المقاومة العراقية والمجهول




المقاومة العراقية و المجهول
سامي الأخرس



بداية وقبل الشروع في التطرق لصلب الموضوع وجوهره لا زلت لا أؤمن بشعار وأطروحة الفوضى الخلاقة التي يتبناها المثقفون العرب ، وأصبحوا يتناولوها بكتاباتهم وأطروحاتهم ، رغم إنها واقعياً موجودة على الأرض ويتم تطبيقها وشرعنتها ، أما عدم إيماني بها لقناعاتي أن الدول الاستعمارية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية تخطط وتبني برامجها وخططها وفقاً للأدوات المتوفرة للتنفيذ ، وهذه الخطط والبرامج تصاغ بمراكز الأبحاث وبأعلى المستويات وبعد دراسة شاملة لمكونات البيئة المستهدفة من هذه السياسة والخطط ، ومن ثم تبدأ بتفعيل الأدوات الكفيلة بتطبيق وإنجاح الخطط والبرامج ، وهذه الأدوات لا تخرج من داخل الشعوب المستهدفة ، حيث ترتكز على مدي درجة الوعي الثقافي والسياسي ، والاقتصادي لتلك الشعوب .

وبما أن شعوب منطقة الشرق الأوسط أكدت بما لا يدع مجالاً للشك إنها شعوب تعاني من آفة التخلف في شتي مناحي حياتها ، وعليه مثلت صيداً سهل المنال وأرضية خصبة لتمرير كل المخططات التي تضعها قوي الاحتلال والاستعمار .

استطاعت الولايات المتحدة وحلفائها من تمرير مصطلح الفوضى الخلاقة من خلال تجربتها بالساحة الفلسطينية والتي نجحت بها بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف ، هذا النجاح ليس نتاج حنكة وقدرات الولايات المتحدة وحلفائها ، وإنما تحقق بفعل غباء وجهل الأداة الفلسطينية التي خضعت للإملاءات والسياسات الخارجية والإقليمية التي قوضت استقلالها وحولتها لأداة طيعة جعلت من فلسطين ميدان مشتعل لا يجني منه الفلسطيني ناقة ولا جمل ، ولا يحقق سوي مكاسب الخسارة والتشرذم وفقدان الهوية ، والوطن ، والانتماء وهي حالة نعيشها لا تحتاج إسهاب في الوصف .

وكذلك الحال بالساحة اللبنانية والتي سارت على هدي ورشد جيرانها العرب ، والطبع غلب التطبع ، فالمرء على دين خليله ، ونحن العرب لا نحب أن يكون لنا خليل صالح فالح ، وإنما ننساق خلف العصي ونبحث عن المواقع المتأخرة بين الشعوب.

لا أريد التفرع عن صلب الموضوع الرئيسي الذي أنا بصدده الآن وهو المقاومة العراقية التي إنطلقت بزخم وعنفوان لم يتوقعها أحد ، وحققت بفترة وجيزة إنجازات رائعة في أرض الميدان ، حتى توقع الجميع الصديق والعدو معاً أن المحتل الأمريكي قد غرق في الوحل العراقي وأصبح يبحث عن طوق نجاه يعتق رقبته من بندقية المقاتل العراقي ، والضغوط التي يتعرض لها من شعبه كلما هبطت طائرة تحمل جثامين قتلاهم ، بل أن هذه الضغوطات امتدت وانتشرت ضد كل القوي الشريكة بالاحتلال وطرقت أبواب القصور الرئاسية ، وأصبح مصير أي رئيس معلق بموقفة من الانسحاب من العراق ، وهذا بفضل الفعل الرائع للمقاومة العراقية التي دكت حصون المحتل وأدمته بكل قوة وشراسة حتى حررت بعض المحافظات العراقية وأصبحت لها السيطرة الفعلية على الأرض .

أما الملاحظ أخيرا تراجع المقاومة العراقية وبنسبة كبيرة عن فعلها السابق ، هذا التراجع له العديد من الأسباب الموضوعية أحدثتها جمله التغيرات والتطورات التي تحدث على الساحة الداخلية العراقية ، حيث بدأ الجهد والفعل المقاوم العراقي الذي
كان يصب كل طاقاته وقدراته صوب المحتل مشتت وموزع على العديد من الجبهات والأهداف، فأصبح المقاوم العراقي يقاتل على عدة جبهات مما أدي لتراجعه وتوزيع جهده وفعله وقدراته . وتحول النهر ليصب في أكثر من مجري .

أدرك المحتل الأمريكي حجم المأزق الذي يواجهه أمام المقاومة العراقية ، وأدرك أن المقاتل العراقي يحقق انتصارات سريعة وفعالة ويفرض سيطرته على الأرض وهو ما أحدث ضغوطات على الجبهة الداخلية الأمريكية ، وعلى الساحة الدولية التي بدأت تضغط علي الولايات المتحدة للانسحاب من العراق والاعتراف بمقاومته ، فبدأت تخطط لهزيمة المقاومة وإضعافها وتشتيت جهدها .

وهذا ما فعلته فعلا بعد معركة الفلوجة التي شكلت ملحمة بطولية وأصبحت قبلة للمقاومة .

بدأت الحرب تأخذ منحى أخر حيث تعددت الجبهات التي يقاتل عليها المقاوم العراقي ، ولم تعد هناك جبهة وحيدة وهي المحتل ، بل أصبح المقاتل العراقي محاصر من داخله ، ووجد نفسه يغرق في التصدي ومجابهة حربا طائفية تستهدف تمزيق البناء الاجتماعي والجغرافي للعراق ، وتستهدف البندقية المقاومة ، كذلك أصبح المقاتل العراقي أمام المليشيات
والعصابات المسلحة التي اتخذت أسماء وذرائع عديدة لمواجهة البندقية المقاتلة ، هذه العصابات التي تنفذ أجندة المحتل وعملائه وبعض القوي الإقليمية المتضررة من المقاومة العراقية الشريفة ، كما أدي انتشار العصابات واللصوص وعمليات القتل والخطف وجمع الخاوات لفقدان العراقي لثقته بنفسه وقدراته ، وأصبح غير قادر على التمييز بين البندقية المقاتلة والبندقية اللصوصية ، وتاه المواطن العراقي بين الوطن والحياة ، مما افقد المقاومة لأهم مخزون استراتيجي لها وهو المخزون البشري الذي أصبح يهرب من العراق بالملايين ، ومن تبقي فقد الكثير من ثقته بنفسه وبالبندقية التي لم يعد يؤمن لها ، وأصبح العراقي لا يريد سوي العيش بعدما تملكه اليأس والتعب مما يري ويشاهد من قتل وجثث بالشوارع ومفخخات بالأسواق ، وخطف علي الهوية، ومداهمة المنازل وقتله ، واغتصاب نسائه .

أمام هذه الجبهات لا بد وأن تتراجع المقاومة العراقية بفعلها وأدائها ، فلا يمكن أن تعبر أربع بحار وتصل إلي البر بكامل قواك ، فإما أن تقذفك أمواج البحار جثة هامدة، أو أن تصل خائر القوي ، منهك غير قادر علي المواجهة ، وهذا ما يحدث للمقاتل العراقي الذي يجابه ويواجه العديد من الأعداء ، ويقاتل علي جبهات عديدة فإن وصل لهدفه الاستراتيجي وهو المحتل يكون قد استنفذ قواه وقدراته ، وأصبح غير قادر على المواجهة وهو ما سعي له المحتل ونفذه .

نعم نتمكن من تشخيص الأسباب والأمراض ووضع اليد على المسببات ، ولكن هل نستطيع العلاج؟! باعتقادي وبعيدا عن الأحلام الوردية ، والمنطق الأفلاطوني بالمدينة الفاضلة يسهل نعم التشخيص ، ولكن من الصعب العلاج في ظل الحالة التي يعيشها العراق حالياً، حيث أن المسببات والأمراض هي نتاج بيئة داخلية ، جعلت من أرض المعركة تربة لينة تغوص بها أقدام المقاتل ، بعدما كانت تربة متماسكة صلبة يستطيع الارتكاز عليها والمواجهة بصلابة .

فأي مخططات أو برامج للمقاومة العراقية فإن نسبة نجاحها سيكون محدود في ظل الحرب التي تعيش بأجوائها ، والفعل المعاكس للعديد من القوي التي تستهدف مقاومة العراق، وهذه القوي تمتلك من الإمكانيات والقدرات ما يفوق إمكانيات وقدرات المقاومة بعشرات المرات، فالمقاومة العراقية لا تواجه مليشيات وعصابات داخلية فقط فهي تواجه قوي إقليمية وعربية ليس من مصلحتها استمرار المقاومة العراقية ونجاحها ، فالمقاومة العراقية هي ضد مصالح بلدان النفط العربي ، وضد مصالح الأقطار العربية المحتضنة للقواعد الأمريكية وجند الاحتلال وقواعده ، وهي ضد مصالح القوي الإقليمية التي
تريد أن تثأر من العراق وتريده واهن ضعيف مقسم سياسياً ، وجغرافياً .

هذه الجبهات التي يقاتل ضدها المقاتل العراقي شتت تركيزه وأهدافه ، وأضعفت فعله المقاوم الذي كان يصب ضد الاحتلال فقط ، وأصبح يقاتل علي كل الجبهات وأهمها الجبهة الداخلية التي تتمثل بموافقة الأكراد على تقسيم العراق وفي ذات الوقت تمثل رأس الهرم القيادي بالجمهورية العراقية ، يريدون وطن خاص بهم ، ويريدون السيطرة علي الشعب العراقي بأكمله ، تناقض صارخ فاضح ضد مصلحة العراق العليا ، وكذلك القوي التي وجدت بتقسيم البترول العراقي والمحاصصة كنوز تملئ كروشها المنتفخة بآهاتة العراقيين، وكذلك المواطن العراقي الذي أصبح ضحية لمذهبية عمياء وطائفية بلهاء تحرق الأرض والمواطن والوطن بجاهليتها .

العديد من الأمور والقضايا المعقدة التي يواجهها الشعب العراقي ومقاومته ، وهي ما مثلت حبل المشنقة الملفوف علي رقبته لا يستطيع الحراك منه ، وهو ما أحدث التراجع الخطير في الفعل المقاوم للمقاومة العراقية ، وجعل المحتل في حصونه بعيدا عن متناول البندقية العراقية .

فبعيداً عن أحلامنا وأمانينا ، والشطحات الخيالية إن ما أصاب المقاومة العراقية هو نتاج حرباً ضروس فتحت نيرانها ضد العراق سواء من قوي داخلية أو عربية أو إقليمية تحركها الأصابع الاحتلاليه ، فلا يوجد في المنطقة من له مصلحة باستمرار المقاومة العراقية، لأن مصلحتها بقاء العراق واهن ضعيف مجزأ ، سياسيا ، واقتصادياً ، وجغرافياً .

أما المقاومة العراقية فهي تائه لا تجد من يمد يد العون لها ، تعتمد على نفسها وقدراتها الذاتية في مواجهة تكالب الأعداء عليها ، سواء على الصعيد الداخلي أوالخارجي ، ورغم ذلك لا زالت تتمسك بثباتها وتحقق إنجازات أهمها المحافظة على
هويتها وبندقيتها والثبات في الميدان .

فالمقاومة العراقية تسير إلي المجهول ، هذا المجهول الذي صنعته الفوضي الخلاقة التي نمثل نحن أهم أدواتها ، ونوفر لها النجاح والتفوق.

وعلى المواطن العراقي خاصة والعربي عامة أن يدرك أن سقوط البندقية العراقية المقاتلة هو نتاج فعل التخلف والغباء الذي أصبح يمثل قرآنا نؤمن به ، ونخشي أن نتحرر من براثنه.

ورغم ذلك لا زلنا نؤمن أن النصر آت ...


15/10/2007





صورة سامي الأخرس