حياة ماركيز سيرة ذاتية للواقعية السحرية

ملكياديس الساحر: مائة عام من العزلة 1965-1966
وبعد مرور السنوات ربما يقول جارسيا ماركيز أنه بعد أن عاد إلى البيت جلس على الآلة الكاتبة في اليوم التالي، كما يفعل تماماً كل يوم، فيما عدا أنه "في هذا اليوم لم استيقظ لمدة ثمانية عشر شهراً آخر". وفي الحقيقة لم تستغرق الكتابة أكثر من سنة، يوليو 1965 إلى يوليو أو أغسطس 1966، بما فيها عدة توقفات، إلا أنه يقول دائماً لقد كانوا ثمانية عشر شهراً؛ ربما بسبب أنها استغرقت منه بالفعل ثمانية عشر سنة. لقد أبلغ "بينيو ميندوزا" أن أكبر مشكلة لديه: "أن أبدأ، فأنا أتذكر بالتفصيل الدقيق اليوم الذي صادفتني فيه صعاب جمة، أكملت الجملة الأولى، وسألت نفسي مرعوباً، ما الذي سيأتي بعد ذلك بحق الجحيم. وفي الحقيقة أنه حتى اكتشاف الغليون أو السفينة الشراعية الضخمة في منتصف الأحراش، فإنني لم أفكر بالفعل في أن الكتاب يمكن أن يظهر إلى الوجود. لكن منذ هذه النقطة أصبح الأمر كله جنوناً مطبقاً، لكنه ممتع بالفعل".
أي إنه فقط بعد مضى حوالي عشرة صفحات، وبعد أن كتب الأحداث التي جاء فيها أولاً جوزيه أركاديو بوينديا عبر الأحراش الإسبانية في الغابة الاستوائية، تأكد حينها من أن السحر لا سبيل إلى إيقافه في هذه المرة، وأنه بالفعل في مقدوره الآن أن يسترخي. لقد كان هذا بالتأكيد في الأسبوع الأول بالفعل، حينما كان مازال في وقت الإجازة بعيداً عن مكتبه. لقد بدأت كل الأحمال في السنوات الخمس السابقة تتراجع. وتوقع أن يكتب ثمانمائة صفحة على الآلة الكاتبة، والتي ربما يخفضها في النهاية إلى حوالي أربعمائة صفحة؛ ولم يكن تخميناً خاطئاً مع ما صار إليه حجم الرواية بالفعل. وفي هذه الصفحات الأربعمائة، يحكي القصة عن أربعة أجيال لعائلة "بوينديا"، يصل الجيل الأول منهم إلى مكان يسمى "ماكوندو" في وقت ما من القرن التاسع عشر، ويبدأ في معايشة مائة عام من تاريخ كولومبيا مع خليط من الاضطراب والحيرة والعناد والاستغراق والكوميديا السوداء. وتنتقل العائلة من موقف براءة الطفولة، من خلال كل المراحل للرجل والمرأة، إلى التدهور والانحطاط في النهاية، والباقي منهم يكتسحهم "الإعصار المقدس" في الصفحة الأخيرة من الرواية. ولم يتوقف النقاد أبداً عن تأمل مغزى هذه الخاتمة منذ أن صدر الكتاب لأول مرة. إن الشخصيات الست الأساسية التي بدأت الرواية وسيطرت على نصفها الأول هم "جوزيه أركاديو بوينديا"، مؤسس قرية "ماكوندو"، سريع الانفعال؛ وزوجته "أورسولا" العمود الفقري ليس فقط لعائلتها بل أيضاً للرواية بأكملها؛ وابنيهما "جوزيه أركاديو" وأورليانو" ـ ويعتبر الأخير "الكولونيل أورليانو بوينديا" بشكل عام الشخصية المحورية في الكتاب؛ وابنتهما "أمارانتا" التي تعذبت كطفلة وعانت الأمرين كامرأة؛ والغجري "ملكياديس" الذي يحضر الأنباء من العالم الخارجي من وقت إلى آخر وفي النهاية يمكث في "ماكوندو". إن تاريخ كولومبيا يكتسب دراميته من خلال حدثين أساسين: "حرب المائة يوم" و"مذبحة عمال الموز" في "سينيجا" في سنة 1928. وقد كانا هما بالطبع المرجعين التاريخيين الأساسيين الذين شكلا السياق في طفولة "جارسيا ماركيز".
إن الكتاب الذي أراد دائماً أن يكتبه هو قصة بطولة عائلة تقيم في "أراكاتكا" لكن يعطيها اسم "ماكوندو". وكان الكتاب الذي يكتبه في هذا الحين بالفعل هو ملحمة بطولة لعائلة مستقرة في "أراكاتكا" أعطاها اسم "ماكوندو". لكن العائلة لم تعد بعد عائلة الكولونيل نيكولاس ماركيز، فهي مازالت مستغرقة في الحنين والاشتياق إلى تثبيت وإقرار شرعية الملحمة كما في "عاصفة من ورق" [رواية قصيرة لماركيز]، على الرغم من أنه الآن يتعامل مع السخرية النبيلة؛ لكن عائلة جابريل إليجيو جارسيا تعاملت بمحاكاة ساخرة ولاذعة ولعبت دوراً هزلياً تأرجح ما بين الحب والحنين والقسوة. إن الكتاب لم يكتبه الشاب الذي يبلغ عشرين عاماً من عمره والذي بدأ في كتابة "البيت" لكن بطريقة فضولية شغوفة لهذا الصبي اليافع الذي ذكرته خبرته في العشرين عاماً باسترجاع مثل هذا الحنين، حيث كان هذا الصبي يمشي يداً بيد مع الكولونيل ماركيز، ولكن مع عائلة رجل في الأربعين من عمره تقريباً وهو الذي صار إليه جارسيا ماركيز نفسه الآن، كاتب قرأ كل الأدب العالمي وعاش في خضم معظم العصور الفاصلة في حياة الإنسان.
ما الذي حدث لجابريل جارسيا ماركيز؟ لماذا كان هو الآن قادراً بعد فترة زمنية طويلة أن يكتب هذا الكتاب؟ لقد تأكد في ومضة خاطفة من الإلهام، أنه بدلاً من كتاب عن طفولته، ينبغي أن يكتب كتاباً عن ذكرياته في طفولته. وبدلاً من أن يكون كتاباً عن الواقع، ينبغي أن يكون كتاباً عن تمثيل الواقع. وبدلاً من كتاب عن "أراكاتكا" وأهلها، ينبغي أن يكون كتاباً سردياً من خلال وجهة نظر العالم عن هؤلاء الناس. وبدلاً من المحاولة من جديد لبعث "أراكاتكا"، ينبغي أن يقول وداعاً "أراكاتكا" بالحكي ليس فقط من خلال وجهة نظر العالم عن ناسها، ولكن من خلال وضع كل شيء في رواية حدثت له، كل شيء عرفه عن العالم، كل شيء كان عليه، وكل شيء تجسد له كأمريكي لاتيني في النصف الأخير من القرن العشرين، وبمعنى آخر، بدلاً من عزل البيت و"أراكاتكا" عن العالم ينبغي أن يأخذ العالم بأكمله إلى "اراكاتكا". وفوق كل هذا، من الناحية العاطفية، بدلاً من محاولة أن يبعث بشبح "نيكولاس ماركيز"، ينبغي هو نفسه أن يصبح بطريقة ما "نيكولاس ماركيز".
إن ما شعر به هو الراحة تسري في أوصاله على مستويات متعددة ومن مائة اتجاه مختلف، فكل الجهود والآلام المضنية وكل الانهيارات والإحباطات في حياته قد تخفف من عبئها؛ فقط انطوت جوانحه على التحرر وتقدير الذات وتأكيدها من خلال هذا الإبداع الذي عرف ـ هو قد عرف ـ أنه يمكن أن يكون عملاً فريداً وربما خالداً، وذلك حينما بدأ يكتب، ثم كلما تقدم فيه بإثارة متسارعة، بدأ يتجرأ إلى طموح الأسطورة في حد ذاتها. ومن ثَمَّ بالطبع جاء الإحساس بسحرها وإعجازها وبهجتها، حتى بالنسبة له، كما كتب؛ ثم فيما بعد بالنسبة لقرائه. لقد كانت بالفعل خبرة السحر في إبداع الأدب ترتفع إلى أعلى درجات التكثيف. علاوة على أن الكتابة كانت أيضاً كتابة علاجية بصورة قاطعة، بدلاً من أن تكون هاجساً مستحوزاً عصابياً مجهداً يحاول إعادة خلق أحداث حياته تماماً كما يتذكرها، فهو الآن يعيد ترتيب كل ما سمعه أو عايشه بصورة شخصية بالطريقة التي أحبها، لذلك فإن هذا الكتاب أخذ الشكل الذي أحتاج إليه مؤلفه. وكذلك كان الكتاب بالفعل سحرياً إعجازياً باعثاً للخفة والنشاط: كان شافياً بالنسبة له من الكثير من الأمراض.
والآن الرجل الذي كان يكتب في العادة فقرة واحدة في اليوم، يكتب عدة صفحات كل يوم. إن الرجل الذي يقلب كتبه من الداخل إلى الخارج ومن أعلى إلى أسفل ليبحث أولاً على التسلسل وبعد ذلك عن البناء، هو الآن يكتب الفصول واحداً تلو الآخر مثل الإله نفسه، يعين الشكل ودوران الأرض. الرجل الذي عانى دائماً كل انحناءة والتفاف، من كل قرار تقني وسيكولوجي في كل كتاب من كتبه، يتلاعب الآن بحياته: يصهر حياة جده مع أبيه مع نفسه، ترانكولينا مع لويزا سانتياجا مع ميرسيدس، وينسج لويز إينريك ومارجوت داخل وخارج العديد من الشخصيات، محولاً جدته لأبيه إلى بيلار تيرنيرا، مهرباً تاشيا من خلال شخصية أمارانتا أورسولا، ويصهر تاريخ عائلته بأكملها مع تاريخ أمريكا اللاتينية، موحداً مكونات أدب أمريكا اللاتينية ـ بورخيس، أستورياس، كاربنتير، رولفو ـ مع الكتاب المقدس، رابلييه، سفر تسجيل الفتح الأسباني، والروايات الأوروبية عن الفروسية، ديفو، وولف، فوكنر، هيمنجواي. فلا عجب إذا ما شعر مثل خيميائي؛ ولا نندهش إذا صهر نوسترادموس وبورخيس ـ معه هو نفسه جارسيا ماركيز ـ في شخصية الكاتب العظيم "ملكيادس"، العبقري الآخر الذي أغلق على نفسه بعيداً حجرة صغيرة من أجل أن يُغلِف الكون كله في المساحة المسحورة لتحول تاريخي أبدي واحد لما يُعرف بالأدب. إن ما فعله حينها باختصار، لم يكن فقط أن يمزج كل شيء، لكن فوق كل شيء (وهذا السبب في نجاحه وفقاً للكثيرين باعتباره المعادل الأمريكي اللاتيني لدون كيشوت) ليواجه ويمزج بين المبدأين، الشخصيات المتناقضة لهذه القارة المعروفة قليلاً لكنها رائعة ومعززة للحياة: فوق القصة المظلمة للغزو والعنف والمأساة والفشل، فقد طرح الجانب الآخر من القارة، الروح الكرنفالية، الموسيقى والفن لشعب أمريكا اللاتينية، هذه القدرة على الحياة الشريفة حتى في أحلك الأركان وليجدوا السعادة في الأشياء العادية، السعادة التي هي بالنسبة للكثيرين من أمريكا اللاتينية ليست مجرد تعزية عن القهر والفشل، لكنها تحذير مسبق من هذا العالم المرير الذي هو بالنسبة لهم دائماً لصيق وقريب جداً، وهو العالم الذي يحتفلون به ليس فقط من خلال ثوراتهم ولكن أيضاً من خلال انتصاراتهم الاحتفالية بالحياة اليومية. وفيما بعد بالطبع سوف ينكر جارسيا ماركيز كل هذه النوايا التحولية: "لم أكن أبداً واعياً بأي منها"، فهو سوف يخبر "إلينا بونياتويسكا" في سنة 1973 "أنا رجل يحكي القصص والحكايات العجيبة".
ومع نهاية الأسبوع الأول في سبتمبر خطا خطوات جبارة. فسرعان ما اكتشف أنه احتاج إلى التفرغ الكلي ووقف كل أنشطته الأخرى. إن محاولة الكتابة والعمل في وكالة إعلانات قد أصابه بصداع مؤلم. فقرر أن يتخلى عن كل من الوظيفتين مدفوعتي الأجر في حياته الاجتماعية العادية. لقد كانت هذه مجازفة غير عادية من رجل مسئول عن أسرة.
بدأ الكتاب في "أراكاتكا" في "ماكوندو"، لكن ماكوندو الآن تشبيه مجازي لأمريكا اللاتينية كلها. وهو قد عرف أمريكا اللاتينية جيداً جداً؛ لكنه قد زار أيضاً العالم القديم، وشهد شخصياً الاختلاف بين الديمقراطيات الليبرالية القديمة للعالم الرأسمالي والبلدان الاشتراكية الحديثة بما فيها اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية. وهو قد عاش لبعض الوقت في المدينة الأيقونة للعدو التاريخي للجمهوريات السوفيتية، البلد الذي كان يحدد مستقبل الكوكب، وكان يهيمن بالفعل لمدة تزيد عن نصف قرن على مصير أمريكا اللاتينية ويحكم قبضته عليه: الولايات المتحدة. إن هذا الرجل قد عرف الكثير عن العالم. كل هذا قد عرفه قبل حتى أن يبدأ في تذكر ما قد تعلمه عن الأدب.
كذلك فإن ماكوندو، الصورة الحية للمدينة الصغيرة في أي مكان في كولومبيا أو أمريكا اللاتينية (أو بالفعل كما يمكن أن يؤكد القراء من أفريقيا وآسيا فيما بعد، في أي مكان من العالم الثالث) سوف تصبح رمزاً لأي مجتمع صغير تحت رحمة قوى تاريخية ليست فقط تقع خارج نطاق تحكمها ولكن حتى خارج نطاق إدراكها.
إن القصة بالصورة التي انبثقت عليها الآن، كانت الأسطورة البطولية للعائلة التي هاجرت من "جواجيرا" إلى مكان شبيه جداً من "أراكاتكا" في وقت ما من القرن التاسع عشر. إن الأب جوزيه أركاديو دوينديا، يقتل أفضل صديق له بدون شرف أو رجولة، ويضطر إلى الرحيل لأن شبح صديقه ينتابه ويحاصره. لقد وجد جوزيه أركاديو قرية جديدة اسمها "ماكوندو" حيث بنى هو وزوجته الصامتة "أورسولا" منزلاً وأصبحا القادة غير الرسميين للمجتمع الجديد. وأنجبا ثلاثة أطفال، أركاديو وأورليانو وأمارانتا وبمرور الوقت أضافا عدداً من الآخرين. واحدة من خدم المنزل، "بيلار تيرنيرا" كانت لها علاقة مع العديد من الرجال من العائلة على مر السنين، لتشارك في إثارة الرعب في العائلة، والذي سيسفر في النهاية عن علاقة لسفاح القربى ينتج عنها طفل له ذيل خنزير، لتقترب العائلة من خط نهايتها. وكان الغجر يقومون بزيارات كثيرة، ومن ضمنهم رفيق يسمى "ميلكياديس"، بقي في النهاية في ماكوندو، وانتقل إلى منزل العائلة. لكن كان هناك أيضاً وصول سلبي: الحكومة المركزية في "بوجوتا" (غير مسماة في الرواية) التي أرسلت ممثلين سياسيين وعسكريين للسيطرة على المجتمع الصغير البسيط؛ وقادت هذه الخطيئة الأصلية إلى سلسلة من الحروب الأهلية التي بمجرد أن كبر أورليانو، أصبح متحمساً وبالتأكيد مشاركاً متعصباً في صف الحزب الليبرالي، حتى أصبح في النهاية مشهوراً في شتى أرجاء البلاد على أنه المحارب الأسطوري الكولونيل أورليانو بوينديا. وفيما بعد، فإنه حتى الدخلاء الأكثر نحساً وفساداً سوف يظهرون: الأمريكيون الشماليون الذين يصلون مع شركتهم للفاكهة ليحولوا اقتصاد المدينة وثقافتها حتى يثور الأهالي ويعلنون الإضراب، وهي النقطة التي يستحث عندها الغرباء الحكومة المركزية للتحرك، ويسقط ثلاثة آلاف قتيل من العمال المضربين وأعضاء عائلاتهم في مذبحة تقع إلى جانب محطة السكة الحديدية في ماكوندو. وبعد هذه الحادثة المظلمة تدهورت ماكوندو، وهو هذا التدهور الذي أشار إليه تدهور أورسولا نفسها ـ قلب الرواية وروحها ـ وتموت في النهاية، وسرعان ما يجد جيل الشباب الأقل قوة الذين يعيشون كضحايا للتاريخ أكثر منهم صناعاً للأسطورة، يجدون أنفسهم يعودون إلى نوع ما من الظلمة البدئية والآثام. وفي النهاية، فإن آخر فرد في العائلة، كما قالت النبوءة يولد له طفل بذيل خنزير بعد علاقة وحشية مع خالته الشابة، فيُكنس هو وكل ماكوندو بالكيفية التي جاءت بها النبوءة أيضاً (من خلال ملكياديس)، بعد إعصار عاصف كما في الرؤية النبوئية.
وتكون الرواية أيضاً معاصرة بمعنى أن جارسيا ماركيز سوف يكتب كتاباً يكثف كل الكتب، فالكون الكلي يحتويه كون مصغر: إنه يبدأ الرواية وينهيها بأسلوب الكتاب المقدس، وتتضمن الأساطير العالمية في الأنثروبولوجيا والخصائص الأسطورية التي تميز الثقافة الغربية والتعطش السلبي الغريب للخبرات المحددة لأمريكا اللاتينية في الطموحات المحلقة والفشل المهين مؤكداً على النظريات القارية متعددة الأنواع لأفضل مفكري أمريكا اللاتينية المشهورين. لكن يظل كل شيء تقريباً في الكتاب هو نتيجة لخبرة الحياة التي عاشها جارسيا ماركيز. فأي فرد يعرف الخطوط الأساسية لحياته يمكنه أن يجد أكثر من ستة بنود في كل صفحة تناظر مباشرة السيرة الذاتية لجارسيا ماركيز ـ فالكاتب نفسه زعم أن كل حادثة مفردة وكل تفصيلة على حدة تناظر خبرة عاشها (فأنا مجرد ناقل وسيط).
وأكثر ما يُدهش من بين كل الأشياء هو الشكل الذي حرص بشكل ما على أن يتضمن كل هذه العناصر المتنوعة، والمزج المميز بين الدرجة العالية من الفن وطرق الاتصالات الشفاهية. وعلى الرغم من أنه صحيح أن الرواية قد تشابهت مع قدر كبير من الخبرات الشعبية الخاصة الكولومبية، إلا أنه ليس من السهل أن تتفق مع هؤلاء الذين يرون أن الكتاب هو مستودع للحكمة الفلكلورية. إن ما حققه جارسيا ماركيز، وهو إنجاز غير عادي، هو إظهار عالم الحكمة الفلكلورية ـ لأنه وفوق كل شيء، ما مَيَّز سكان هذه الرواية، هو أن ترى كم هي ضئيلة تلك الحكمة التي يمتلكونها بالفعل، وكم هم ضعفاء غير مؤهلين لمواجهة العالم الذي شاء قدرهم وسوء مصيرهم أن يقطنوا فيه. فعالمهم هو العالم الذي لم تعد الحكمة الفلكلورية تتعلق به أو تصلح له. إن الشكل لا يمكن أن يكون متقدماً عن شكل الأعمال المعاصرة النموذجية التي هي مع ذلك النقطة المرجعية لهذه الرواية ـ فقد كُتِبت كما لو إنها "كلاسيكية لا زمنية" أي غير محددة الزمن، إلا أن الرواية مطلعة على كل الاكتشافات التي تم التوصل إليها في الستين سنة الأولى من القرن العشرين. إنها تشبه كما لو أن "جيمس جويس" قد بدأ يكتب رواية مستخدماً نبرة الحكي وتقنيات السرد الخاصة بالخالة "فرانشيسكا" عند جارسيا ماركيز.
هناك إذن رجل يكتب عن قرية وأمة وعالم باستخدام الاكتشافات الخاصة بالأساطير الغربية العظيمة (اليونانية، الرومانية، الكتاب المقدس، ألف ليلة وليلة العربية المستوردة) والكلاسيكيات الغربية العظيمة (رابلييه، سيرفانتس، جويس) والعلامات الرائدة العظيمة من قارته (بورخيس، أستورياس، كاربنتير، رولفو)، لينتج عملاً ـ مرآه ـ الذي من خلاله تتعرف قارته على نفسها ومن ثَمَّ تجد التقاليد. فلو كان هو "بورخيس" مصمم المناظر (مثل أحد الأخوين لوميير الأخير)، فإن جارسيا ماركيز هو الذي زودنا بأول بورتريه جمعي عظيم وصادق. ومن أجل هذا، فإن الأمريكيين اللاتينيين لا يتعرفون فقط على أنفسهم لكنهم الآن سوف يتم التعرف عليهم عالمياً في كل مكان. هذا هو معنى الكتاب الذي كان يكتبه ابن لويزا سانتياجو ماركيز إيجوران دي جارسيا في غرفته الصغيرة المعبأة بالدخان على مكتبه العتيق الصغير في وسط مدينة عارمة الفوضى في العالم الثالث. إن استثارته البالغة صارت مبررة أكثر، وسرت خفته النشطة وتنبهه العصبي المكثف ليسكنا كتابه ويكمنا بين صفحاته.
إن طرقات الحظ على باب جارسيا ماركيز لم تتوقف أبداً، في الحقيقة بمعنى أنها لن تنتهي. فبعد أن غادر "لويس هارس" المكسيك في نهاية يونية، سافر إلى عواصم مختلفة في أمريكا اللاتينية ووصل في النهاية إلى "بوينس أيريس" حيث كان كتابه عن المقابلات على وشك أن يظهر عن دار النشر المهمة "سودامريكانا". واتصل "هارس" في "سودامريكانا" بفرانسيسكو "باكو" الذي يعترف فيما بعد، "إنني لم أسمع من قبل عن جارسيا ماركيز حتى ذكره هارس لي. وهناك كان إلى جانب بورخيس ورولفو... وغيرهم من العظماء. لذلك فإن أول شيء طرأ على ذهني 'من يكون؟'". لقد كتب إلى جارسيا ماركيز يستعلم عن كتبه، وبعد بضعة شهور كان توقيع الصفقة.
وفي أوائل سبتمبر أخذ جارسيا ماركيز وقتاً توقف فيه عن الكتابة بعد ظهيرة أحد الأيام ليجري محادثة مع "كارلوس فوينتس" [الكاتب المكسيكي] حول روايته الجديدة (تغيير الجلد) في "معهد قصر الفنون". وفي النهاية ذكر "فوينتس" العديد من أصدقائه، ومن بينهم الكولومبي "الذي أرتبط به كثيراً من خلال شعائرنا ليوم الأحد، وكذلك من خلال الإعجاب بالحكمة القديمة لهذا الشاعر من أراكاتكا". ربما يكون "فوينتس" قد أكد رمزياً في هذه المناسبة على أن اكتساب الشهرة والثروة كان جزءاً منطقياً وشرعياً من تطلعات الكاتب: "إنني لا أعتقد أنه التزام على الكاتب أن ينتفخ إلى مراتب الاحتياج". وفيما بعد دعا "الفارو ميوتس" وزوجته "كارمن" فوينتس وريتا ماكيدو وجومي جارسيا أسكوت وماريا لويزا إليو وفرناندو ديل باسو وفريناندو بينيتيز وإلينا كارو، وكذلك بالمثل جارسيا ماركيز وميرسيدس من بين آخرين، دعاهم على "بيلة" [طبق إسباني من الأرز واللحم] في شقة "ميوتيسيس" في "ريو أموي". وكان جارسيا ماركيز قد بدأ يربط الحكايات العجيبة من روايته الجديدة بالطريقة التي يتحدث بها في الشارع وفي السيارة، واستمر في ذلك في شقة "ميوتيسيس". لقد سمع كل فرد أكثر مما يكفي بالفعل، وفقط "ماريا لويزا إليو" استمرت في الاهتمام. وفي هذه الشقة الصغيرة المزدحمة جعلته "ماريا لويزا" يستمر طوال الليل يحكي لها القصص، وأبرزها القصة التي تحكي عن القس الذي يأخذ الشيكولاتة ليسبح في الهواء. ومن هنا وهناك ـ ولإصغائها بمثل هذا الاستغراق في الاهتمام ـ وعد بأن يهدي روايته الجديدة لها. لقد كانت له مهارات شهر زاد الجميلة.
وكان نقاد أمريكا اللاتينية وصحفيوها مأخوذين بانبهار في هذه الفترة منذ صدور الرواية في سنة 1967. إن شقيق جارسيا ماركيز "إليجيو" كرس كتاباً بالكامل عن نشأة وتكوين وخلق الرواية استغرق منه ثلاثين عاماً بعد صدورها. فكل تفصيلة على حدة أخذت صبغة "كبالانية" [التعاليم الروحية اليهودية الغامضة] ناهيك عن الصبغة الوثنية في العبادة والمغزى الكامن لها. إلا أن الغرفة التي كان الكاتب يعمل بها لا يمكن أن تقل عن هذا سحراً، على الرغم من أن الكثير من الناس فيما بعد سوف يريدون أن يطلقوا عليها اسم "حجرة ملكياديس". إن "كهف المافيا"، كما وصفها جارسيا ماركيز بالاسم الذي أطلقه عليها، كانت عشرة في ثمانية أقدام بحمام صغير ملحق وباب ونافذة تطل على الفناء. وكانت هناك أريكة وسخان كهربائي وبعض الرفوف وطاولة صغيرة جداً بدائية للغاية، مع آلة كاتبة ماركة أوليفتي. إنه الآن جارسيا ماركيز يقدم على ارتداء أفرولات العمال الزرقاء من أجل أن يكتب ـ هو الذي بدأ يصبح تقليدياً تماماً مؤخراً (حتى بارتداء ربطات العنق). لقد اتخذ بالفعل القرار الثوري أن ينتقل من العمل وقت الليل إلى العمل في وقت النهار. فالآن هو يكتب لوكالات الإعلان أثناء ساعات العمل بالنهار، أو في مكاتب استوديوهات الأفلام التي يعمل فيها نهاراً حتى يرجع الأولاد من المدرسة إلى البيت. ومن أجل تجنب المتطلبات العائلية التي تعوق قدراته الإبداعية وتقلص من أسلوبه الذي هو مُجبر الآن على تغييره والذي يمكن أن يحول المدخل الكلي لماركيز في العمل والانضباط الذاتي، تصبح "ميرسيدس" الزوجة في السابق والأم ومدبرة المنزل، الآن مسئولة الاستقبال والسكرتيرة ومديرة الأعمال بالمثل. لم تعرف إلا القليل من أن هذا ما سيدوم. فالرواية سوف تستفيد مباشرة ودراماتيكياً من هذه التغيرات.
إن جارسيا ماركيز يوصل أبناءه إلى المدرسة في الصباح، ويجلس على مكتبه في الثامنة والنصف صباحاً ويمارس عمله حتى الثانية والنصف بعد الظهر حينما يصل الأولاد إلى البيت. إنهم سيتذكرون أباهم على أنه الرجل الذي أمضى معظم وقته مسجوناً في غرفة صغيرة تائها في دخان السجائر الأزرق، الرجل الذي نادراً ما لاحظهم، يظهر فقط في أوقات تناول الطعام، ويجيب على أسئلتهم بطريقة غامضة وهو شارد الذهن. إنهم لم يتصوروا أنه يكتب هذا أيضاً في روايته التي تستغرقه بالكامل ـ الاكتشاف المتأخر لجوزيه أركاديو بوينديا لأطفاله، بعد الهواجس المستحوذة التجريبية، في الفصل الأول.
إن جارسيا ماركيز يتذكر فيما بعد، "منذ اللحظة الأولى، قبل أن يصدر بفترة طويلة، كان الكتاب يبعث بقوة سحرية في كل فرد يتصل به بطريقة ما: الأصدقاء، أفراد السكرتارية، إلخ، حتى أناس مثل الجزار أو مالك الأرض الذين كانا في انتظاري لأنتهي حتى أدفع لهما". لقد أخبر إلينا بونياتوسكا: "نحن مدينين لصاحب الأرض بإيجار ثمانية أشهر. وحينما كنا مدينين فقط بثلاثة أشهر، استدعت ميرسيدس المالك وقالت 'انظر إننا لن ندفع لك هذه الشهور الثلاثة، ولا الشهور الستة القادمة'. أولاً قد تسألني 'متى تظن أنك ستنتهي منها؟' وأقول لها في غضون خمسة أشهر قادمة. ولذلك فإنها سعياً للتأكد أضافت شهراً إضافياً، وحينها قال المالك لها 'إذا أعطيتني كلمة مؤكدة، سوف أنتظر حتى سبتمبر'. وفي سبتمبر ذهبنا ودفعنا له...".
أحد الكثيرين الذين كانوا ينتظرون جارسيا ماركيز أن ينتهي، هي "بيرا" (إسبرانزا) أريازا، الطابعة على الآلة الكاتبة التي عملت أيضاً لحساب "بارباشانو"، وكانت تقوم بطباعة روايات "فوينتيس". وكل بضعة أيام يأخذ جارسيا ماركيز من "بيرا" جزءاً كبيراً من الرواية كتبتها على الآلة الكاتبة لكن عليها تصحيحات مكثفة بخط اليد، وقد تنتج نسخة مصححة بالكامل. ونظراً إلى أنه كثير الأخطاء الإملائية وخطه ردئ، فقد كان يعتمد على "بيرا" لتصحيح عمله حرفياً؛ لكنه تقريباً كاد يفقدها ويفقد بداية الرواية منذ اليوم الأول بالفعل حينما كانت تجري للحاق بالحافلة وطارت الأوراق منها فوق الشوارع الموحلة في مكسيكو سيتي الخريفية. وفقط بعد فترة طويلة، اعترفت بأنها كانت تدعو أصدقاءها قرب نهاية كل أسبوع ليقرأوا الفصل الأخير.
إن كل شيء نعرفه عن هذا الزمن يوحي بأن جارسيا ماركيز كان بالفعل ممسوساً بالسحر. فقد كان أخيراً الساحر الذي أراد دائماً أن يكونه. لقد كان منفعلاً مستثاراً بصورة عالية مع المخدرات الأدبية. لقد كان هو "اورليانو بابيلونيا". كان هو "ميلكياديس". المجد ينتظره. لقد كان الكتاب مشروعاً ميثولوجياً عظيماً مفصلاً بالشعائر كعلامات ترقيم. وفي كل مساء بعد جلسته مع ملاحظاته وهوامشه، قد يأتي أصدقاؤه يلتفون حوله. لقد كانوا دائماً هم تقريباً "ألفارو ميوتيس" و"كارمن" و"جومي جارسيا أسكوت" و"ماريا لويزا"، الأصدقاء الداعمين الذين تتاح لهم طوال السنة مشاهدات متميزة، وسوف يشهدون بناء صرح ضخم من الأدب الغربي. وحينما سارت الرواية قدماً وتأكد من مداها، نمت كذلك ثقته بنفسه وشعوره بالأهمية. فذات يوم سيجلس في سجنه الغارق في الدخان وسيرتبه كله وفيما بعد الظهيرة سوف يبحث في المراجع والكتب ليرى ماذا يمكن أن يكون حجم الحقيقة فيه. إن "جومي" و"ماريا لويزا" لا تستطيعان الانتظار لتتابع تسلسل الحكايات. لقد استوعبت "ماريا لويزا" على وجه الخصوص أنها كانت تشهد شيئاً ما له أهمية فائقة متجاوزة، وكانت هي موضع ثقته الشديدة. فهو يقول فيما بعد أنها على الرغم من اعترافها بأنها أُخِذت بكتابه، إلا أنه بدوره كان مذهولاً في كثير من المرات ببصيرتها النافذة إلى عوالم السحر والحكمة النادرة، وبأن الكثير من إدراكاتها الحسية انتهت آخر المطاف إلى الكتاب. فهو سوف ينادي عليها في أي وقت من اليوم ليقرأ لها آخر حكاية.
وبعد بضعة أشهر، تلقى جارسيا ماركيز دعوة من القسم الثقافي لمكتب الخارجية المكسيكية، ليلقي محاضرة، وحيث إنه في الأحوال الطبيعية يرفض، لكنه وافق في الحقيقة على الرغم من أن ما يود على وجه التحديد أن يلقيه هو قراءة حرفية بدلاً من التحدث. إنه وهو الناقد الذاتي لنفسه دائماً والمهتم بجودة أعماله، أصبح قلقاً من أنه ضائع الآن في عالم من صنعه مع "ألفارو" و"ماريا لويزا"، وأن حماسهما لأفكاره يمكن أن يجعله منوماً مغناطيسياً:
((جلست لأقرأ المرحلة المضيئة؛ سكون كامل من الحاضرين بالكامل في الظلام. بدأت القراءة، لا أتذكر أي فصل، لكنني مضيت في القراءة، وعند لحظة معينة، كان الصمت مخيماً هكذا في القاعة، وكنت في حالة من التوتر، حتى أنه انتابتني نوبة من الفزع. توقفت عن القراءة، وحاولت أن أحدق خلال الظلام، وبعد ثوانٍ قليلة استطعت أن أرى وجوه هؤلاء الجالسين في الصف الأمامي، وعلى العكس استطعت أن أرى عيونهم مفتوحة على اتساعها مثل هذا، وهكذا استطعت أن استمر بهدء في القراءة. لقد كان الناس الحقيقيون متعلقين بكلماتي؛ كأن على رؤوسهم الطير. وحينما انتهيت ونزلت من المنصة، كان أول من عانقني هو "ميرسيدس" مع تعبير على وجهها ـ أعتقد أنه المرة الأولى منذ أن تزوجتها أتأكد من أنها تحبني، لأنها نظرت إلي بمثل هذا التعبير على وجهها!... لقد كانت لا تفعل شيئاً بالفعل لمدة سنة، لكي استطيع أن أكتب، وفي اليوم الذي قرأت فيه هذا التعبير على وجهها، أكد لي أن هذا الكتاب كان عنواناً في الاتجاه الصحيح.
لقد مضت "ميرسيدس" تحارب في حملتها من أجل المحافظة على استمرار تمويل الأسرة وكفايته. وفي أوائل سنة 1966 كانت النقود المتوفرة من المكاسب السابقة قد نفذت، إلا أن الكتاب صار أكبر تماماً وأكبر، وبدا أنه مستمر في الزيادة مباشرة خلال العام. وفي النهاية قاد جارسيا ماركيز السيارة الأوبل البيضاء إلى مجمع للسيارات في "تاكوبايا" وعاد ومعه مبلغاً آخر من المال. الآن تعين على أصدقائهما أن يحضروا هم إليهما. لقد فكر حتى في الاستغناء عن التليفون، ليس فقط لتوفير النقود، ولكن أيضاً لتجنب أعظم تشويش: الأحاديث التي لا تنتهي مع أصدقائه في التليفون. وحينما نفذت النقود من بيع السيارة، بدأت "ميرسيدس" ترهن كل شيء: التلفزيون، الثلاجة، المجوهرات. هنا كانت آخر ثلاثة "مواقع حصينة"، مجفف شعرها والخلاط المستخدم في إعداد وجبات أولادها والسخان الكهربائي الخاص بـ"جابو". كانت تشتري اللحم من "داون فيليب" الجزار بأعلى مرونة إئتمانية؛ وأقنعت "لويس كوردريير" المالك أن ينتظر فترات أطول على الإيجار. وقام أصدقائهما بتقديم مساعدات منتظمة من كل نوع. ومع ذلك فقد احتفظا بالمسجل. فجارسيا ماركيز لم يكن يستطيع في هذه المرحلة من حياته أن يؤلف رواية أثناء تشغيل الموسيقى؛ لكنه لم يكن يستطيع أن يعيش بدون موسيقى "بارتوك" [موسيقار مجري] وافتتاحية "ديبوسي" [موسيقار فرنسي] وألبوم "البيتلز" "ليلة اليوم العصيب"، وهي الموسيقى الخلفية التي صاحبت معظم أعماله في هذا الوقت.
وكان أسوأ يوم في الكتابة بأكملها هو موت الكولونيل أورليانو بوينديا (الفصل 13). فمثل الكثير من الكتاب، عانى من فقد الشخصية الأساسية لديه كما لو كانت فجيعة شخصية، وربما كما لو إنه القاتل. إن سرد حكاية الموت استُثمِرت مع بعض من أكثر ذكريات طفولة جارسيا ماركيز إيلاماً، وعلى الرغم من أن النقاد غير متأكدين من ذلك، إلا أن الروائي قد وضع المزيد من نفسه في هذه الشخصية القاسية غير العاطفية أكثر من أي شيء آخر في الرواية قبل هذا الوقت. وعلى الرغم من أن "اورليانو" الطفل الثاني هو "أول مخلوق بشري يُولد في ماكوندو"؛ فقد وُلِد في مارس، مثل جارسيا ماركيز؛ وُلِد علاوة على ذلك وعيناه مفتوحتان، عينان أخذتا تحملقان وتطوفان بهذا المنزل في اللحظة التي انبثق فيها من الرحم، بنفس الصورة التي يُقال أن "جابيتو" فعلها. ومنذ الطفولة المبكرة هو يرى الغيب، كما اشتُهِر "جابيتو" بذلك في عائلته. ويقع في حب فتاة صغيرة (ويتزوجها قبل أن تصل إلى سن المراهقة)؛ لكن بعد موتها هو "عاجز عن الحب" ويتصرف فقط من واقع "الكبرياء الآثم". وعلى الرغم من أنه جدير بالتعاطف العظيم وحتى الشفقة كشاب (وبرغم أنه كاتب أشعار الحب ـ والتي أربكته فيما بعد)، إلا أن "أورليانو" منطو ومنكفئ على ذاته وقاسٍ متحجر القلب؛ ولا شيء يستطيع أن يقف في طريق طموحه الشخصي. إذن في أورليانو بوينديا، يصهر جارسيا ماركيز ذكريات مختارة من كولونيل ماركيز (الحرب، الورشة، السمكة الذهبية الصغيرة) مع البورتريه الشخصي له الذي يعلو إلى نقد الذات؛ نقد الذات الذي يعلو إلى الإدراك بأنه قد حقق الآن طموح حياته بطولها، بيد أن السعي لفعل ذلك كان في مقابل النرجسية والغرورالمدمر والأخير. إن مهنة الكتابة (من أجل أن تصبح ملكياديس) التي ستتأكد فيما بعد بقوة شديدة في "عشت لأحكي الحكاية"، تحجب بالفعل غريزة ربما تكون أقل قبولاً، إرادة النصر والرغبة في الشهرة والمجد والثروة (كولونيل أورليانو بوينديا). إن رواية "خريف البطريرك" سوف تأخذ نقد الذات ربما حتى إلى أبعاد أكثر إدهاشاً.
وفي الثانية صباحاً، بعد أن يتم العمل، يمضي إلى غرفة النوم، حيث كانت "ميرسيدس" تنام مبكراً، فيرقد ويبكي لمدة ساعتين. فالأمر يتطلب قليلاً من البصيرة البيوجرافية أو استبصار السيرة الذاتية لافتراض أن قتل الشخصية المحورية التي استحضرها لمواجهة، ليس فقط فنائه ونهاية هذه الرواية، بل أيضاً نهاية الخبرة الرائعة التي تبعث الرعشة ـ في الحقيقة نهاية عصر بأكمله من حياته ومن الشخص الذي كانه، ونهاية علاقة خاصة غير قابلة للوصف مع أهم شخصية في حياته، جده (الآن فقده إلى الأبد لأن الأدب لا يمكن أن يبعثه إلى الحياة مرة أخرى). والآن سخرية السخرية، عاد جارسيا ماركيز في وسط انتصاره، ليكون هو الرجل المُتَخَيل في قصصه الأولى، إنسان مشؤوم بلعنة ميتات عديدة متلاحقة كما تركها خلفه في كل لحظة من حياته وكل هدف سعى إليه وكل شخص أحبه. فيما عدا زوجته وأطفاله.
وعلى الرغم من أنه قد أعطى دائماً الانطباع بأنه قد مكث في غرفته المختنقة بالدخان حتى أكمل الكتاب، إلا أن فرصة السفر إلى كولومبيا على نفقة شخص ما آخر قد لاحت له، وبعد كثير من التفكير، قرر أن ينتهز الفرصة. فقد أقنع "ريبستين" أن يدخل بفيلم "تيمبو ديموريه" في مهرجان الفيلم في قرطاجنة، وسافر رحلة بحرية من الميناء المكسيكي "فيراكروز" إلى "قرطاجنة" ليصل في 1 مارس 1966 (بعد أسبوعين من موت صديقه "كاميلو توريس" في إحدى المعارك لحرب العصابات). وفاز الفيلم بالجائزة الأولى في المهرجان، على الرغم من شكوك جارسيا ماركيز حول الوظيفة التي قام بها "ريبستين". لقد كان لديه الكثير ليحتفل به في 6 مارس: انتصار فيلمه، والتوقعات المنتظرة لروايته، وعيد ميلاده التاسع والثلاثين حينما يعود إلى وطنه بعائلته في قرطاجنة. وقام بزيارة خاطفة إلى "بوجوتا" ثم طار إلى "برانكويللا"، حيث كان يعيش حينئذ "بلينيو ميندوزا". واستقبل "ميندوزا" مكالمة تليفونية في العمل.
"جابو، عظيم أن أسمع صوتك، أين أنت؟"
"أجلس في بيتك، كالأحمق احتسي الويسكي"
لقد أخبر ميندوزا وألفارو سيبيدا عن روايته: "إنها ليست مثل الأخريات،إنها الأثيرة عندي. في هذه المرة تركت شعري يسترسل. إما إنني سأضرب ضربتي الكبرى أو أسقط وأمرغ وجهي في الأرض". وخلال زيارته جال في الأماكن القديمة التي تنتابه في "برانكويلا" مع "الفونسو فوينماير" ليحيا الأزمان القديمة ويذكر نفسه بالأماكن والوجوه. ومن أجل أن يستكمل جولته الدوامية، عاد إلى "اراكاتكا" لأول مرة منذ عقد من الزمان. وفي هذا الوقت سافر ليس مع أمه، ولكن مع "ألفارو سيبيدا" في سيارة جيب يقودها "سيبيدا" نفسه. وكان يرافقهما بشكل تقليدي في بحثهم عن الزمن الماضي "برانكويللا"، مراسل صحيفة "إلتيمبو" الذي كتب تقريراً مفصلاً: فجأة تحول جارسيا ماركيز إلى بطل فلكلوري من خلال الصحافة ـ قبل أن تتمادى في مسخه إلى نجم فوق العادة".
لقد قرر أن يمكث بضعة أسابيع، لكنه عرج على المكسيك لمباشرة عمله بعد بضعة أيام، ليصل إلى هناك قرب نهاية مارس. واعترض "الفونسو فوينماير" على مغادرته، وشرح جارسيا ماركيز أنه في الليلة السابقة على السفر، رأى فجأة نهاية روايته في منتهى الوضوح، إلى درجة أنه استطاع أن يُمليها كلمة بكلمة لكاتب الآلة الكاتبة. وأغلق على نفسه الحجرة ثانية، وبدأ يحاكي ما قد حدث له تماماً. إن النهاية التي حدثت له ـ التي تحدث عنها ربما بالكيفية التي أحس بها وتأثر منها، وكيف أن أصدقاءه الكولومبيين لم يستشعروها ـ فقد كانت واحدة من أعظم الخواتيم لرواية في كل الأدب.
لقد كان كتاب "مائة عام من العزلة" هو تقريباً الكتاب الذي له ناشر منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها. فقد كان لديه جمهور يومي ومتحمسون ممن استطاع الكاتب أن يعول عليهم. فلم يكن الكاتب النشط في حاجة ماسة للتشجيع.: فقد كان رجلاً ممسوساً. هو ممسوس بقوى الإبداع الأدبية التي تنبض في عروقه وتملأه باليقين من أن نجاح العمل كان في النجوم مقدراً. إن "أوليسيس" لجيمس جويس هي أقرب مثال على الكتاب الأسطوري الذي عرف المضطلعون أنه آتٍ، وعرفوا أنه كان مقدراً له العظمة؛ لكن جويس لم يكن لديه ناشر ولم يستطع أن يتوقع أبداً أنه سوف يكون مؤلف الكتاب الأفضل مبيعاً. إلا أن مثل هذه الثقة كانت حرصاً زائداً بالطبع من جارسيا ماركيز بأنه بعيداً عن الخضوع للمعتقدات الخرافية التي قيدته أثناء زيارته لبوجوتا في مارس، فقد أعطى زملائه القدامى في "إلاسبيكتادور" [جريدة كولومبية] الفصل الأول الذي نشروه في أول مايو. وقد تلقى "كارلوس فوينتيس" الذي كان قد عاد حينئذ إلى باريس، الفصول الثلاثة الأولى في يونية 1966، وكان مبهوراً. وقد مررها إلى صديقه "جوليو كورتازار". وكان له رد الفعل نفسه. وبعد ذلك مرر "فوينتس" الفصل الثاني إلى "إمير رودريجوز مونجال" لينشره في الطبعة الأولى في مجلة أدبية جديدة، موندو نويفو، في باريس في أغسطس 1966.
وفي مقابلة مع المحرر، أعلن "فوينتس"، أنه تلقى في التو أول 75 صفحة للعمل المنجز من جارسيا ماركيز (إن الإشارة إلى جويس لم تكن خاطئة)، وهو يعتبرها بدون أدنى شك تحفة فنية في المطلق، استوعبت مخزون كل الكلاسيكيات الإقليمية لأمريكا اللاتينية الحالي منذ العصور الغابرة.
وأرسل "فوينتس" حينئذ مقالة إلى مجلة "الثقافة المكسيكية"، يعلن فيها إلى مواطنيه في 29 يونية أن "مائة عام من العزلة" قادمة وأنها رواية عظيمة (وربما كان جارسيا ماركيز لم يكملها بعد): "لقد قرأت ثمانين صفحة آسرة: أول ثمانين صفحة من "مائة عام من العزلة"، الرواية التي يعمل فيها جارسيا ماركيز". لم يستطع الناس أن يعبروا عن دهشتهم. فلم تكن هناك سوابق ومقدمات لما كان يحدث.
ووفقاً للنظر على مناخ التوقعات، بدا واضحاً أن جابريل ماركيز كان قادراً على أن ينهي الرواية. فهو قد أخبر بلينيو ميندوزا: "الكتاب وصل إلى نهايته الطبيعية في تدفقه في الحادية عشر صباحاً. كانت ميرسيدس في الخارج ولم استطع أن أجد أي أحد على التليفون لكي أخبره الأنباء. أتذكر ارتباكي حينئذ كما لو إنه الأمس القريب: لم أعرف ما الذي أفعله بنفسي وحاولت أن أفعل شيئاً ليبقى حتى الثالثة بعد الظهر!". وفيما بعد في هذا اليوم جاءت قطة زرقاء إلى المنزل، وفكر الكاتب، "آه، ربما كان هذا الكتاب سوف يبيع جيداً". وبعدها بدقائق جاء الولدان مع فرشاتهم وألوانهم الزرقاء تلطخ كل أيديهما وملابسهما.
أول عمل فعله هو أنه قد أرسل نسخة إلى "بارجاس الألمانية" في بوجوتا، قبل أن يرسل المخطوطة إلى "سوداميريكا". وسأل جارسيا ماركيز "بارجاس" ما إذا كان يعتقد أنه من الصحيح أن يعين إشارة مرجعية إلى نفسه وأصدقائه في "بارانكويلا". أولاً، رد "بارجاس" ثم رد "فوينماير" بأنهم تشرفوا أن يكونوا أصدقاء آخر "البوينديين". وبعد ذلك "بارجاس" بطريقته البطيئة في استيعاب الكتاب، كتب مقالة بعنوان "الكتاب الذي سوف يحدث جلبة" أصدره في أبريل 1967 في الجريدة السبوعية "بينكوينترو ليبرال" في المقالة التي يحررها بنفسه في "بوجوتا"؛ حيث إن مقالة "بارجاس" نفسها أحدثت ضجة، وكانت أول نبوءة كولومبية بحالة الرواية المستقبلية. وتلقاها أيضاً "بلينيو ميندوزا" في بارانكويللا، وألغى عمله في هذا اليوم وقرأها من البداية إلى النهاية. وأخبر زوجته الجديدة "مارفيل مورينو"، ملكة الجمال السابقة والروائية في المستقبل، "لقد فعلها. جابو ضرب الضربة الكبرى التي أرادها". ومررها "بلينيو" إلى "ألفارو سيبيدا". قرأها "ألفارو"، وأخرج السيجار من فمه وصاح، "ليس خراء، جابو اقتلع رواية من قلب الحجيم".
إن الطريقة التي حكاها دائماً جارسيا ماركيز، عن عودته إلى العالم كانت في الغالب دراماتيكية ومربكة مثل قصة "ريب فان وينكل" [قصة قصيرة للمؤلف الأمريكي واشنطون إيرفينج]. لقد كان العام كله يموج بظاهرة الحداثة. أنديرا غاندي تخوض انتخابات أكبر ديمقراطية على الأرض، وفيديل كاسترو الذي بصحبته سوف يقابل جارسيا ماركيز الزعيمة الهندية نفسها بعد سنوات كثيرة فيما بعد، كان مشغولاً بتنظيم المؤتمر القاري الثلاثي لدول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية الذي يُعقد في هافانا في أغسطس 1967. وكان هناك ممثل للجناح اليميني يدعى رونالد ريجان يخوض انتخابات حاكم ولاية كاليفورنيا. وكانت الصين في غليان، وماو يعلن الثورة الثقافية بعد بضعة أيام من إرسال جارسيا ماركيز جزء كبير من حزمته الثمينة إلى بوينس أيرس. وفي الحقيقة كان يتعين على جارسيا ماركيز نفسه أن يغادر العالم السحري على عجل وأن يبدأ في صناعة بعض النقود. لقد شعر بأنه غير قادر على أن يأخذ حتى أسبوع واحد للاحتفال. لقد كان خائفاً من أنه قد يستغرق منه الأمر سنيناً ليسدد الديون التي كان قد راكمها عليه. وربما يقول فيما بعد، إنه قد كتب 1300 صفحة أرسل منها نهائياً 400 إلى "بوريه"؛ وأنه قد دخن 30 ألف سيجارة واستدان 120 ألف "بيسو". ومن المفهوم أنه مازال يشعر بعدم الأمان. وبعد أن انتهى منها سرعان ما حضر حفلاً في منزل صديقه الإنجليزي جيمس بابويرث. واستعلم بابويرث عن الكتاب وكرر جارسيا ماركيز قوله، "لقد حصلت إما على رواية أو مجرد كيلو من الورق، مازلت غير متأكد أي منهما". لقد مضى مباشرة ليعمل على مخطوطات الأفلام. وفي أول مقالة له بعد خمس سنوات، بتارخ يوليو 1966، ومازال لم يكتبها للنشر في المكسيك، كتب جارسيا ماركيز تأملاً في المرجعية الذاتية لجريدة "اليسبكتادور" بعنوان "سوء حظ مؤلفي الكتب":
 
(إن تأليف الكتب مهنة انتحارية. فلا مطالب أخرى مثل مزيد من الوقت، مثل مزيد من العمل، مثل مزيد من التكريس، بالمقارنة مع الفوائد الفورية. لا أعتقد أن قرائي عندما ينتهون من قراءة كتاب يسألون أنفسهم، كم من ساعات الألم والمعاناة والنكبات العائلية تكلفها المؤلف في هذه الصفحات المائتين، أو كم تلقى هو في مقابل عمله... وبعد هذا التقدير المظلم لسوء الحظ، فإنه من الأساسي أن نسأل لماذا يكتب الكتاب. إن الإجابة الحتمية هي نوع من الميلودراما مثل الإخلاص. الأول أن الكاتب ببساطة هو يهودي أو أسود مثلاً. فالنجاح في هذه الحالة وتعاطف قرائه يكون حافزاً له، لكن هذه مجرد مكاسب إضافية لأن الكاتب الجيد سوف يستمر في الكتابة في كل الأحوال، حتى لو كان حذاؤه يحتاج إلى الترميم وحتى لو كانت كتبه لا تجد من يشتريها).


إن جارسيا ماركيز الجديد، في المشهد الأول الذي يمكن أن يُرى فيه بالمقابلات التي أجراها حينما وصل إلى قرطاجنة في مارس الماضي، قد وُلِد من جديد. لقد بدأ يقول العكس تماماً لما يعنيه. إنه يكتب عن سوء حظه لأن سوء حظه قد انتهى تقريباً. فالرجل الذي لم يشكو أبداً ولم يثر أي مشكلة أبداً حتى في أشد الظروف المقيدة، اعتزم أن يثير ضجة من الآن فصاعداً حول كل شيء ـ ليس أقلها جشع الناشرين وبائعي الكتب، وهو الموضوع الذي سوف يصير هاجسه الأول. هنا هو جارسيا ماركيز الذي سيسحر العامة إلى ما لا نهاية، ويثير الانتقادات بشكل دائم ومستمر، وخصوصاً هؤلاء الذين سوف يكونوا مقتنعين بأنه لا يستحق النجاح وهؤلاء الذين هم أكثر من معقدين، وهؤلاء الأقل سوقية والأكثر أهمية من الناحية الأدبية ممن كان بإمكانهم الحصول على جوائزه البراقة. إن هذه الشخصية الجديدة ـ رجل حقيقي للستينيات في الظاهر ـ مستفز وعنيد وديماجوجي ومنافق وبليد متصلب الرأي، إلا أنه ثابت لا يمكن اقتلاعه؛ لكن الناس سوف تحبه بالرغم من كل ذلك، بل من أجل ذلك، لأنه يبدو كواحد منهم، يصنع من الحبة قبة، ويتجنبها كلياً وفق دهائه الذي هو في حقيقته دهائهم؛ رؤيتهم للعالم.
وفي الوقت نفسه تقريباً، سارع جارسيا ماركيز بعد أن أكمل روايته بكتابة رسالة طويلة إلى "بلينيو ميندوزا". تبدأ بجملة لافتة بقوة عن مشاعره في هذا الوقت ثم تنتقل إلى شرح تحفته الفنية التي انتهى منها حديثاً وماذا تعني بالنسبة له:

(بعد سنين طويلة من العمل مثل حيوان، أشعر بأن التعب قد غلبني بدون نتيجة منظورة، فيما عدا الشيء الوحيد الذي أحبه ولكنه لا يطعمني: الرواية. إن قراري الذي يختص بحافز هو أكثر من رائع، وهو أن أرتب الأشياء بأية طريقة أراها من أجل الاستمرار في كتابة مادتي. صدقني، درامياً أم لا، أنا لا أعرف ما الذي سيحدث.
إن ما قلته عن الفصل الأول من "مائة عام من العزلة" جعلني في غاية السعادة. هذا هو السبب في أنني نشرته. وحينما عدت من كولومبيا وقرأت ما كتبته بالفعل، فجأة انتابني إحساس بفقدان الثقة وخوف يتملكني، إذ إنني دخلت في مغامرة يمكن بسهولة أن تنتهي بكارثة، كما يمكن أن تحقق نجاحاً ساحقاً. لذلك فمن أجل أن أكتشف كيف تراها عيون الآخرين، أرسلت بهذا الفصل إلى "جويليرمو كانو"، وهنا استحضرت معاً أكثر الناس حرصاً وخبرة وصراحة وقرأت لهم فصلاً آخر. وكانت النتيجة عظيمة، فقبل كل شيء كان الفصل الذي قرأته هو الأخطر: "ريميديوس"، الجمال الصاعد إلى السماء بالجسد والروح...
إنني أحاول الإجابة بدون أي
جابريل جارسيا ماركيز ـ حياة
صدرت أول سيرة ذاتية كاملة وموثقة للحائز على جائزة نوبل 1982، "جابرييل جارسيا ماركيز" أشهر روائي عالمي في الخمسين سنة الأخيرة، كتبها "جيرالد مارتين"،  في حوالي 650 صفحة عن دار نشر "كنوبف".   
وقد استمر "جيرالد مارتين" لمدة عقدين من الزمان في البحث والكتابة للسيرة الذاتية لماركيز، وقضى ساعات طويلة في مناقشات مع جابرييل جارسيا ماركيز نفسه، وقابل أيضاً أكثر من ثلاثمائة من الأشخاص الآخرين ممن عرفوا ماركيز، من بينهم زوجة ماركيز نفسه وأبنائه وأحفاده ووكلاء الأعمال والمترجمين، والكُتاب كارلوس فوينتس وماريو بارجاس يوسا وألفيرا ميوتس وغيرهم. وقابل أيضاً من الشخصيات السياسية فيديل كاسترو وفيليب جونزاليس، وكذلك أصدقاءه المقربين، وقابل أيضاً من يعتبرون أنفسهم خصوماً له. وكانت النتيجة هي انبعاث كل من الكاتب والإنسان.
إن قصة جارسيا ماركيز هي قصة مميزة. وُلِد في سنة 1927، ورباه جداه وحفنة من خالاته وعماته في مدينة عتيقة هادئة في كولومبيا، حيث شب الولد الذكي وأصبح شاباً متحفظاً. عمل في البداية صحفياً على نطاق إقليمي، وبعد ذلك كمراسل خارجي، ثم لتتوارى سنوات الغموض وتنجلي الصورة عند عمر الأربعين حينما أصدر رواية بعنوان ـ مائة عام من العزلة. وفي خلال شهور، حاز الكتاب على درجة مدهشة من الإعجاب، ووُصف الكاتب في معرض الثناء عليه على أنه جاء بنموذج يحتذى به للأدب الجديد: الواقعية السحرية. وبعد ثمان سنوات، في سنة 1975، أصدر "خريف البطريرك"، وفي سنة 1981 "قصة موت معلن". وأستُقبِلت كلها بحفاوة وانتشاء من كل من النقاد والقراء بالقدر نفسه. ومع قراءة كتبه من الملايين في شتى أرجاء العالم أصبح رجلاً ثرياً وصاحب نفوذ. إلا أنه مع كل هذه الشهرة لم يفقد ارتباطه بالجذور: وعلى الرغم من أنه عاش خارج كولومبيا منذ سنة 1955 ـ في برشلونة ومكسيكو سيتي وباريس ـ إلا أن جائزة نوبل التي فاز بها احتفل بها الكولومبيون في كل مسيرات الحياة ممن اعتقدوا ومازالوا يعتقدون أن "جابو" يخصهم بصفة أساسية. وأعقبها روايات "الحب في زمن الكوليرا" و"الجنرال في متاهته" وذكريات عاهراتي الحزينات" وخلاف الروايات (قصة ملاح السفينة المحطمة، وأخبار الاختطاف، وعشت لأحكي). لكن شهرة ماركيز وعاطفيته استمرتا في الاندماج وفي التوهج بالمثل، لا يكل من إثارة الفعاليات السياسية والاجتماعية الباعثة على الجدل.
وعلى الرغم من تسجيله لخصوصيات الحياة، إلا أن "مارتين" يتمعن في القضايا الأكبر: التوتر فيما بين الاحتفال بجارسيا ماركيز وبحثه عن الجودة الأدبية، وبين سياسته وكتابته؛ خداع السلطة والعزلة والحب. إنه يستكشف التناقض فيما بين زخم خلفية الكاتب الكاريبي والفاشستية في "بوجودا" العليا، ويبين لنا كيف ظهرت هذه الفروق في كتابته في كل شكل اتخذه من أشكال حياته. إنه يستكشف الخبرة والتصورات الظاهرة أو الكامنة في روايات جارسيا ماركيز، ويفحص مبررات الكاتب ـ ورد فعل العامة ـ لتحوله بعيداً في الثمانينيات عن الواقعية السحرية التي قدمته إلى الشهرة الدولية باتجاه بساطة أعظم تلك التي سوف تشكل علامة في بداية عمله في "الحب في زمن الكوليرا".
لقد كتب "جيرالد مارتن" سيرة ذاتية رائعة: منيرة في ثرائها وآسرة مثل أي كتابة صحفية قوية لجابريل جارسيا ماركيز، وفاتنة مثل أي من رواياته الرائعة المحبوبة.
صورة مصطفى محمود

التعليقات (1)

نص رائع..شكرا

صورة عبد الصبور عقيل