم أبدا – ليس من تاريخ غيرها من الأمم فحسب – بل من تاريخها أيضا ،
لقد كان كفار مكةَ ومشركوها – فى الثلث الأخير من القرن السادس الميلادى – أكثرَ رحابةً واتساعَ أفقٍ منَّا نحن – أبناءَ القرن الحادى والعشرين – حينما قالوا عن كتاب محمد وآياته إنه شعر ! مما يعنى أن مفهوم الشعر عندهم – وهم آباء الخليلِ وأجداده ، كان يحتمل أشكالا وتجلياتٍ أسلوبيةً عروضية وغير عروضية
والسؤال الذى لا يريد أعداء قصيدة النثر أن يطرحوه على أنفسهم فى لحظة صدق هو :
لماذا نعشق الوردة ؟ لشكلها أم لرائحتها ؟
" أعرفُ أننى سأموتُ دون حقيقةٍ
لكنْ إذا قال الجنودُ بأننى مِتُّ
اقرءوا قبل البكاءِ وصيتى ونصوصى
ليحملْ جثتى الشعراءُ وحدهمُ الذين سيذكرون دمى
ويحتفلون كلَّ مُصيبةٍ ببلادِهم
ويقامرون على هوًى منقوصِ
لأمىَ أن تشقَّ ثيابها
وتسيرَ خلف جنازتى مشغولةً
مثلى تفكِّرُ فى أبٍ قد بعتُ غاليَهُ بكل رخيصِ
أبى لم تذكر التوراةُ غيرَ بكائه
فإذا بكى وابيضتِ العينانِ من حَزَنٍ لأنى خنتُه
ألقوا عليه قصيدتى وقميصى "
أشرف البولاقى
قنــــــا
صورة أشرف البولاقي

التعليقات (2)

الرائع / اشرف البولاقي
هل قالها احد قبل لك؟
انت مجنون ؟
مجنون رائع جدا
يدهشني ايضا ان تعري راسك امام هؤلاء جميعا
وتبدو بلا قبعة
بلا اقنعة
لانك _وحدك_ تعرف الفارق
بين رائحة الوردة
وشكل الوردة
لكن هؤلاء جميعا
يعشقون القوالب
ويوقرونها جدا
ويسجدون طويلا للنظام
فيبدون كانهم في اشد الاناقة
لذلك يكذبون ويداهنون وينافقون ويتجملون
كعاهرة تلبس القفاز
في حين ان اليدين _ ليست عورة
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
مؤرق الي حد المفاجاة هدا الذي انت فيه من جنون
اليس كذلك ؟
صورة صبري رضوان
الانسان أشرف البولاقي
قرأت ما كتبت مرات عدة لاستمتع بعمق  وأتشرب بهذا البوح الصادق والعميق
أنها لحظات تجلي أنسانية  لانستيطع أغلبنا أن نبوح بها
أخترت ايضا نصوصا عميقة  والقيت على أعيننا قصائدك وقميص وجعك
لنفتح أعيينا بأتساع ونعرف الحقيقة
تحياتي وانتظر جديدك
صورة سحر مهدي الياسري