Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

رذاذ الأمكنة

انقضت الصّائفة ثقيلة الوقع لا تحمل جديدا في طيّاتها عدى زواج ندى من "مقتدر" الّذي أقنع والده بسداد اختياره لشريكة حياته الّتي مكّنتها طبيعتها المستقرّة من فتح مكتب الإعلانات الّذي طالما حلمت به لكنّ الحياة منحتها بركاتها اللامحدودة فأضاءت عشّها بالحبّ الّذي انتصر في تأثيث سعادتها بالآخر
دعت ساجدة ذات مساء رائق في مكالمة هاتفيّة أن تعيش عالم باريس السّاحر على وقع بحوث مقتدر العلميّة وانتظار عالم الأمومة المرتجى من قبل كلّ عاشقة للحياة السّلسة التفاصيل
هشّ قلب ساجدة للزّيارة إنّها باريس فضاء يشي بالولاء لطبع الأنثى الماردة ...يهبها الحرّية ورائحة البحر الحالمة على شواطئ نهر السّين وقد أفرغ من أحذية رسّامه الشّهير الّذي شكّله عالما رهيبا عبر أبعاد لوحته العظيمة وقد غطّته أحذية الموتى الّتي طفت بعد أن وأدت أصحابها في قاعه على إثر حرب ضروس سجّلها تاريخ فرنسيّ أسود الوقائع ...
تلفّظ خاطرها مخزونها المعرفيّ والفنيّ في اجتياح مقيت لحاضر يشي بالرّاحة ...بالغربة المخلّصة لها من غربتها ...بالسّكون المتخم هيجانا ... بالآخر الّذي لا يزال ذؤابات نار تصطكّ داخلها ...غاصت بها الذاكرة في الزّرقة المالحة وانهالت تحفر بمخالب كلّسها التّراكم في ذاك الافق القابع خلف البحار ...خلف ذاكرتها المنقّحة عن العدم ...
تبتسم العاصمة بعطور أزقتها ونفاثات الباعة المتراصّة على حافتي شوارعها الأفعوانيّة حيث
يتداخل الحديث بالقديم، ويتشابك الترميم بالإنشاء .تستنشق رائحة غير عادية تؤخذ بسحرها فتوّقع أنّها

داخل حرمها سادنة تعتنق الوقوف على مشارف المعمار الملغز أسرارا وتاريخا.

تنتهي بها الجولة عند إحدى المقاهي التقليدية فيولد داخلها فضول الاندساس بين تجمّعات روّادها ويشدّها الحنين إلى ترشّف "القهوة العربي" مقدّمة على طبق منقوش ترافقه لمسات النّادل المرتدي للزيّ التقليدي المطرّز الحواشي .
تجترّ ذاكرتها ذلك اليوم الّذي جمعها ومضيّفها "سامي" في جانب من هذا المكان القصيّ المغلّف بدخان البخور المعطّر بأنسام الحضارة المتآكلة على تخوم المكان .
نبّهها صوته الشّبيه بنبرة المتسوّل للطفه:
- ستجرين تقريرك مع أحد مفكري هذا العصر لكن حاذري الإسفاف…
- لماذا التحذير؟! صراحة، لا أرى داع لهذا التهويل للأمور.
- هذه الدواليب أيتها المحللة الواعدة مربكة وأحيانا قاتمة وإن أبدت النور في آخر الطّريق...
- أريد أن أبلغ أسباب السمّاء !
يضحك سامي ومن خلفه ينهض غبار الذكرى القاتمة التي حاولت طيها بمجرّد نزولها من باب القطار الذي ولج بها العاصمة ذات ليل مدلهمّ.
كانت قد تخاصمت ورفيقها المقرّر بقسم التحرير لأنه كان زئبقي المبادئ من وجهة نظرها ولم يطاوعها في تمرير المقال بحجّة السياسة.
إلى متى تبقى هذه العاهرمخصية ة لمبادئها؟!... حرمتها الحبّ ذات لقاء...
وجدت نفسها تسحقه لأنه يخالفها في شأن ثمن الخبز والعلاقات الاجتماعية
والمواقف الثقافية... تسحقه لأنّه يذكرّها كدحها المدفون والذي تلوّنه في اليوم ألف مرّة حتى تكون...

تسحقه وتسحق من خلفه قلبها الموجوع بالسؤال...نفثت الألم والبطالة والمبادئ المتهرئة الّتي لوّث « معتزّ « بها أسماعها بعدما وأد قلبها خلف قضبان الكدح والتّمرّد المتقوقع ...تعرّفت لرفيقها بقسم التحرير لم يكن سوى صحفيّ تعيس لون آخر غير الحبّ... جرثومة موقوتة تهزأ بعمر من المبادئ... ترمي بالشعور عرض الحائط...تدوس كلّ المباحث الجادّة في شأن المرأة والسياسة والخبز... "المحرّمات ثلاثة" عبارته المعهودة دمّرت كيانها مثلما دمّرت الحبّ هذه النافذة الغير مبرمجة بحاسوبها...تفتّحها على ذاتها فتشعر الاعتصار... الارتخاء... وتنزف مخيّلتها... تخجلها... تذكرّها أنّها كتلة ملتهبة أسرارا ...
تفكرّ في وهم يدهسها... يميط اللثام عن تعطّشها لأديم شأنك الأطراف...وهم موجع...يملؤها خرائط وتضاريس متنوّعة الانبساط أو مستنقعات الألم الدامي كالّذي يطنّ على رأسها ...وهم يعذبها بلطف المراوغ الموغل في الهمس فيجعلها تحلم، و تستلذّ الاعتلاء...
تدمع مقلتاها... يراودها ضعفها... حنينها لبقايا تلك اللحظات البسيطة.
إنّها الإنسانة...
" ساجدة" فتاة الثلاثين مغرمة بالفنّ حدّ الجنون... شغوفة بالشعر غاية الهذيان، محبّة للقلم الذي يطأ بها مغاوير الحياة اللّعوب المستهترة... تعشق بنهم كل الأحلام ولا تعشق... كلّ الهو مصدرها للإلهام والآلام الفاعلة في التاريخ...
آدم علّمها الخضوع ألجبروتي لغواية حوّاء الخطيئة ..
وغاندي يذكّرها عبقرية الشرق وقداسته...كما تستوقفها أعجوبة دي فنتشي فيرتعش كيانها وتشعر أنّها في عطش دائم إلى يدين خشنتين يبعثران جسدها المكدود...
الوجد نخب السّاعات واللّيالي الملاح... توقيع يوميّ بين الشّفاه...القبلة عملة اللحظات الفارغة المقلقة للّذات المتهرئة... الزجاجة مرشوقة على طول الطّريق العملاق شرخ العاصمة الصّاخب.
الكلّ في غثيان واع بالزمن يعيش التكوّر حول هستيريا العصر المشوّش...
سامي في هدوء الظافر بالغنيمة "الأنثى" في شكل أراده غير الذي ألفه فهو أستاذ جامعي يعتصر اللّفظ كي ينحت أفكارا ينسلها واقعه أو يتبرّأ منها ... عملة دائمة الصلاحية لحقن أذهان الطّلبة الذين أضحوا موجات "كاستينقيّة "يبهرك تسلّمها للمعلومة في بداوة الأعرابيّ المبصر لحانة...
صافح أذنيه ذات مساء صوتها، فتذكّرها... كانت على أحد مقاعد الجامعة... فتاة جادّة...بسيطة... لكن صوتها يوحي بالاختلاف...
أين اختفت تلك الجذوة الموقوتة بالعمل... لقد استحالت كائنا آخر ذلك ما أوحى به صوتها في أذنيه:
- أرجوك !أريد الانتقال إلى العاصمة... لقد وقع فصلي وتحويلي إلى قسم الفنّ عوض قسم التقارير السياسية.
سألها في برود:
- وأيّ سياسة ارتأت فصلك ونقلك؟ !!
- الأمور جدّ معقدّة وغامضة.
- إذا تعالي إلى العاصمة... سنتحدّث...
يرفع النادل الطّبق من أمامها فتبتلعها ضوضاء النّرجيلة الملتفة حول الهامة التي تجلس قبالتهما. أسنان سوداء أفل بريقها لكثرة الجذب، والغليان توقيع متكرّر يوحي بالفناء، يدان هزيلتان قد امتصّ رحيق الحياة منهما تقبضان على أعلى الخرطوم الذهبيّ اللّون... دخان كثيف في شكل كتل لولبية مغلّفة للجوّ ...مطوقة الخناق حول الهواء ...الكتل تخور من المنخران الّتي تذّكر ساجدة بالمداخن في أعلى بيوت عين دراهم ......تسترجع ركام الأفكار المتزحلقة...
تعود مرافقها وقد وسع الفضاء تأملاتها المتشابكة وكأنّ سامي قد قرأ على محيّاها ما يطوف بخلدها فنبّهها:
- اقرئي لي شعرا...
ودون قيد تفكير أخرجت من أمتعتها مفكّرتها وتمتمت في شبه التهام للسّطور...
قرأت له كلمات وأخرى...وأخرى... لذّ لها أن تسكت...أن ترمي بمفكرتها أمامها على الطاولة.
ربّت على يدها في هدوء ...ذعرت...خجلت...تلعثمت...تفاقمت مشاعر داخلها...تصارعت...أنهكها الدوار ثم تماسكت...
كان رقمه بجوّالها، سلمه لها ذات لقاء بعد ما أنهت الدراسة الجامعيّة، واقتحمت عالم العمل والشعر والصّحافة. لفتته بساطتها ذات لقاء فذكرّته باسمها في رشاقة وألم دفين. لقد كانت تدرس عنده قسم حضارة...لم يتجاوز تعاملها معه جدران المدرّج الجامعيّ ...لم تكن تبدي رغبة في مساءلته شأن سائر الفتيات... ذهب في اعتقادها أنّه لا يأبه لفتاة بسيطة مثلها وإن كان ألطف الأساتذة إحساسا بالطلبة ...
كان دائم الانحياز لهم يراعي تذمّرهم وتغرّبهم عن عائلاتهم لأجل الحلم المتلبس بكل ذات بسيطة...
أحبّت جرأة قراراته في المجلس العلميّ وإن كانت دائمة الطمس لهذا الشعور المنفلت على غير قدرة منها في وأده ...تعشق فيه الحياة لكن هناك فتاة وأخرى مرشحة للظّفر به قبلها...
كان أستاذها وكفى ...
متّعها بالبحر وتلوّنه على سواحل العاصمة، لكنّها كانت جدّ مشغولة فاكتفت بتسلّم رقم جوّاله لأنه على اتصّال وثيق بعالمها... عالم البحوث والتقارير... نظرت فيه باقي مشوار الأستاذ ونظر فيها أشياء تجهلها لضيق تجربتها.
مرّت سنوات لم تهاتفه إلا ّنادرا وكان كلّما تلقّى صوتها هشّ لها وتكلّم في إطناب ولطف متأنّق استأنست لنصائحه وتوسّعاته، ولذّ لها أن تستجير به كلّما احتاجت له.
طالع مقالاتها على أعمدة الصّحف فسعد لأنّها من طلبته لذلك استضافها بكلّ سرور حالما خاطبته أنّها ستنزل ضيفة على العاصمة.
تكلّم في عمق وأريحيّة وأعجبها منه إلمامه وتواضعه. عرض عليها مرافقته في جولة فاندفعت دون تفكير ... فعل اللمسة كان أقوى تأثيرا ...حجب تفاصيل هذه الشخصية الماثلة في وجدانها العلمي...
للخروج والانزياحات دلالات وأبعاد هكذا عوّدها عندما تكون بصدد الإعداد لبحثها. لكن خروجه عن إطار الجلسة حمّلها أكثر من معنى، نظرته في ريبة وكأنّها لأوّل مرّة تبصر فيه رجلا غير الذي ألفت، رجلا يداعب ويلاطف لغير الأبعاد التي اعتادت.
انتشلها من بين المفارقات الّتى نسجت حولها وأومأ لها بيده... هذا مثوى الزعيم "حشاد"، وهذه الرّوضة الّتي تحتضنه فنّ معماريّ يحتسب لعهدنا.
أجابته في استبعاد لخواطرها:
- كلّما جالست نخبة ضيفة على بلادنا أشادوا برهافة حسّنا وتأنّق تفكيرنا إزاء أعلامنا...كتبت ذلك في مقالاتي.
- لأنّنا شعب مثقّف.
- بطبعنا.
- الحمد للّه.
- ما رأيك في شيء نأكله.
تضحك "ساجدة" فينظر لها في ابتسام ويستنهضها فتتشابك الأصابع والأصابع ويحاول الاقتراب منها فترتبك ولا تدري أيّ موقف تتّخذ وقد لفّتها الوحدة والأرق ولا تجد غيره أنيسا لها في لحظة توقّّف تهاجمها وكأنّها الموت...
تدنو قليلا تهم بالانفلات ثم تقبل بسرعة فتندسّ إليه إلى جانبه كالقطّة التي تحتمي بجدار قويّ...يحتضنها ويصلان السيّارة... يمتطيانها حيث الأبواب و المغازات الشاهقة...
تعترضهما فرق التصوير التلفزيّ فتسعد للمنظر ويلتقي وجهها بأستاذها...مضيّفها
تتوسل إليه:
- ما رأيك في لمحة خفيفة أمام شاشات التصوير؟
ويمازحها في سعادة عبقة.
- سيّداتي وسادتي اليوم تشاهدون الحلقة الثانية من "الكسكروت العجيب".
تغرق ساجدة في الضحك فيغمرها بيديه اللتين استطالتا حتى خالتهما ساحلا طويلا يبتلعها.
- ما رأيك؟ سألها.
وحدّقت فيه متوتّرة:
- في ماذا؟ !...
- أن ندخل المسرح
فرحت للاقتراح وكادت تطير، وتقبّله لكنّها تماسكت فجذبها من يدها ودخلا وسط الزّحام من الصحفيين والإعلاميين.

صورة خيرة خلف الله

التعليقات (5)

سعيدة بوجودي على ضفاف أقلامكم العاشقة للحرف الجميل

صورة خيرة خلف الله

نحن الأسعد أستاذة خيرة
وإلى مزيد من االتعاون والإبداع الدائم

صورة الورشة

أراك شاعرة ذات قول
مزيدا من التألق
تحياتي

صورة عبد النور ادريس

خيرة الجميلة
سعدنا بوجودك بالورشة ، اهلا وسهلا وشرفنا بك كثيرا
استمتع بالقراءة لك صديقتى ، كونى بخير وابداع رائع كروحك

صورة أميمة عزالدين

أميمة عزّدين يتأخّر الحرير عن شملنا برهافة حسه لكنه لا يخلف المجيء دمت راقية

صورة خيرة خلف الله