Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

خطاب المراجعة الإسلامي (قراءة في العقل السياسي العربي)




خطاب المراجعة الإسلامي
قراءة في العقل السياسي العربي
الطاهر مرابعي


أسالت القضية الجزائرية من جهة تجربتها الإسلامية الحبر الكثير و رصدت لدراستها الطلائع و الأقلام، من الداخل و الخارج، فطبعت كتب بأكملها و خصصت مقالات عديدة في تناول مختلف جوانبها ... النفسية و الاجتماعية و القومية... و لعل هذا المقال إحدى هذه المداخلات المميزة من كم من جانب... لمعايشة كاتبه الدقيقة لمختلف الأحداث و عن كثب، يضاف إلى ذلك بعض ما يزعم صاحبه من امتلاك لأدوات النقد و الاستقراء بما يجعل من الدراسة سبرا للمسكوت و استنتاجا لخصائص النظام؛ هذا النظام الذي نضطر جميعا لأن نكون له خاضعين و في كثير من الأحيان دون شعور منا، لأنه يتخفى من وراء بنية تصورية وسلوكية تنبعث من غير وعي فينا(1) بحكم طبيعة التكوين و الخصائص الاجتماعية و البيئية.

و لعل من بين ما صدر من دراسات عن هذه التجربة _ و نحن نستثني منها التصريحات و الاعترافات التي تدلي بها الجهات المعنية بطبيعة الصراع مباشرة، و إن كنا نستفيد منها من زاوية ما_، كتاب "الحركة الإسلامية في الجزائر دعوة لمراجعة الرصيد وتقويم المسيرة" لمؤلفه خالد حسن(2) ، و مؤلفات أخرى لأحمد مراني أحد الإسلاميين السابقين في الحزب المحظور، يضاف إليها مؤلفات عبد الملك رمضاني التي صدرت في شكل سلسلة ملفات كان أكثرها إثارة للجدل بين الإسلاميين كتاب "مدارك النظر في السياسة"(3) و هو بحال من الأحوال لا يخرج عن التصور السلفي بمفهوم الدين، بمعنى أنه "معالجة دينية للأزمة" من زاوية مخالفة نحسبها واقعة تحت تصور ما يطلق عليه أصحاب هذا المذهب بـ"التصفية و التربيـة"، بمنظور "العودة إلى الكتاب و السنة بفهم سلف الأمة"، و هي على كل رؤية بنيوية _تخضع للمفاهيم التقليدية للدين في صورته "الأثرية"_ إذ تنطلق من قضية الوعي الفردي لتتصاعد من خلاله إلى تكوين التصور الاجتماعي، و طريقة المداخلة هنا لا تخرج عن كونها "فتوى شرعية" على خلاف بعض الدراسات الإسلامية و ربما كانت الأكثر هيمنة و التي تجعل من المبدإ الديني منطلقا لها، لكنها تحيد عنه بمواقف استنتاجية و تنظيرية أخرى رغم بقائها في دائرة تصوره... و أهم من ذلك في تصورنا ما صدر من مؤلفات تحاول استقراء الواقع من زاوية فكرية تحليلية على ضوء مجموعة من التصورات و المقولات العلمية الوضعية كمؤلفات رياض الصيداوي(4) التي نراها ذات قيمة تحليلية أكثر منها سردية، و كتب أخرى و دراسات ربما لم تبلغنا لكن سمعنا جوانب عنها خصوصا ما صدر في صورة إعادة نظر و تنظيم في صفوف الإسلاميين بعد التجربة الجزائرية و التجربة المصرية للإخوان، و ما تبعها من مهادنة من طرف الأنظمة التي تخلت أخيرا عن منطق الزجر و الردع الشامل.

و رغم ما للإسلاميين من تجارب في مختلف دول العالم حتى في الدول الغربية بالنسبة - لما يظهر مع الجاليات المقيمة هناك و المنتظمة في جمعيات ذات أهداف بعيدة الاستنتاج، تتحكم فيها مصالح خفية-، فإن التجربة الجزائرية على قدر من الفرادة و التميز، جعلها تتخذ درسا يحذر من الوقوع في أسبابه بالنسبة للحكومات العربية و الإسلاميين على السواء، متخذين في ذلك قاعدة تجنب الوقوع في الخطأ نفسه مرتين، و هو ما يعني التسوية بالنسبة لهؤلاء بين النتائج المترتبة عن التجارب المختلفة لأي شعب، مع تجارب الشعوب الأخرى (أعني الإسلاميين)، هذا القول الذي لا يعدو في تصورنا مجرد فرضية سهلة التقويض؛ سنتخذ
لها خطابا بعينه في تمثل هذا القول و ليكن كتاب خالد حسن الصادر في أمريكا 

كانت التجربة الإسلامية الجزائرية برأي الكاتب - كما يتضمن كتابه- درسا لمختلف الحركات الإسلامية في العالم ، و النقطة التي يجب أن ترسم لأجل العودة إلى السطر، كما لو أنه يقر بضرورة "إنهاء طريقة الرسم القديمة التي كشفت عن فشلها في تزيين الواقع للشعوب عبر أداة الدولة" و هنا بالذات نتذكر دعوة التغيير و ما تعنييه من ثبات في المبدأ (السياسة أو الدولة) ... المطلب المستمر للإسلاميين منذ أن ابتكرت الانتكاسات كأسباب كافية لتقويض الوضع القائم، و ما يؤاخذ عليه الكاتب في كتابه هذا تسويته بين متنافرات أشرنا إلى أولها و هو تعميم الخاص، و الاستمرار في المطالبة بالدولة الإسلامية، إضافة إلى نقطة مهمة و هي بناء فرضيات الطرح لا على القاعدة التي هي النص، و إنما على ما لا يجوز حتى تسميته بالهامش، و كان جديرا بخطابه - الذي نتصوره الخطاب السياسي المشترك مع غيره من أصحاب مذهبه- أن يتخذ من المتعالي النصي و القول العلمي السند لتقويمه بدل الإشارة إلى الأسماء التقليدية كوصف التنظيمات الزائلة التي أثبتت فشلها، كالجماعة الإسلامية المسلحة و ذكر أمرائها مع التشكيك في هويتهم و انتماءاتهم...

و ربما كان الكاتب هنا منشغلا برصد دقائق الأمور بمتابعة التاريخ السياسي للجزائر منذ ظهور الأحزاب إلى غاية تشكل المعارضة المسلحة، بغرض إعطاء الدرس لمراجعة الواقع إلا أننا على الرغم من ذلك لا نزال على إصرار و تحفظ من هذه العضة فما تلك الأخطاء بالمثالية و لا هي بالمنازعات العلمية، و يصح برأينا أن نصفها بالأحداث التاريخية التي تفرض علينا وجودها بحق ثبوتها لا بمنهج معرفتها و علمها فننزلها الدرج كوثيقة للمؤرخين و لا نتعالى بها إلى مقام النص للاستنباط .

فإذا عدنا إلى المقام الثاني من طرحنا، و هو تعميمه للخاص، فللحديث مساق...، فليس التصور القائم خاصا بالرجل وحده، بل يشاركه فيه أكثر من باحث و كاتب و كأن القدر المحتوم الذي ساق الجزائريين إلى الاقتتال هو ذات القدر الذي يمكن أن يلاحق باقي المسلمين بنتائج التجربة الجزائرية، بل و أكثر من ذلك .. فقد غدا التصور الديني لا ينفك لصيقا بنموذج الدولة مع ما في هذا التصور من مغامرة بفتنة السلطة، و تهييج للجماهير، فضلا عن مغامرة الاستهانة بأداة الدولة و تصورها قالبا يستوعب أي تصور ليتموضع فيه بطريقة بريئة .

إن ما ينبغي للباحثين الانتباه إليه هو الخصوصيات التي تحول دائما دون تعميم الحقائق لمجرد تشابه التجارب، فما ينبغي تصوره منطلقا في هذا القول قضية "العرب الأفغان"، هذه الفئة القليلة المنسية في مجتمعنا العربي و الموجودة في كل البلدان العربية دون استثناء و للتأكيد على مفردة "دون استثناء" لا بد من استحضار السياسات العربية السابقة التي واكبت الحرب الأفغانية، تلك السياسات التي شجعت الهجرة إلى أفغانستان بغرض الجهاد تحت دعم سياسي و تغطية إعلامية كبيرة، كانت من الحمية بحيث جعلت من الحدث رأس العناوين على الصحف و مقدمة العرض على نشرات الأخبار، فمن كان بمنأى عن تلك التدعيمات إلا أن يكون على هامش الحياة الدولية و الإسلامية وقتها !!

في ذلك التاريخ بالذات بدأت تتشكل أولى صفوف "الإرهابيين" بمنطق اليوم و كانت القاعدة في ذلك التصور هي عبارة عن فكرة "نقل الجهاد من أفغانستان إلى الجزائر" و لا أقول إلى أي دولة عربية رغم وجود هده الحقيقة، و السبب فيما أرى هو متابعة مدى التحقق قبل الحديث عن مجرد الأفكار... كانت جحافل الجيوش العربية المتوجهة إلى أفغانستان غير محددة الجنسية فهي من كل الجهات، تحت راية واحدة و بمرجعية واحدة... بدأت تتشكل مرجعيتها أولا بالمنطلق الشرعي السني، ممتدة إلى عداء الشيعة في فترة متأخرة قبيل انتهاء الحرب و عودة "المجاهدين"، و بعد العودة كانت المناسبة قد أتيحت و حدث فعلا ما سمي بـ"الجهاد في الجزائر"... فأين كانت ذات المشاريع الحربية مع العائدين إلى دولهم من غير الجزائريين... أفلا يكون معقولا بعد هذا أن نتساءل عن جدية تعميم النتائج بعد أن امتنع هذا التعميم بقيام حروب أهلية في الدول العربية الأخرى

لا يبدو مناسبا أبدا استقراء مستقبل و واقع المسلمين بافتراض الواقع الجزائري و إسقاطه عليهم، فضلا عن افتراض مسالك منعرجة و ليست "غيرية" في تحقيق الدولة الحديثة و القوية، و إلى غاية هذه النقطة تجدنا مضطرين بحكم المنهج إلى متابعة السؤال ليس عن الكتاب المذكور، إنما عن جزء من الخطاب الإسلامي (السياسي) الذي يهيمن على المشروع الإسلامي كما يهيمن على فكر خالد حسن، و بدل أن نستقرئ مشكلة الدولة و قضية تطويعها بتلك الأحلام، نستعير رأي/عقل -المقايسين- الذين عمموا نتائج الواقع الجزائري على العالم الإسلامي و نتساءل - هذه المرة معهم- عن الرجال الذين قادوا الإسلام في الجزائر على الجبهتين السياسية و العسكرية، و عن منهجهم و أفكارهم، بكل ما يحمله هذا الاستقراء من معاني الممارسة و السلوك الرسميين ، في عصر العولمة، عصر الانفتاح و التحدي، و أخشى أشد ما أخشى، هول المفارقة بين الحلم و الواقع و أكثر من هذا أخشى العناد معهم باستمرار العمل بالتعميم مقايسة كما يتصورون فأنتهي بهم إلى حتفهم إن قبلوا منهجي الذي أقترحه عليهم - بناء على تصورهم- فيغدو منهجهم (المقايسة)، لتكون النتائج وخيمة قدر سوء منطلقهم الدموي العنيف الذي نرتقب "المقــايسة" عليه، أقول هذا الكلام من منطلق أن الإسلاميين يقرون اليوم بسوء اختيارهم بين البدائل المتاحة لديهم كما يذكرون فيما ألفـوا من كتب، و يعترفون بألسنتهم بأن الواقع يقتضي صياغة جديدة و مراجعة، لكن أيضا في سبيل إقامة الدولة!!، و لا أدري أأقول بألطف سابق أفكارهم أم بأفكار غيرهم !!

لا يبدوا "منهج المقايسة" بهذا التصور؛ تصور نفس النتائج الواقعة في الجزائر و خارجها، و تصور الدولة الإسلامية بعد الفشل العسكري ، إلا من قبيل عمليات النقل لا أكثر، فبمثل نقل النتائج تنقل الأدوات والممارسات، فإن اختلفت في قليل اتفقت في كثير .

قد تنتقل النتائج السلبية من الجزائر إلى الدول العربية الأخرى، إذا قد تنتقل النتائج السلبية و الأخطاء العسكرية إلى الدولة السياسية، و لسنا قاصدين التضخيم بهذا الصدد، إنما حددنا ضخامة الأمر بما رسمته تصورات الإسلاميين و تقييمهم لتجاربهم، التي يحملون لواء الاعتراف بجسارة خسائرها بشجاعة تحسب هذه المرة لهم، و لا أحب و أنا أحرر هذه الأسطر أن ينظر إلى كاتبها نظرة الكافر، فقد يحدث هذا التصور لمن لا يعرفه لكن الأمر يتعلق بنقد للذات و نقد للتصورات التي أضاعتنا زمنا في التيه، خصوصا عندما تعلقنا بالسياسة و تضاربنا بها، و كأنها الماء الذي نموت بمغادرته، و كان للجزائر فيها نصيب كبير من المأساة و المعاناة... لأطراف ذاقت المر المرير في وقت كان بالإمكان فيه تلافي كل ما سال من دماء... لا يتصور عاقل أنها مشاعة بلا رقيب.
  

أخيرا يمكن لسائل أن ينظر في هذا القول بالنقد، و إن كان علي أن أستدرك شيئا فإنما ينبغي لي أن أناقش قضية منهجية هي من الضرورة بحيث ينتقض البحث بشبهتها و هي قضية المنهج، فللقارئ أن
يتساءل في أمر رسخته حد الاستفاضة و يتصور أني نقضته و هو مشكلة التعميم للقضية الجزائرية على العالم الإسلامي على سبيل المقايسة، و هو ما كان مني مستنكرا و ربما ساعدني هذا الأمر في غايات أخرى كان أبرزها انتقاد هؤلاء الإسلاميين، و تصورهم بموقف السوء لو أنهم وصلوا إلى السلطة، مآخذا إياهم بجريرة ما تبع ثورتهم من قبح، ثم تعميم البحث على العقل العربي كافة كما في تابع العنوان " قراءة في العقل
السياسي العربي"، و القول عندي أني أخذت أول الأمر بـ"العقل المستعار"، فجعلت الموقف يتحدد باستشراق مستقبل يرسمه الإسلاميون أنفسهم وبمنهجهم، لكن على لساني و بقلمي، هذا أولا، ثم أني أخذت بالتعميم في منهجي و قصدت به انتفاء وجه "المقايسة" مطلقا، فما أتصوره أن للمقايسة حدودا و ضوابط في كل عملية تفكير لأن دخول الاستثناءات يزيد في احتمالات الخطأ المنهجي، إنما الأمر في مثل هذه الحالة "ارتشاف" لنوع من العلائق السلوكية القابلة للترشيح بوصفها ثوابت مشتركة تقلل من احتمالات الممايزة، نتيجة اختلاف الأوضاع و بعض المرجع، ثم إني لم أعمم تجربة، بل زدت التخصيص شأنا لأنه يعبر بصراحة عن نفسه و يثقل عن إثبات نفس نتائجه ما تغيرت معطياته و منطلقاته، كما أن نص مقالي هذا اقتضى إشارة واضحة لنظرية شاملة أخذ بها الإسلاميون في صناعة واقعهم و جعلوا يتحدثون بفهمهم عن الدولة الإسلامية و نجاحها في إيران ناسين _ و هذه هي القاعدة عندنا_ الدولة العلمانية في تركيا، و فشل الإسلاميين فيها، و لئن قال قائل، لأن الأسباب كذا... قلنا: لأن الأسباب هي التي تحول دائما في وجه المقايسة أن تكون !!



(1) صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، دار الشروق. مصر ط1.
1998. ص126 و ما بعدها .

(2) إصدار التجمع الإسلامي في أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة
الأمريكية ،ان اربر)، ط 1، 2001، ملخص الكتاب على موقع مجلة العصر :

http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentID=4297

(3) عبد الملك ابن أحمد المبارك رمضاني الجزائري، مدارك النظر في
السياسة بين التطبيقات الشرعية و الإنفعالات الحماسية. مكتبة الفرقان، المملكة
العربية السعودية. ط6، 2000 .

(4) رياض الصيداوي، صراعات النخب السياسية و العسكرية في الجزائر،
المؤسسة العربية للدراسات والنشر

صورة الطاهر مرابعي