جغرافيا إفتراضية تتلمس تاريخ الواقع .. رؤية فنية معاصرة في خارطة حمدي عطية

جغرافيا افتراضية تتلمس تاريخ الواقع ..
رؤية فنية معاصرة في خارطة حمدي عطية

يوسف ليمود


- تصور هذه الخارطة عالما موجودا على كوكب مماثل للأرض من ناحية الحجم ومغاير لها من حيث توزيع الماء واليابسة .
- تنقل لنا هذه الخارطة صورة جيوسياسية لعالم ما بعد “قرن الاندماجات العالمية الكبرى” التي تراجع فيها عدد المقاعد في جزيرة الأمم المتحدة إلى أقل من النصف .
- تم استخدام “المسقط الاسطواني ذو المسافات والمربعات المتساوية” في رسم هذه الخارطة .
- أثناء رسم هذه الخارطة , تم استبعاد مساقط عديدة , منها “مسقط مركاتور” الشهير , وذلك لارتباطه بالتطبيقات العسكرية والاستعمارية في فترات ما قبل قرن الاندماجات العالمية الكبرى .



- كلما اقتربنا من المناطق الاستوائية, كلما اقتربت المسافات بين النقاط الجغرافية وانكمشت المساحات, ولمسنا البعد الانتقائي في رصد معالم تلك المناطق. وبالعكس , كلما توغلنا في الشمال أو في الجنوب , نلمس التعاظم المطرد في المساحات مما يوفر حيزا أكبر لرصد معالم المناطق الواقعة فيهما .



- لا تشتمل الخارطة على أسماء الجزر أو الخلجان أو الجبال أو الأنهار أو البحار غير الرئيسية .

- بعض المدن التي تم رصدها كمدن صغيرة الحجم, تنمو بمعدلات هائلة . وعلى صعيد آخر فقد تبدلت أسماء بعض الدول والمدن أكثر من مرة على الأقل خلال الـ 75 سنة السابقة على طباعة هذه الخارطة .

* * *

هذه هي السطور المدخل, نقرأها على الحائط بخمس لغات, ونحن أمام ذلك المشروع الفني الذي عرض مؤخرا في بينالي جزر الكناريا للفنان المصري المقيم في نيويورك حمدي عطية, بالتزامن مع عرضه في قاعة باجينيت بفيلادلفيا بمقاييس مصغّرة نسبيا لتلائم حجم وشكل المكان, تمتص دهشتنا الأولى للخبطة الجغرافية التي سيقع فيها بصرنا, حيث التكتلات القارية الخمس أصبحوا ثلاثة, كذلك المحيطات ثلاثة, البحار عشرة, الأنهار والخلجان والجزر أرقاما مغايرة عن تلك الموجودة بخريطة عالمنا كما نعرفه, ثم, ثمانية أقاليم دولية تضم 129 دولة وحوالي 4650 مدينة, لتسلِمنا إلى دهشة أخرى على مستويات أخرى مفتوحة على قراءات تتعدد بعدد المتأملين في تلك الخارطة الفنية.



العمل (كما عرض في بينالي الكناريا) عبارة عن تجهيز في فراغ حجرة أبعادها 5 × 4,5 متر داخل مبنى يعود تاريخ بنائه إلى القرن التاسع عشر .. خارطة مطبوعة على ورق حائط يغطي تماما جدارا مقوسا بأبعاد 3,5 × 5,5 متر. الواقف في منتصف الحجرة لا يخرج من مجالها البصري إلا إذا استدار للخلف حيث يرى على الجدار المقابل خمسة أعمدة للنص المرافق للعمل مترجما إلى خمس لغات مختلفة. قبل الخروج من الغرفة, يرى جهاز كمبيوتر محمّل عليه ملفات اليكترونية مضغوطة لنفس الخارطة لاستكشاف أبعاد وتفاصيل أخرى في العمل لا يمكن تلمسها على الخارطة المفرودة على الحائط.
هناك ثلاثة محاور يتبلور العمل في مجالها: الخارطة مفرودة على الحائط + الخارطة مضغوطة اليكترونيا على شاشة الكمبيوتر+ النص المرافق. على مستوى آخر نجد أن ثلاثة محاور أخرى تعمل على تكثيف طاقات هذا العمل:
1- المحور الشكلي الجمالي وفيه تم تكثيف طاقة الخط كرسم عن طريق استبدال المنظور الحسي الحدسي بالمساقط الرياضية الذهنية وطعّمها بكل إمكانيات الطبوغرافيا وما تحمله من دلالة.
2- محور الفانتازيا السياسي وفيه رد الفعل السياسي إلى بانوراما إنسانية أوسع تسطو فيها الضرورات التاريخية على جغرافيا الدماغ البشري وبالتالي تقود إلى إسقاط القداسة التي اكتسبتها الوثيقة التاريخية داخل هذا الدماغ.
3- محور الواقعية السحرية وفيه تتلاشي الحدود بين الحقيقي والمتخيل وبالتالي يقود إلى زعزعة الثقة التي نشعر بها تجاه الأشياء والمفاهيم التي تشكل أساس حركتنا.



فالمستوى الشكلي رغم تحميله بتفاصيل لا حصر لها, من منمنمات كونتورية, وتعاريج, وكتل أرخبيلية, لن يكفي وحده كروحية للاستمتاع البصري, لو لم يكن يحيل إلى روحية بث فكري تأملي لصيق بالواقع وتحديدا بشكل العالم كما هو اليوم, والذي بدوره لا يمكن فصله عن سيرورة التاريخ ولغة الخطاب السياسي التي شكّلت وما تزال تشكل ذلك التاريخ. ومع ذلك فالعمل لا ينتهي عند هذه المنطقة النقدية الضيقة, فهو إذ جمع في طريقه كل ما أمكنه من نثار أثرى به الشكل والمضمون معا, عاد ليفرغه في النهاية في فضاء سحري رؤيوي يفعّل إمكانيات الخيال, وبإمكانه توليد أعمال أخرى عند آخرين تفاعلوا أو يمكن أن يتفاعلوا مع هذا العمل, بوسائطهم الفنية المتنوعة: أدب خيال علمي, رؤى سينمائية, أفلام كارتون, شرائط فيديو, مجال الطباعة بشكل عام سواء ملصقات أو أطالس ..الخ. هو بهذا المعنى نموذج للعمل الفني الواسع بما يحتويه الاتساع من بعد النظر وشمولية المعرفة والقدرة على استقطاب واحتواء أفكار لا حصر لها –لتكن خيالية- ولكنها لن تخرج عن صميم الواقع على أية حال.



ربما ضروري هنا أن نلقي نظرة تاريخية سريعة على كيفية استخدام المساقط التي هي تحويل الشكل الكروي إلى مسطح في رسم الخرائط. الإدريسي مثلا في العصور الوسطى اخترع لخارطته مسقطا يجعل مكة مركز الكون, في الوقت نفسه اخترعت الممالك الصليبية مسقطا يجعل القدس هي المركز, أما أوروبا القرن التاسع عشر الاستعمارية, فقد اخترعت مسقطا يجعل حجمها كبيرا جدا بالقياس إلى حجوم القارات الأخرى لتغذية شعورها الإمبراطوري بالعظمة. في الوقت الحاضر, هناك أنواع كثيرة من المساقط تستخدم حسب الوظيفة التي تخدم هدف المؤسسة, بحرية كانت أم جوية أم عسكرية أم كان خاصا بالطقس, ولا ننسى أن التكعيبيين كانت لهم طريقتهم في استخدام المسقط إلى جانب المنظور لكي يعكسوا كل أبعاد المجسم الذي يرسمونه. في هذه الخريطة استخدم الفنان مسقطا معروفا بـ “مسقط المربعات المتساوية”, فيه صب كل الموارد البصرية والمفاهيمية التي استقطبها لمشروعه الفني هذا, كما قام بتنفيذ كل رسوماته على برنامج الفوتوشوب الخاص بالحاسوب, أما كتابة أسماء الأماكن فقد نفذها بواسطة برنامج الإليستريتور الذي يسمح بتكبير حجم الكلمات والأحرف إلى أبعد حد ممكن دون أن تنتقص من حدة وضوحها, وهي خاصية لا يتيحها برنامج الفوتوشوب (ولهذا مغزاه البصري الدلالي سنأتي على ذكره), ليخرج المشروع بكامله مضغوطا على اسطوانة كمبيوتر, يتم عن طريقها طباعة الخارطة بالحجم المرغوب فيه على خامة الفينيل, وهي ورق بلاستيكي مقوى يلصق أو يعلق على جدار.

الفكرة بسيطة في انطلاقتها: كوكب آخر له تضاريس مختلفة توحي بتراكمات تاريخ مختلف؛ لكنها توسعت لتلامس أبعادا وحقائق مكانية زمانية تاريخية سياسية تخص الأرض التي نتحرك ونعيش عليها, من خلال مجهود متأن ومكثف حتى وصوله حدود اكتماله على المستويين الشكلي والمفهومي, وهذا الأخير, يزيح بلطف حجابا مسدلا على الوثيقة الجغراتاريخية للعالم نلمسها في تلك الجملة الإيضاحية على النص الجداري المصاحب: “كلما اقتربنا من المناطق الاستوائية, كلما اقتربت المسافات بين النقاط الجغرافية وانكمشت المساحات, ولمسنا البعد الانتقائي في رصد معالم تلك المناطق. وبالعكس, كلما توغلنا في الشمال أو في الجنوب, نلمس التعاظم المطرد في المساحات مما يوفر حيزا أكبر لرصد معالم المناطق الواقعة فيهما” هي في الأخير نوع من إحالة إلى المنظومة التسلطية التي تحكم علاقة الغرب بالشرق والتي تسمى – لزوم التخفيف- بالصراع. فالجغرافيا الوهمية في هذه الخارطة تتبنى تاريخا حقيقيا وتعكسه على تضاريسها بصيغة الإيحاء, في الوقت نفسه يتبنى تاريخُها الخيالي جغرافيا الواقع الذي نعيشه بالصيغة نفسها. نأخذ مثلا “قرن الاندماجات العالمية الكبرى” المذكور في النص الجداري, نجد أنه مصطلح, رغم انغلاقه على نفسه, ينفتح على تصورات عديدة لحقب أو أحداث غيرت وجه الأرض وتوجهات الروح الآدمية عليها, أقربها للربط الذهني, على سبيل المثال, الحرب العالمية الأخيرة أو الثورة الصناعية أو حتى ثورة الانترنت بعولمتها والشكل الجديد لاستعماريتها, كما يمكن قراءتها كإحالة إلى اكتشافات كبري غيرت التاريخ كاكتشاف الأمريكتين, أو ربما أبعد من ذلك كعصر الهجرات الكبرى…الخ. بمثل هذا يستمد العمل مغناطيسيته من مساحة مفتوحة على خيال يسمح للمتأمل أن يقوم بحفرياته بنفسه فوق تلك الجغرافيا, التي ليست في النهاية إلا جغرافيا الدماغ البشري المصنّعة وتضاريسه المعرفية المعلّبة والمسلم بها.

العمل الفني هو دائما في مكان آخر وليس على السطح أو في الفراغ الذي يجسده, فالأساس الذي اعتمدت عليه فنية هذا المشروع, كما ذكرنا, هو الفكرة التصور المبدئي الذي تراكمت عليه طبقات من الجهد طويلة المدى في إعمال الخيال لتوليد باقي عناصره, بدءا من الهيكل العام لتضاريسه البصرية, انتهاء بشبكة التفاصيل المتفرعة, كاختيار أسماء المقاطعات والمدن والأماكن, سمعيا, بما يتماشى مع أصول علم هارموني متصَّور أو مفترض لطبيعة اللغة التي يمكن أن يتكلمها أهل هذه المنطقة أو تلك, وهذه جمالية أدبية تضاف إلى جماليات العمل الأخرى, تُدخل المتأمل في قلب منطقة من الخيال اللغوي أو الأدبي نادرا ما يشطح فيها العقل, بل ربما انقرضت إمكانياتها من الدماغ نتيجة انعدام تفعيلها كطاقة فطرية يولد بها الجميع. نكتفي هنا بإيراد نماذج من أسماء البحار والمحيطات, نجد مثلا: محيط آريز في الشمال, محيط نوبرا في الجنوب, محيط هيباي في الحلزون الاستوائي. أما البحار فنقرأ: بحر دورما, بحر ويه, بحر الجويب, بحر يـِمشي, بحر تاج, بحر هاموا, بحر لوبدا, بحر لِن, بحر سادفي, بحر خِل… إلى جانب طوفان من الأسماء المختلفة الأجناس تخص مناطق باقي تفاصيل اليابسة, تزيد الشعور بكثافة وتراكم الطبقات التاريخية فوق المكان, كما تقربنا من عوالم سحرية يبدو استخدامها, في الغالب, وكأنه حكر على الأدب وظلاله على السينما, خاصة ما يسمي بالواقعية السحرية. وهنا تأتي أهمية تلمس تفاصيل الخارطة على شاشة الكمبيوتر التى هي جزء أساسي من التجهيز الفراغي للعمل, وتسمح بالتحكم في تقريب التفاصيل (كعدسة زووم) حد تلاشي تفاصيل المكان تماما ورؤيتها كضباب لوني أشبه بالعدم, في نفس اللحظة التي تزداد أحرف الأسماء المكتوبة حجما من غير أن تقل حِدة ً, الأمر الذي يشير إلى حقيقة امّحاء الطبيعة, كمادة خام, أمام الاختلاقات (بالقاف) الاسمية للمكان التي تشكّلها سيرورة الحركة والأحداث, وكأن ما يجعل المكان مكانا هو مفهومنا عنه وليس المكان نفسه.

النص الجداري المصاحب نقرأه في خمس لغات: العربية والإنجليزية والإسبانية والبرتغالية والفرنسية, وهي اللغات التي استخدمت غالبا في تدبيج الخرائط منذ الإدريسي وحتى زمن ما بعد الكشوف الجغرافية, ولكونها أيضا لغات حزام البحر المتوسط الذي انطلقت منه سفن اكتشاف باقي العالم. ويكمن في هذا الاستخدام اللغوي المتعدد, نوع من تطعيم الجغرافيا بالتاريخ, طالما أن التاريخ هو الجانب الآخر من الجغرافيا. تجدر الإشارة أيضا إلى التناول العددي في تحديد الخطوط العريضة للعمل, فرقم ثلاثة الذي اختير للكتل القارية وللمحيطات, والذي يتشكّل منه ثالوث العمل(نص/خارطة/حاسوب) معروف أنه لا يخلو من بعد أسطوري. كذلك الرقم عشرة الذي اختير لعدد البحار له نفس البعد بوصاياه العتيقة, بل ربما ذكّرنا بتصورات الفارابي عن المدينة الفاضلة, حيث كان مولعا بهذا الرقم في كتابه عنها. غير أن مساحة مفتوحة على منطق اللاوعي والمصادفة, هي في النهاية ضرورة لكل عمل فني جاد, فما بالنا ونحن أمام نوع من خيالية واقعية لا تستبعد العشوائية بل حتى توظفها, على اعتبار أنها واقع ونتاج إنساني؟ ورغم هذا فلسنا بصدد منطق تحكمه العشوائية إلا بالقدر المقبول والضروري, فالحال أن الجيولوجيا التي وزعت الكتل القارية الثلاث في هذه الخارطة هي جيولوجيا الضرورة الفنية وليست جيولوجيا الزمن. ويكفي أن ننظر, على سبيل المثال, إلى طريقة توزيع السلاسل الأرخبيلية ونثار الجزر, لندرك أنها بتكويناتها, تلعب دور التطعيم الشاعري الذي بدونه يتجمد العمل في ثلاجة المفهوم.

من الصعب هنا معرفة ما الذي شكل الآخر أولا: أهي الذائقة الجمالية شكلت تضاريس المكان, أم أن تضاريس فكر مفاهيمي هي التي فرضت أشكال تجسدها, أم أن هناك قنوات بين هذين التصورين (الشكلي والمفهومي) صب أحدهما في الآخر وطوع أحدهما الآخر مستفيدا من عنصر المصادفة التي هي جزء أساسي في أية تجربة فنية؟ يصعب أيضا تبيّن ما إذا كان أحد البعدين قد طغى على الآخر. فمع الغوص في التفاصيل التي نتكشّفها عن طريق شاشة الكمبيوتر, تتلاشى الرؤية الكلية للعمل في مستواه البصري, لندخل إلى جزيئاته المولّدة لدلالات ليست بصرية في المقام الأول, وما إن نرفع العين من عمق الشاشة إلى العمل مفرودا على الحائط, حتى يحضر بشكليته الكلية وحساسية أدائه الزاخرة بالخطوط والتعاريج والنقاط التي تُسكت, ولو للحظات, صوت تلك التشعبات الدلالية. ومن خلال تناوب التأمل بين هذين البعدين, يتحقق البعد الثالث السحري لهذا العمل.

الشكل المقعر المفترض عرض الخارطة عليه, هو النسخة السالبة لقوس الاستدارة الكروية الذي ترقد عليه تضاريس أي كوكب, في الوقت نفسه يذكّرنا هذا الشكل بالقِبلة, كحيز مكاني يحتوي الواقف أمامه ويتيح أكبر درجات الهدوء والشعور بالسكينة والتأمل. هل يمكن أن تعكس انحناءة كهذه ظلا من تصوف؟ ربما, لكن سيتحتم علينا أن نتأكد من معنى هذه الكلمة من خلال الانشغال الأساسي للعمل. هي لم تعد تصوفية الاستغراق في الشكلية التي خرج الفنان من بخورها إلى هواء الواقع والتفاصيل اليومية ليفعّل حسه وحدسه تجاه ذلك الواقع وتلك التفاصيل ويعري حقائقهم بكل ما يمتلك من أدوات ووسائط لا يمكن النظر إليها اليوم إلا باعتبارها أساس مسئوليته الإنسانية ومعنى وجوده .. تصوفه الحديث.



Youssef Limoud
hamdi_attia@hotmail.com
رابط لحوار سابق مع الفنان حول أفلامه الفيديو:
إضغط هنا
رابط عن ولبعض أعمال أخرى للفنان


صورة يوسف ليمود

التعليقات (10)


حقا يوسف

رؤية .. فنية .. معاصرة

جسدها لنا فنااااااااااان

شكرا لك

دعاء
صورة dodo_nomercy
الجميلة دعاء
الفن في بلادنا خاضع لمنظومة التخلف العامة المستشرية في انحطاطها المتزايد يوما بعد يوم , تجمد عند مفاهيم وكليشيهات أعجز أنا كمثقف وممارس للفن عن فهمها حقا إذ يبدو وكأن هناك تعمد لإرباك المتلقي البسيط بكلمات أخذت صفة القدسية وكأن الغرض النهائي من الفن هو عدم الفهم أو في أفضل الأحوال تغذية الوهم ... لا أنكر أن للعمل الفني لغته الخاصة التي لا تُستبدل باللغة المنطوقة ولكن الشرط الأساسي في رأيي لوصول تلك اللغة إلى قلب المتلقي هو أن يكون المنطلق الفكري في عقل صاحبه واضح وخال من الأوهام , ساعتها ستكون مسألة وصوله للمتلقي بروح صحية وصحيحة أو عدم وصوله مشكلة المتلقي نفسه وليست العمل ... هنا على سبيل المثال نجد أن الفنان واضح كالكريستال في تصوره وقادر على الكلام ومسئول أيضا عما عمله
شكرا أيتها العزيزة على لطفك في المرور
يوسف
صورة يوسف ليمود
يوسف العزيز
حين ألمح إسمك أعرف أني على موعد مع الدهشة
شكرا لرحلاتك الرائعة
بانتظار جديدك دائما
دمت صديقا
صورة فاطمة محسن
فاطمة , أهلا يا فاطمة .. وأنا دهشتي مصدرها النقاء الذي ألمسه فيما تكتبين
مودة يا صديقتي
youssef_limoud@hotmail.com

صورة يوسف ليمود
 
لى تعقيب بسيط

إحترام تجارب الآخرين - أفراد أو شعوب - فى إعتقادى أنها من أولى مبادئ وتطبيقات إحترام حقوق وحريات وخصوصيات الإنسان
ولقد علمتنى الأيام أن أنظر إلى تجربة الآخر - كبرت أم صغرت - بعين التفهم وإن إختلفنا فى الأيدولوجيات الأساسية ، بل بعين تنقب عن الإيجابيات فى تلك التجربة وليس العكس ، واضعة فى إعتبارى أنها تجربته الخاصة وله ما أراد ، ولابد أن تلك التجربة قد مرت بمراحل وتطورات وتعثرات وعقبات ... لا يعلمها إلا هو  ، فكيف لأحد أن يأتى فيقلل أو ينفي تلك التجربة - كبرت أم صغرت - أرى أن هذا حكم بالمصادرة والإعدام ما كان لأحد أن يملكه .. خاصة وأن لا حقيقة ثابتة ولا  معايير نهائية لأي شئ فى الوجود ، فمابالنا الفن
صورة أمانى على فهمى
العزيزة أماني

- ليس في الأمر عبقرية ولا يحزنون , على الأقل أتحدث عن نفسي

- وأتساءل حقا كيف أسبغتِ على ردي السابق ما ليس يحمله من معاني .. إذ كيف لي ألا أحترم أو أحكم أو أصادر على تجربة الآخر إذا كانت جادة؟ هذا ليس من مبادئي ولن يكون ولا أظن أنه يمكن أن يُفهم هذا من كلامي إذا كان هناك حقا تفهم له! .. لم أتكلم عن شخص ولا عن فئة بعينها وإنما تحدثت عن علاقة المنظر الفني في بلادنا بالمنظومة التي حكمته وأحكمت حلقاتها عليه ولا يبدو في الأفق القريب أنها سوف تُفرجُ .. ولن أحتاج أن أدلل على عدم تعميم رأيي في هذا المنظر خاصة أنني تناولت بالتبجيل والتحليل الشاعري نماذج لفنانين مصريين او لأعمال بعض منهم (بعض هذه الكتابات موجودة بهذا الموقع) ولولا ضيق الوقت وأيضا وجودي في بيئة مغايرة لكانت فرصة تناولي لأعمال استثنائية أخرى أكبر .. ظننت أني كنت واضحا وأن أول من سيؤازرني في رأيي هم الفنانون الذين يعون ويعانون من تلك الحقيقة اعتمادا على فكرة التمرد التي يولدون بها كمرض الحكة الذي لا شفاء منه .. تمرده على نفسه أولا وعلى عمله , فما بالنا بعدم تمرده على المنظومة المهترئة المذكورة نفسها , أو على الأقل عدم الاعتراف بها؟؟

صورة يوسف ليمود

 أنا من أكثر المتضررين من تلك المنظومة التى ذكرتها
كما أننى من أشد أشد أشد المستائين من منظومة أخرى 
المنظومة المعنية بتدريس الفنون فى بلدنا .. جميع المؤسسات المعنية بتعليم الفنون
مع اننى أنتمى حتى الآن إلى واحدة من أعرق تلك المؤسسات
!!!!!

أمانى
 
صورة أمانى على فهمى
فيم الاختلاف إذن والحال هذه؟
هو اعتراف في صالح رأيي وليس ضده , إذ كيف تعترفين بتهرئ المنظومة العامة ومنظومة المؤسسة العريقة التي تنتمين إليها والتي لم يبق من عراقتها سوى الإسم الوهمي الجميل ولا تتعاطفين معى ادعائي على الأقل؟
ولكني أفهم أن الحقائق غالبا تكمن في تناقضاتنا .. وعموما هذا شيئ إنساني أحرى بنا أن نراعيه ونلتمس له الأعذار بسبب خمار الخراب الذي غطى وجه أرض كانت يوما خصيبة

صورة يوسف ليمود
يوسف .. ما الذى أدخلنا فى المنظومة العامة والمؤسسة التعليمية العجوز ، نعم خرابهم جلي لا يحتاج أدلة

الذى دفعنى للتعليق والإختلاف معك كما تقول ، هو ما قرأته ( بين سطورك ) التى كتبتها والتى تناولت فيها لغة العمل الفنى وتغذية الوهم .. أما ربط ذلك بالمنظومة المهترئة والمؤسسة البالية فلا أجد له تفسير

أمانى
صورة أمانى على فهمى
أهلا أماني
هل يجب أن نتفق؟ .. أحيانا يكون الاختلاف أجمل
عموما لا أظن أنك من هواة الجدل البيزنطي ولا أنا أيضا
كل ما في الأمر أنك قرأتِ (ما بين السطور) بأيديولوجية أو نية ما وليس بالحدس الذي هو مثل الفن تماما تُفسده الأيديولوجيات وينفّر منها ... لست أدري حقا الآن علام الخلاف , إلا أنني أعلم تماما أن هناك رابطة لا يمكن إنكارها بين ما ارتأيتُه من رأي وبين المنظومة أو النظام العام , إنها مسألة تأثير وتأثر , والحق أنني أشعر بحرج ما في الاستطراد في الشرح لهذه النقطة بالذات خوفا من سوء فهمي بحكم حياتي بالهجرة , غير أن ما يخفف عني الحرج نوعا هو أنني مثلك أحد المتضررين من ميراثنا الكلي: تخلّفا ونظاما وعلى جميع الأصعدة ..... فكري فقط يا عزيزتي في أن انتقادي ليس للهدم فقط ولكنه للهدم من أجل ما يمكن أن يكون بعد الهدم , وهو إيجابي على أية حال ويُحسب لي طالما المنطلق هو الحب وليس حقد الإحباط , إذ يكفي أن كلامي استفزك بشكل ما ليقلّب ملعقة التفكير في أكواب بعض القناعات , سكّرا أو ملحا ليس هو المهم , المهم أن ماءً ما يتحرك ولو لدقائق وهو نفس الحال من جهتي أيضا , في صحتك وصحتي إذن ...

صورة يوسف ليمود