حاجز ثوري .. وطن ينزف !! (1)




حاجز ثوري ... وطن ينزف !! (1)
زياد أبوشاويش


وهكذا استفدنا من التجربة اللبنانية وغيرها من تجارب الحروب الأهلية!، وبدأنا ننصب الحواجز والكمائن للخطف والقتل على الهوية الفصائلية ، أو الانتماء لفلسطين بتعبير آخر ، والانتماء هنا يحمل نقيضه مع كل طرف تجاه الآخر ، وليس من باب الطرافة أن يوقعنا هؤلاء الأراذل في معضلات مضحكة مبكية ولا يملك المرء تجاهها سوى الإدانة الصادرة من عمق الجرح كما عمق القلب والروح ، ولا ينفع فيها الأسف أو الندم ، فهي تحفر عميقاً وبلا قرار ويستحيل ردمها إلا من رحم ربي ، وهو في حالتنا الراهنة لن يرحم . ولا أعرف لماذا استحضرت ذاكرتي تمثال الوطن الأم في فولجاجراد ( ستالينجراد سابقاً ) قبل أن أبدأ سرد هذه الواقعة الحزينة .
الحواجز الطيارة ، أو الكمائن الثابتة غول يجب مطاردته وقتله ، قبل أن يقتل كل قيمنا الخيرة وتقاليدنا العريقة ، وقبل أن يحولنا إلى قبائل مغلقة على القتل والدم والانتقام .
أنت الأم متوجعة من شدة الألم ، وانتبه الابن على الأنين رغم وجود ما يركز عليه ويتابعه في هذه الحرب الأهلية الدائرة بين أبناء جلدته والتي تأخذ في خضمها أقرب الناس وتبث الخوف في كل مكان وفي كل القلوب والعقول .
فهم الابن أن الدواء الذي تستخدمه والدته قد انتهى وأنها أصبحت في أمس الحاجة لكمية أخرى ، هرول الابن خارجاً للبحث عن أقرب صيدلية وعندما لم يجد نوع الدواء ، توجه إلى قلب المدينة بحثاً عن رجل شجاع يفتح صيدليته في ظروف القتال والتوتر السائد في غزة .
صرخ في وجهه أكثر من جار وصديق ليعود لمنزله ولا يغامر ، كما كانت قد نهته أمه عن الخروج خوفاً عليه ، لكن أنين الأم وشحوب وجهها من شدة الألم لم يترك للابن أي خيار آخر.
انطلق الابن البار مسرعا في احد الشوارع الجانبية ، تحاشياً للقنص والحواجز الكبيرة والخطرة .لم يخطر بباله أنه قد دخل إلى الجحيم ، فقد تولاه أحد المسلحين طالباً منه التوقف ومن ثم اقتاده للحاجز الذي كان يبعد عدة خطوات عن المكان ، غير أنه كان متموضعاً في زقاق يؤدي إلى الشارع الرئيسي لذلك لم يره الرجل وهو يدلف إلى الشارع الجانبي . أخرج الرجل بطاقته الشخصية بناءً على طلب المسلح، وبالصدفة سقطت بطاقته الفصائلية فكانت الطامة الكبرى على رأسه .
بدأ الضرب واللكم والركل مرفقاً بأقذع الشتائم وأرذلها . حاول الرجل الشرح والتوضيح ، لم يفهم الإخوة المسلحين أن الرجل ليس من الصنف الذي يحاربهم وانه أخ لهم .... الخ من الكلمات التي أسعفه لسانه بنطقها . الأمر المدهش والمؤلم والغريب أن المسلحين لم ينتبهوا لاسم الرجل بل بدأوا مهمتهم الثورية بمجرد رؤية شعار الفصيل على بطاقته .
نزف الرجل وامتلأ وجهه بالدم ، وبصق منه كمية كبيرة قبل أن يتمكن من نطق اسمه ولفت انتباه المسلحين إلى وجود شقيق من أشقائه معهم ، بل هو أيضاً كادر مسؤول ، وهنا توقف الضرب وعلا الوجوم وجوه الإخوة الثوريين ، وتلفتوا ينظرون تجاه بعضهم البعض فقد كانت البطاقة قد أرسلت لمسؤول الحاجز والمحور والذي انتبه متأخرا للاسم في البطاقة .
كانت لحظات مؤلمة ومحرجة وقاتلة عندما حضر مسؤول الكمين مهرولاً ليجد شقيقه الأكبر مدمياً ، ينزف من فمه وأنفه وقد تمزقت بعض ملابسه ، قام بعمل حركات غير مفهومة ومع صراخه وغضبه بدأ الأنين يخرج من أعماقه ، بكى وركع بجانب أخيه طالباً منه الصفح عنه .
بصق الأخ الأكبر بعض الدماء التي ملأت حنجرته ، ومن وراء غشاوة عينيه أمعن النظر في شقيقه الأصغر وأشاح بوجهه ، وبدأ يمسح الدماء التي اختلطت بدموعه ودموع أخيه ، لم يقل شيئاً لدقيقة كاملة مرت عليهما كالدهر ، ثم انتفض قائلاً لأخيه أمنا مريضة ومتعبة وتتألم وفي حاجة للدواء وأنا هنا أبحث عنه ، لم يرد الأخ الأصغر ، قام وهو ينظر إلى أفراد الكمين الثوري
ثم أشاح بوجهه عنهم ، أمسك بيد أخيه وانطلقا بحثاً عن الدواء .


زياد ابوشاويش
صورة زياد ابوشاويش

التعليقات (2)

أشكرك اخي على هذه اللفته الجميل التي حملت حرقة وحرص منك ولكن هذا الم دفين وخطط لانستطيع القول انها وهميه هي مكيدات علنية تحت غطاء يسمى بالعدسات الشمسية
موقفنا نحن!!!
ماهو موقفنا؟
هل موقفنا سرد القصص الجميلة للمواقف المشرفة
ام سرد الحزن الدفين لبقايا الم يصعق عقولنا فتخر قوانا
ام نستخلص من ذا وذاك عصارة جميلة نحمل معها  أمل يتعض من الألم
بوركت اخي على القصة والحرقة الجميلة منك

صورة عادل نهشل
الام ...هي الوطن الذي اصبح تعب اكثرر ويحتاج اتحاد الاخوى لانقاذه ...من المو ت المخجل...والمؤسف...

موضوع مميز

تحيتي
صورة بيسان كنعان