Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

تعرية الواقع فى كشف الورق

قراءة فى مجموعة " كشف الورق " للقاص صلاح بكر

من خلال كشف الأوراق وتعرية الواقع الحياتى المعاش لشريحة من الناس، استطاع صلاح بكر أن يرى العالم عبر عيونهم، وأن يتبنى رؤاهم وأفكارهم، وأن يحس بآلامهم, وينبض بآمالهم وأحلامهم البسيطة وأن يحفر وينقب داخل ذاتهم المنطوية والمقهورة روافد تنساب خلالها شتات نوازعهم الإنسانية، من خلال طرح مدهش يحمل خصوصية، تتضمن كثير من العفوية والتلقائية،  ودفء وحميمية الحوارات والتداعيات النفسية، التى تحتفى بالإنسان وتجاربه الحياتية.
عالم صلاح بكر هو عالم البسطاء المهمشين، الذين يركضون فى هامش الحياة، يملكون حق الطموح والتطلع إلى الأفضل، لكن الركون إلى الاستكانة والسلبية التى أصبحت من أهم سمات هذا العصر، والتطلع من خلال الثبات يبقيهم فى قسوة ذلك الواقع المؤلم.   
فى قصة " الطبلية الخشبية " إنسان منسحق بين الواقع الحياتى الذى يعيشه، والواقع المتطلع إليه والذى يستحيل الوصول له، ويظل يدور بين الاثنين بروح مهزومة وقلب محترق، داخل دوائر منغلقة على ذاته,من خلال واقع مغلق على الإحباط، واقع مستمر لا ينتج غير السلبية، يعانى من وأد الأحلام وبراءة الطفولة المستبقية، من خلال الطفل الذى يلتهم الشيكولاته.               
يقول ص9 " الطبلية تدور.. والجدران تدور.. ورأسى تدور، ومن خلال الدوائر أرى فتيات أحلامى يتسللن خلال المخدع "
يطرح الكاتب الوضع الاجتماعى للراوى/البطل من خلال وصف فنى:
يقول ص7 " دخلت إلى الصالة الضيقة تنتهى بالحنايا.. عادت إلى قعدتها المفضلة.. متربعة على الشلتة القديمة.. تنظر طوال اليوم على صورتى المعلقة على الحائط القديم "
ومن خلال وصفه لحالة حبيبته: ص7 " كنت معها بالسيارة.. تتلاعب بعجلة القيادة يميناً ويساراً.. تعطى إشارات ضوئية, تغازل السيارات "
ووصف حالة من خلال حديث العجوز: ص9 " تحدثنى عن طفولتى وأنا ألهو بالطبلية أسوقها وأصعد فوقها والأيدى تنزلنى إلى الأرض, والشلتة التى أستريح عليها بعد عناء "
وأيضاً من خلال الحوار:ص7 " احضر لك لقمة "
وما تتضمنه كلمة "لقمة" من دلالات البساطة ورقة الحال.
وفى ص9 " كنت تأكل وتكتب الواجب على الطبلية "
ومن خلال التقابل الفنى للمضمون, بين رضاء الأم البسيطة, وتطلعات الابن المحبط إلى " ذات البشرة الحليبية " من خلال نصائح الأم, ص8 " شوف واحدة على قد توبك "
أيضًا من جماليات السرد وحميميته يقول على لسان الأم ص9 " أبوك بلغ الرسالة وأدى الأمانة ولم يترك أبيض ولا أسود، عندك ثلاث قرص لتشق بيهم ريقك "
واستدعائه للتراث الشعبى " العروس الورقية " وتألمه لحرقها, وتضفير التراث بتجاربه الواقعية. يقول ص9 " أنت كنتى تحرقين قلبى.. كلما أحببت واحدة تلقيها فى النار "
وأيضا استطاع الكاتب أن يثبت الحالة النفسية ويؤكد استمرارها, من خلال رده على العجوز بسؤال فى زمن الحاضر:ص9 " لماذا تحريقها؟ "
بالإضافة إلى الحميمية التى يصبغها العنوان على مضمون القصة بما يتضمنه معنى الطبلية الخشبية من دلالات الألفة والترابط الأسرى.
فى قصة " حارة بامية " البطل يترنح بين واقع أخلاقى وبين نفسه المحبوسة داخل مستنقع الحارة، حيث الجهل والفقر يمثلان مرتعاً خصباً للرذيلة، من خلال عالم السجن الحقيقى, بمفرداته وعالم السجن النفسى للراوى/البطل المأزوم و ما بين الانغلاق و التزمت والانسلاخ المفرط من القيم والأخلاق تنهزم النفس الحائرة.
القصة مقسمة إلى جزأين حيث النقلة المكانية من عالم السجن فى المقطع الأول إلى عالم الحارة فى المقطع الثانى، مع استمرار الحالة النفسية المحبطة و المقيدة لذاته. والتى تحكم الحارة و تحبس تطلعاته.
يقول ص13 " ربما تأتى إلينا, نعيش سوياً بحارة بامية, نتحرر من قيود أنفسنا "
وإبحاره عبر الدكة الخشبية التى تتحول إلى قارب نجاة, ينقله من الواقع المادى، إلى واقع آخر متخيل للسفينة " تايتانك " لينسى الواقع المتدنى، لحاله وحال الحارة المحبوس داخل واقعها.
ويأتى الحوار المميز دائما فى قصص صلاح بكر والذى يضيف إلى مضمون القصة دلالات اجتماعية ونفسية, يقول على لسان المرأة ص11 " ـ يفك عقدتك يا أخويا. اقرأ الورقة يا باشمهندس. الخط ردىء.. أتهجى الحروف بصعوبة: ـ بيعى الدولاب وخللى بالك من المرايا "
حوار يشى بالمستوى الاجتماعى لهذه المرأة زوجة السجين, كما يطرح بشكل فنى لغة عالم له مفرداته الخاصة هو عالم السجون.
فى قصة " الأطلال " الإنسان الذى فقد إحساس الانتماء لذلك الوطن، وفقد التواصل مع ما حوله من مفردات الطبيعة، أرض، وسماء، ورياح. يحس بالغبن لأنه مطالب بتأدية ما عليه من واجبات دون الحصول على ما له من حقوق.
يبدأ القصة بضمير الراوى الغائب ثم ينتقل بسلاسة إلى ضمير الراوى الذاتى.
فى الحياة الملكية ذاتية يائسة ومحبطة، تقدم فى السن, بطالة، هروب من التجنيد، مثقف متشرد.
فى الحياة العسكرية غائب يتأمل ما حوله، فلا يرى شيئاً جديداً. فالراوى يقف على أطلال نفسه ويحول الفعل الإيجابى الذى يبدأ به القصة  ص15 " وقف فى الخدمة ينظر حوله" إلى عدم تواصل مع معطيات المكان. ثم يرى الجمود فى كل ما حوله,يقول فى نفس الصفحة: " التحفة تمثال, والتمثال من حجر ويجلس على حجر كما أفعل "
ترديد كلمة السر:ص15 " أسألك الرحيل" تحمل ضمنيا معنى التغريب, كما تشكك عبارة " أنا لا أحبك يا وطنى " فى ولائه وانتمائه للوطن، رغم أنه يقول فى نفس الصفحة: " يسمع أخبار مدينته, شارع النيل مسقط رأسه " وهى عبارات تحمل دلالات أخرى مغايرة مم يدل على خلل فى ذاتية جراء وقوعه فى براثن ذلك الواقع المؤلم والركود المسيطر على حياته: " مؤشر الراديو يتحرك ببطء عقارب الساعة " هى جمل متواترة تشى بالقلق والتوتر والملل الذى يعتمل داخل ذاته المحبطة ويغلف مشاعره الداخلية.
وقد وفق الكاتب فى تعميق أثر قضيته و أجاد طرحها من خلال توظيف الأغنية واتساق دلالاتها, مع مضمون القصة، كما تأتى الحوارات متوافقة متناغمة مع روح النص ومنطق شخوصه وهى بمثابة جزء أساسى من متن القصة وتلقى توازناً مهماً حيث رتابة الحدث وقتامة المضمون يقابلها ديناميكية الحوار وحميميته ص15:
 ـ سبنى يا تحفة .
 ص16 " أثبت محلك.. كلمة السر؟
الشبح يقهقه بضحكة ممطوطة:
ـ جتك ستين وكسه.. هو فى بينا أسرار؟
وفى نفس الصفحة:
ـ معاك كام؟
ـ معايا مؤهل متوسط, مستنى القوة العاملة
ـ يحرسك لشبابك, لمل تقدر تصرف عليها حتلاقى الباب مفتوح, وخد الباب وراك يا ضنايا.
وفى ص17: " كبسة.. اللى معاه حاجة يرميها. وفى نفس الصفحة " سيادتك أنا مثقف ومستنى القوى العاملة.
فى قصة السهم الذهبى هو إنسان أسير نزواته وانفعالاته الشهوانية لكنه يفشل فى أن يصنع علاقة سوية , يعانى فراق حبيبته من خلال تناقض فكرى/نفسى للبطل ذاته وواقع اجتماعى يلصق ببعض المهن عيوب أخلاقية تعم على كل من يعمل بهذه المهن. يقول على لسان الحاجة ص19 " البنت عار فى بلدتنا فما بال الممرضة. أتذكر عندما فكرت شقيقتك أن تلتحق بالتمريض رفضت وأنت تقول إذا التحقت بالتمريض عليك أن تتركى المنزل"
ويبرز جمال السرد من خلال النقلات النفسية والمكانية فى ذات الوقت، حين يمزج بين المكانين المصعد التابوت, الذى كان بمثابة المعبد الذى جمعه مع حبيبته، أو معبودته كليوباترا الملكة, أو كليوباترا السجائر، والسهم الذهبى التابوت الذى يمثل له الفراق.
وفى قصة " كشف الورق " يفشل بطل القصة فى المواجهة, فيحيل فشله إلى حظه العاثر,مكان المواجهة هو  القهوة العالية أم سلالم، والخصم معروف لدية يقول ص23: " أعرف جيداً أنه محتال ومراوغ، خفة يده تحرك الحظ لصالحه "
وهى تعكس الواقع من خلال علاقة الرجل بالمرأة، الرجل/الراوى واحد، وتضيع من حياته مرأة وراء أخرى , فالحياة تبخل عليه فيضيع منه حبه الأول, ومجونه الثانى وحلمه الثالث فيلجأ إلى المكان الذى يخفف عنه مأساته وهو المقهى,فلا يختلف واقعه فى الحياة عن واقعه من خلال اللعب.
فى الدور الأول كانت " أمانى " حبه الأول ملقاة على الأرض, لكنه ضاعت منه فى اللعب كما ضاعت فى الحقيقة يقول من خلال الحوار ص23 :
ـ بنت ببنت.
ـ كفاك سرقة. هذا شايب.
ـ دعك من هذا عندى ابن الحلال لها.
وفى الدور الثانى تظهر البنت اللعوب "صابرين " التى يتلقى النصيحة بالابتعاد عنها ص24:ـ ابتعد عن الحلويات, وضاعت أيضا فى لحظة شرود ص24: ـ ولد يا بلد عايزة ولد.. بس خسارة.
وفى الدور الثالث تضيع منه البنت الثالثة " مروة " الرومانسية الحالمة ص25: ـ كومى.. أصح يا مؤهلات.
ويلقى بأخر ورقة فى يده وهى البنت ص25: راحت العشرة يا مؤهلات.
هى قصة تطرح بفنية عالية من خلال التقسيمات إلى نقلات زمنية ونفسية، هى مراحل متعاقبة من مراحل العمر، يتجدد فيها الألم والفشل.
***
     وفى النهاية هذه قراءة متواضعة للمجموعة المتميزة " كشف الورق " للقاص المتميز صلاح بكر، والتى أرى أنها تستحق إلى أكثر من رؤية وقراءة نقدية.
استطاع الكاتب أن يقدم رؤية يطرح من خلالها هذا الواقع، يشرّحه ويحاول تطويره أو تحويره، ويقدم لنا عالم ينبض بالحياة رغم قسوتها,عالم الناس البسطاء المهمشين، وهو العالم القوى المتحمل، الذى يمثل غالبية الشعب، من خلال تجارب إنسانية، وأسلوب متميز.


يحيى فضل سليم

صورة يحيى فضل سليم