درامية الواقع / درامية التجربة (قصيدة وقراءة)


          قصيدة وقراءة:
                                                                                       
                          أولا: القصيدة


                          ســلَّة الخـبز

شعر: درويش الأسيوطي

كان صوت الزوجة المشروخ
ينذر بالشجار
علَّق الأطفال أعينهم بقامته المديدة،
صك خد البابِ في عنفٍ، وغمغم واستدار
خارجاً يلعن ضيقَ الرزقِ،
أصحاب المخابزِ،
والخنازير الصغار ..
ـ ( إنما الأطفال سجنٌ للكبار ..)
..................
مرِّ بالبقال ..
أعطاه السجائر
بعد أن أعطاه درساً
في مزايا الادخار،
ـ ( .. كيف يا الن الـ"....."
والأسعار نارْ ؟! )
والملاليم القليلةُ
مثل سِربِ الوهمِ
إن تَفْتحْ لسربِ الوهم طارْ !!
.........
مثلما في كل ليلة،
(عمّ أحمد)
جاءنا بالملح والدُّقَّة والخبز المقدَّدْ
كان لا يبدو سعيداً ..
حطَّ سلَّته العتيقةَ
فوق مائدةٍ ليقعدْ،
راح يرقبنا وينصتُ ..
صامتاً مثل المغارات القديمةِ
يحتسي الشايَ ويسعلْ ..
حين خُضْنَا في حديث الحرب والسلمِ تنهَّد،
مدَّ إصبعهُ،
تحسَّسَ طلقةً بالصدر ترقد،
قال والعينان تشتعلانِ أسئلةً وضيقاً:
ـ .... مَنْ أتوا مِن آخر الدنيا إلينا
كلُّهم أولاد (....)
لم أجد فيهم صديقْ
..............
ضَجَّتِ الجلسةُ بالضحك المسهَّدْ ..
حينما لملمَ ضوء الفجرِ
روَّاد المقاهي، وانصرفنا،
هو بالقلب المؤرَّقِ بالتمنَّي،
وأنا بالشارع النعسانِ والطرقِ المعادةْ
كان يمشي في ثباتٍ ..
كان نهر النيل يرحلُ في بلادَةْ ..
عند باب القلعةِ المسكونِ بالأشباحِ
والتعذيب كانتْ ..
سلَّةُ الخبز .. وحيدة ..
لم يكن فيها كثيرٌ
كان بالسلةٍ أحلامٌ
وأوراقٌ
وخبزٌ .. وقصيدةْ !!




              ثانياً: القراءة
                      درامية الواقع / درامية التجربة



ليس المهم أن تشفَّ القصيدة عن الموقف الفكري والشعوري الذي يعبر من خلاله الشاعر عن درامية الواقع ومآسيه، تلك التي تقف كمحرك أول لمآسي الذات الشاعرة، وتعمل على تفاقمها.
الأهم والأولى شعريًّا أن تتنحى الذات الشاعرة عن عرض الدراما أو التعبير عنها بوسائل مباشرة، أو حتى التدخل كنصر من عناصر الدراما .. تتنحى عن ذلك لتتجه وجهة أخرى تسمح لها باكتشاف الدراما لا التعبير عنها، ذلك لأن الدراما تقع حقيقة في المسافة الفاصلة بين الذات والموضوع، ومهمة اكتشافها يقع على عاتق الفنان وحده .
هذا التوجه الأخير هو ما لاحظته في قصيدة "سلة الخبز" المنشورة في ثنايا ديوان "بدلاً من الصمت" للشاعر درويش الأسيوطي" .. نلحظ في القصيدة توظيف الأسلوب القصصي كأحد العناصر التعبيرية للدراما، ولقد استخدم درويش الأسيوطي هذا الأسلوب لالتقاط الدراما في الواقع، وتسجيل بعض التفاصيل القصصية الدقيقة للعناصر الدرامية الموضوعية ، من خلال التركيز على أفعال الشخصية (عم أحمد).
في هذه القصيدة كانت الذات الشاعرة محايدة تماماً في العرض القصصي، ولم تتدخل بفرض شعورها الخاص، ولا بفرض موقفها الفكري الذي قد يلون الأحداث، لكنما قد يبدو ذلك مخالفاً لمقولة: " لا حيادية في الأدب".. والحقيقة إن عدم الحيادية موجود في التجربة التي نحن بصددها، إذ الذات الشاعرة ـ أولاً وآخراً ـ هي التي تفرض زاوية الرصد وتمتلكها وحدها، وهي وحدها التي اختارت "عم أحمد" ليكون محوراً لعملية القص، والحقيقة ـ أيضاً ـ ومهما قيل: " ألا حيادية في الأدب" ، فلابد أن تبقى الأدوات محايدة. 
إذن عدم الحيادية موجود خلف النص لا أمامه ، عدم الحيادية موجود إذ توجد الذات التي ترى، والتي اتخذت موقفها من الحياة والكون، ولكن عليها أن تنقل لنا مكتشفاتها بأدوات محايدة تماماً، ومن دون أن تتحول هي إلى أداة .
في قصيدة " سلة الخبز " محاولة رائعة لاستكشاف الدراما من خلال التركيز علي قصة " عم أحمد " الذي هو صورتنا جميعا، وضميرنا الجمعي .. يلتقط السارد جزئيات وتفصيلات صغيرة جداً ليحمِّلها دلالات عظمي .. اختيارات الشاعر كانت وسيلة إذن، ومؤشراً لدراما عظمي كامنة في الحياة .
يبدأ صوت السارد عملية القص مستخدما الفعل الماضي ( كان) ليحيلنا إلي التحقيق الفعلي، فلم يعد من شك في أن ما سيخبرنا به محتمل بل متحقق، غير أنه معنيٌّ الآن بالسرد عن هذا المتحقق .
وقد بدأت القصيدة بمشهد تمهيدي يصور حالة " عم أحمد " صاحب القامة المديدة، وهو يهرب من مواجهة صوت الزوجة، وعيون الأطفال .. هو في الحقيقة يهرب من احتياجاتهم مرغمًا .. هو يهرب إذن ــ مرغمًا ــ من مسئوليته .. صحيح أن "عم أحمد" يهرب من مسئولية شخصية، ولكن وبنظرة أكثر اجتماعية وأكثر وعياً بالمسئولية هو يهرب من مسئولية اجتماعية كبري تخص الوطن .. أوليس الأطفال أبناء الوطن، وعدة مستقبله ؟!
من ناحية أخري "عم أحمد" لم يهرب طوعاً بل كان مغلوباً علي أمره الذي لم يعد أمره، في الوقت ذاته يشف حاله عن لكنما دور المسئول الأكبر في المجتمع الذي أجبر هذا العملاق علي الهروب من مسئوليته ، كما تشي بعد استقرار الأسرة/ اللبنة الأولى في المجتمع، ومن ثم عدم الاطمئنان إلى مستقبل الأسرة/ المجتمع، وبهذا تتجه القصيدة إلي تفعيل رؤيتها باتجاه عام يشملنا جميعا .
"عم أحمد" المغلوب علي أمره ، المسئول صاحب القامة المديدة، ورغم تعليق الأطفال بهذه القامة يفضل الهروب عن البقاء معهم.
الهروب إلي أين ؟! .. ومن أسف كان الهروب إلى المقهى حيث تناسخات "عم أحمد" .. شخصيات تائهة ضائعة ، تمارس الثرثرة واجترار الأحزان والأحاديث المعادة ، والأمنيات، ولا فعل غير ذلك إلا ما يمكن أن يتم مجسداً في قصيدة .. بهذا يدخل الشعر حيز المأساة ليصورها وهو في الوقت ذاته مصطبغ بلونها .. وماذا بعد؟! .
ثمة ما يشي بالضيق العام ، والطقس المشحون بالإحباط والتوتر منذ بداية القصيدة: "صوت الزوجة ينذر بالشجار" ــ " غمغم واستدار" ــ " يلعن ضيق الرزق، أصحاب المخابز، الخنازير الصغار " ــ " الأسعار نار " ــ " الملاليم القليلة مثل سرب الوهم " تطير .. ثمة معاناة مزدوجة إذن .. معاناة اقتصادية تخلِّف معاناة نفسية، لدرجة أن عم أحمد يصرح عبر منولوج داخلي جاء مطعماً السرد: " إنما الأطفال سجن للكبار " .. الأطفال رغم صغرهم وضآلتهم سجن للكبار من أمثال عم أحمد .. لا يمكن أن يكون هذا الحكم مقبولاً من عم أحمد ما لم يكن صادرًا عن ذات تستشعر ضآلتها وعجزها التام .. هكذا يبدو عم أحمد ـ في الواقع ـ رغم أنه ـ شكليا ـ عملاق.
لنا أن نتساءل عن سبب أقذمته .. هل بالفعل هي مسألة اقتصادية طارئة أو حتى غير طارئة ؟ .. هل هي المطالب البيولوجية الملحَّة التي يعجز عم أحمد عن توفيرها له ولأولاده ؟ .
عم أحمد رغم ظروفه هذا يدخن: " مر البقال .. / أعطاه السجائر / بعد أن أعطاه  درساً / في المزايا الادخار " ويلي ذلك حوار خفي لعم أحمد مع نفسه يرد به علي البقال: " ــ كيف يا ابن الـ ( .... ) والأسعار نار ؟ ... " وفيما يبدو أن أزمة عم أحمد ليست طارئة: " مثلما في كل ليلة / عم أحمد / جاءنا بالملح والدقة والخبز المقدد" .. هو لا يمتلك فعلا غير القعود واجترار الأحزان والأمنيات والوهم ، وفيما بدا أنه مهموم بقضية أكبر تقف خلف مآسيه وتعكس انهزامية جماعية: " صامتاً مثل المغارات القديمة / يحتسي الشاي ويسعل / حين خضنا في حديث الحرب والسلم تنهد .. / مد إصبعه ، / أتحسس طلقة بالصدر ترقد .. " ثمة غيظ وقهر كامن بالصدر كطلقة مدمرة لو خرجت ، وثمة ما يمكننا كولة بشكل آخر : إنها القوة المكبوتة قهرا ، وقد تبدل الوضع السياسي من حرب تصنع نصرا وتحرر أرضا وتطرد عدوا إلي وضع يصنع سلما واعترافا بالآخر العدو ، وتطبيعا مائعا يتمنطق بالسلام / الاستسلام .
هكذا تستحيل كل قوة تحررية أصلية في هذا الشعب إلي قوة متوارية في الصدور، وقد تبدل الوسط ، وأصبح الحديث عن السلم مقرونا بالحديث عن التنمية وتحسين الاقتصاد .. والنتيجة ماذا ؟ تطرح القصيدة همًّا يعطي الإجابة: " الملح ــ الدقة ــ الخبز المقدد ــ سلة أحلام ــ أوراق ــ قصيدة " وجميعها مفردات للوهم والضياع والفقر .
وبهذا تطرح القصيدة رؤية شاعرها، وتجسدها من خلال عم أحمد الشخصية المخترعة التى تنقل بحواراتها حوارات الشاعر . ومن ثم فعم أحمد ليس إلا قناعاً للشاعر، وهذا هو الفن عندما يبعد عن المباشرة وينأى بالذات عن التدخل المباشر الصريح كطرف فى عناصر الدراما .
من ناحية أخرى استطاع النص أن يشعرنا بعمومية كامنة خلف عم أحمد كفرد يعاني من ضيق ذات اليد، وكثرة الخلف ، وتسلط الزوجة .. هذا الهم تخطاه النص إلى وضعية عامة أوسع من خلال المفردات وطرق الإسناد ، وتحميل اللغة بالدلالات؛ فليس حديث الحرب والسلم خاصاً بعم أحمد وحده وليس استخدام ضمير المتكلمين فى "جاءنا" استخداماً اعتباطياً .. وليس ورود مفردة "المقهى " إلا لإنتاج دلالة تتجه بنا نحو المجموع .. وليس الخروج بالحدث من بيت عم أحمد إلى الشوارع الناعسة  والطرق المعادة إلا اتجاها بالحديث نحو الحياة العامة .
هكذا نحن أمام محطات ثلاث : ذات شاعرة ــ موضوعة شعرية ــ واقع موضوعي .
كيف استطاعت القصيدة أن تخرج من ذاتية صرف إلي واقع موضوعي ، وكيف حدث العكس، عندما تُشَعْرِنُ الواقع الموضوعي لتُلْبِسُه ثوب الذات ؟ .. إنها جدلية العلاقة بين الذات والموضوع تمت من خلال " عم أحمد " الموضوعة الشعرية التي تحمل لون الواقع الموضوعي في الوقت الذي تعد نتاجاً له.
وهكذا هي القصيدة الغنائية الدرامية، عندما تلون غنائيتها بالدراما التي تسكن المسافة بين الذات والموضوع .
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن :ــ كيف استطاعت القصيدة أن تجعلنا طرفاً ــ نحن المتلقين ــ في الصراع ؟، والإجابة: لقد سبقت الإشارة إلي كسر الذاتية من خلال الموضوعة الخارجية "عم أحمد " من ناحية، ومن ناحية أخري الاتجاه بالموضوعة من إطار الخصوص إلي العموم .. بهذا الخروج إلي العموم تصبح القضية قضيتنا، ونصبح متحمسين للرؤية المطروحة في القصيدة لسببين: أولهما  : إننا جزء من هذه الرؤية ، وثاينهما : أن القصيدة تطرح رؤيتنا إذ تتجه بنا إليها أو بها إلينا،  وما كان ذلك أن يتم إلا بوسائل تعبيرية درامية، لنا أن نتوقف عندها، منها:
( 1) القناع / عم أحمد / الموضوعة الشعرية، الرابطة بيننا وبين الذات ، وقد اتجه بهذه الموضوعية ــ علي نحو ما سلف ــ من الخصوص إلي العموم .
( 2) الجميع بين المتناقضات ( الصورة الحقيقية للحياة / الواقع ) مثل الجمع بين :" الأطفال ــ والقامة المديدة " و " تعلق الأطفال ــ  غمغم واستدار " و" طلقة ــ ترقد " و" ابتسام ــ أرق " و" ضحك ــ سهاد " و" الطرق ــ النعاس " و" المشي ــ الثبات "و" الفجر ــ الانصراف " و" الحرب ــ السلام " و" يمشي في ثبات ــ نهر النيل يرحل " و" أعطاه السجائر ــ أعطاه درسا ".
أي جمع هذا ؟! . وأي مفارقة تلك التي يخلفها هذا الجمع ؟ فمثلا " أعطاه السجائر ــ أعطاه درساً " .. جمع يشي في خَفَرِ جميل عن المفارقة .. وأي مفارقة تلك التي يخلِّفها الجمع بين العطائين .. أي عطاء من شأنه أن يحدث تكييفاً لحالة عم أحمد، مع  الدرس / الصدمة التي تذكِّر عم أحمد بعجزه وعدم درايته بالادخار في وقتٍ لا يجد فيه ما يدخره . إنها المفارقة إذن أن يكون كل فعل للتكيف مع المأساة / الحياة مساوياً تماما لفعل آخر هو رد فعل الحياة / الواقع / الصدمة التي تشعرنا أننا لا نستحق هذا.
( 3) الحوارات والمنولوج الداخلي وكلاهما ناقل لجوانيات الشخصية القناع ومجسدة لمشاعره وأفكاره ومعبره عن الحالة.
( 4) الحركة والحركة المقابلة: " تعلق الأطفال بقامته ـ صكَّ خد الباب " و" يمشى في ثبات ـ الشارع النعسان " و " يمشى في ثبات ـ نهر النيل يرحل "
(5) السرد المشبع بالدلالات :" راح يرقبنا وينصت / يحتسى الشاي ويسعل / ضجت الجلسة بالضحك المسهد / كان نهر النيل يرحل"
ولنا أن نتأمل دلالة التعبيرات الآتية لنرى صورة للواقع والحياة ولأنفسنا:" الضحك المسهد ـ الأماني المؤرِّقة ـ القلب المؤرَّق ـ الطرق المعادة ـ النهر الراحل فى بلادة ـ القلعة المسكونة بالأشباح والتعذيب ـ الطلقة التى ترقد بالصدر ـ العينان المشتعلتان أسئلة وضيقاً ـ دُقة وملح وخبز مقدد .." أية حياة هذه وأية تعاسة ؟ .. لم يكن الأمر أسوء من هذا فى عام الرمادة الذي عرفه التاريخ العربي ، غير أنه كان عاماً واحداً، ولم يكن كواقعنا الحاضر ممتداً فى رمادته، غير أننا هذه المرة نحن الصانعون لمأساتنا بأيدينا .. بتوجهاتنا الفكرية الخاطئة ، ورؤانا الكليلة.  
(6) المشهد الشعري بما يحويه من ملامح للمكان والشخوص.
فملامح المكان مأساوية: " نهر يرحل ـ شوارع ناعسة ـ رواد مقاهي ينصرفون ـ طرق معادة " بينما تتناثر في المكان أشياء تنم عن مأساة: " عينان تشتعلان أسئلة وضيقاً ـ سلة خبز وحيدة ـ طلقة راقدة ـ سلة عتيقة ... "
الشخوص الذين يصنعون الحركة " أطفال ـ الخنازير الصغار ـ الأشباح الكبار ـ عم أحمد وأمثاله من شخصيات تائهة مهزومة مأزومة" فيما كانت الأفعال التي  تشي بالحركة كلها مأساوية، وتنم على التلاشي والأرق والانتهاء والسكون: " حطَّ ـ تحسس ـ يرحل ـ انصرفنا ـ يلعن ـ يمشي في ثبات ـ يسعل ـ ترقد ـ يرقب ـ ينصت ".
هذا المشهد بما يحويه يربطنا بواقعنا وبحياتنا جميعاً وليس بحياة الشاعر/ المؤلف التي يعج بها صدره ومشاعره المغلقة على ذاته .. إنها حياتنا التي يجتمع فيها "الملاليم والأسعار نار" و "الملاليم والادخار" حياتنا التي صارت بين قوسين محاطة بالخنازير الصغار والأشباح الكبار، وبالأخص حياة الشريحة الفقيرة من مجتمعنا تلك التي تماثل عم أحمد في وضعيته الاجتماعية التي  تعبر عن مستواها المفردات: " الملح، الدقة، الخبز المقدد " .. وثمة ما يعبر عن أفق حياتنا وما يدور فيها من أحاديث عن الحرب والسلام والغلاء وما إلى ذلك من حوارات عن التطبيع والأمنيات المؤرقة.
والحقيقة أن قصة "عم أحمد" على طرافتها لا تلفت انتباهنا إليها إلا بالقدر الذي أثرت به فينا، فهي حيلة فنية في الشعر، وظيفتها أن تلفت إلى أسباب ودلالات ورودها في القصيدة / الشعر .. أي أن قصة عم أحمد لم تكن أكثر من أداة فنية في القصيدة، حتى لا نتوهم أن " درويش الأسيوطي" تورط في كتابة قصة على حساب الشعر.
القصيدة بهذه المثابة لا تزال صادرة عن موقف الشاعر الفكري الخاص، ملونة بمشاعره وعواطفه، وهو موقف يقدم لنا الحياة كما لو كانت قصة خيالية أساسها التناقض والمفارقة والإحباط العام، ولم يقدم فيها الشاعر مجموعة من الاختيارات المشفَّة عن واقعنا المعاين فحسب، بل قدم معها مجموعة من المواقف المشفَّة عن واقعه النفسي ورؤيته الخاصة.
ولنا أن نتأمل في هذا الصدد الجزئية الأخيرة من القصيدة: " حينما لملم ضوء الفجر/ رواد المقاهي ، وانصرفنا / هو بالقلب المؤرق بالتمني / وأنا للشاعر النعسان والطرق المعادة/ كان نهر النيل يرحل في بلادة / عند باب القلعة المسكون بالأشباح / والتعذيب كانت / سلة الخبز وحيدة / لم يكن فيها كثير .. / كان بالسلة أحلامُ / وخبزٌ وقصيدة "
عندما نقف متأملين هذا المقطع الأخير سيدهشنا أن الشاعر قد خلع قناعه وسيدهشنا أننا في النهاية أمام سلة وحيدة، كما صار الشاعر وحيداً، وسيدهشنا أن السلة لم تكن تحوي إلا أوراقاً وخبزاً وقصيدة وأحلاناً ، تماما مثلما أن ذات الشاعر مستودع لهؤلاء، ومثلما أن حياة الشاعر فارغة إلا من هؤلاء، وبهذا الانفصال بين الشاعر والقناع بدأت الذات الشاعرة السفور : " أنا للشارع النعسان والطرق المعادة" .. ثمة مواجهة صامتة لحياة غافية، وقد سيطر على المشهد الأكبر في الحياة أشباح كبار متسلطون يمارسون التعذيب في قلعة كبيرة، في حين أن النيل / رمز الحضارة المصرية يرحل في بلادةٍ .. أفول مصحوب ببلادة في طقس ناعس .. هذه هي الخلفية الكامنة في الذات تفصح عنها وقد خلعت قناع عم أحمد .. وهذه هي الحالة العامة التي كانت موضوعاً للتأمل الشعري، والتي اضطرت الذات الشاعرة لأن تتلبس قناعاً تظهر لنا به، وتتجه به إلينا.
أما وقد خُلِع القناع فنحن أمام سلة وحيدة ( الحياة الضيقة المحصورة المشمولة بالوحدة والانقطاع ) السلة الوحيدة إذن رمز لحياة الفرد منا .. لا تحوى غير الخبز والأحلام المهيضة والأوراق والقصيدة أو لسان الحال .. وأية قصيدة وأي لسان حال؟! .. إذا كانت الأحلام ومعها الخبز قسماً مشتركا بين الجميع ، فإن القصيدة وحدها تخص شاعر ما، ومن ثم فإن السارد الذي ظل يسرد لنا قصة عم أحمد لم يكن سوى شاعر من ضمن شخصيات القصة، وهو الذي ظل وحيداً في النهاية مع قصيدة درامية هي صورة لحياتنا / حياته.
غير أن التساؤل المطروح الآن:" لماذا هي السلة أمست وحيدة؟ .. لقد كانت منذ قليل في يد عم أحمد عندما كان جالساً على المقهى يثرثر ويجاهر برأيه مع صحبه؟ .. لقد اختفى عم أحمد من المشهد اختفاءً فجائياً مثيراً مريباُ دونما إشارة واضحة، بينما كانت السلة هي دليلنا على مكان اختفائه، من هنا تصدمنا النهاية المأساوية المؤسفة؛ فعم أحمد اُخْتُطِف، والأشباح يمارسون الآن تعذيبه في القلعة .. لكأن عم أحمد ينقصه عذاباً ؟! وهذه هي المفارقة التي تشف عن أدور النظم الحاكمة .. إنه أدوار شبحيٌّة تضيف إلى عذابات الناس عذاباً جديداً وهماً متجدداً .. لكأن كل أزمات عم أحمد / المواطن / الشعب ، سواء النفسية أو الاقتصادية لم تعد محل نظر النظم الحاكمة ، أو لكأنها ـ تلك الأزمات ـ ليست شافعة عندها لرحمة  هذا المواطن البسيط المهيض . . بدت مهمة تلك النظم هي أن تزيد الطين بِلَّة ، وتلك إشكالية ( الشاعر ـ السلطة ) التي تستدعي إشكالية ( المواطن ـ السلطة ) في عالمنا العربي.
عم أحمد مجرد مواطن / مجرم ، لا لشيء إلا لأنه جاهر برأيه في ثرثرة عابرة على المقهى .. الثرثرة / المتنفس الوحيد لدى المواطن أضحت جريمة .. ثمة مفارقة إذن يخلِّفُها الواقع السياسي تضاف إلى المفارقات الكثيرة التي استشعرناها مع القصيدة، جميعها تؤكد لنا أن هذه القصيدة (سلة الخبز) هي صورة لحياتنا الدرامية، الفارق أننا خارج القصيدة لم نعد مؤهلين لاستكشاف تلك الدراما .. ثٌرى إلى أي مدى كانت قصيدة درويش الأسيوطي بوسائلها الدرامية مستكشفة لهذه الدراما في واقعنا، وإلى أي مدى كانت هذه الوسائل حاملة لصورة حياتنا مغلفة برؤية فنان مستكشف؟.

عبدالجواد خفاجى
Khfajy58@yahoo.com
صورة عبدالجواد خفاجى