المسرحي المغربي عباس إبراهيم :تطور المسرح المغربي، تحكمه الإرادة السياسية أولا..

المسرحي المغربي عباس إبراهيم:
تطور المسرح المغربي،
تحكمه الإرادة السياسية أولا..

حوار: عبد الجبار خمران


المسرحي عباس ابراهيم واحد من الوجوه المسرحية المغربية التي ظهرت في سنوات كان فيها المسرح المغربي يعرف الكثير من التحديات..وهو يرى في مهنة المسرح أجمل المهن في هدا الكون رغم كل المعوقات..إنه داكرة حافلة بالأحداث والعناوين والتواريخ والشخصيات..مند احترف المسرح - وأسس رفقة عدو امبارك وعبد اللطيف الدشراوي فرقة "القناع الصغير" التي داع صيتها بداية السبعينات- لم يوقفه عن ممارسته المسرحية- في السنوات الأخيرة - إلا المرض..وحتى العملية الجراحية التي أجراها لزرع الرئة مؤخرا، فلكي يتنفس هواء ومسرحا نقيين، وليعود لممارسته المسرحية بالتحديد، ولجمهوره الخاص، الدي يعرفه ويعرف مسرحه، فعباس ابراهيم من رجال المسرح الدين يختارون نوعية مسرحهم، ليختارون ضمنيا جمهورهم..
قدم رفقة "محترف الفن المسرحي"- الدي أسسه مبدئيا لأجل تكوين الممثل- العديد من الأعمال المسرحية والتي قدم بعضها على الشاشة الصغيرة للقناتين الأولى والثانية..
من أعماله المسرحية : "الصعود إلى المنحدرالرمادي"لأحمد جمعة من البحرين سنة 1985. "طاحت واجبرناها" 1986. و"غرباء" لعبدالكبير بنبيش1987. ومسرحية "المنزه" 1989؛عن "ثلاثية الإصطياف" لجولدوني . "اصدافت حمادي" و "صنادق العجب"1992 للطيب العلج . "أفريكا مهاجر" لعبدالكبير بنبيش والتي شارك بها في المهرجان التجريبي بالقاهرة 1996 . "سي التاقي" لعبدالصمد الكنفاوي؛عن "تارتوف" موليير. و"قصة فلان" 1999 . و"لا هنا لا لهيه" و "حنظلة غيت" لعبدالكبيربنبيش أيضا..
وأن نسمع عباس ابراهيم فنحن نفتح نافدة وزاوية نظر..لواحد من الجيل الوسط للممارسين المسرحيين المغاربة،اشتغل مع الجيل الأول ومع الجيل الجديد أيضا..مسرحي يجعل من المسرح مسألة ورؤيا شخصية، قد تختلف معه لكن لا شيء تآخده عليه..كما صرح له المخرج الفرنسي الكبير أنطوان فتيزبعد أن شاهده يلعب دور ياغو في مسرحية "عطيل"..
بمقهى "سارا برنار" قرب "مسرح المدينة" في ساحة "شاتلي" بباريس كان لقاؤنا وكان هدا الحوار..

- المسرحي عباس ايراهيم، دعنا نبدأ من البداية..لأسألك عن كيفية نشوء علاقتك بالمسرح وكيف كانت البدايات؟

+ بدايتي كانت بالمعهد الوطني للموسيقى والرقص والفن المسرحي بالرباط موسم 1961/1962 و عمري 17 سنة، إدن من الأول كانت بدايتي احترافية بمعنى ما، لم أمر بمسرح الهواة، وأنا سعيد لأنني لم أمر بمسرح الهواة، لأنه يترك بعض العادات وربما "العاهات" التمثيلية التي يصعب التخلص منها بسهولة، و من حسن الحظ أيضا أن أتعلم المسرح في بداياتي على أيدي أساتدة مهمين من أمثال الفنان "محمد سعيد عفيفي" والدي فتح وعيي على أهمية التعبير الجسدي في التمثيل، هناك أيضا الأستاد "فريد بنمبارك" والدي كان من أوائل المسرحيين المغاربة الدين اهتموا بفن الميم، ودلك راجع لدراسته بباريس بمدرسة "جاك لوكوك" المعروفة باهتمامها بالبعد الجسدي داخل العملية المسرحية..و"عبدالله شقرون" والفنان "الطيب العلج" ولن أنسى الأستاد "الهاشمي بن عمر"..واستمرت فترة التكوين مدة 5 سنوات لأن الدروس كانت مسائية فقط.. و كانت السنة الدراسية تتوج بمشاهد مختارة أو بعمل مسرحي تطبيقي يقدم أمام الجمهور، ما يسمى ب "امتحان الجمهور".. وأدكر أننا قدمنا مسرحية بسيطة عنوانها : "لي سيرور/ ماسحي الأحدية" باللهجة الدارجة لسعيد عفيفي، والتي كانت أول اتصال مباشر لي مع الجمهور، وكانت من أوائل الأعمال التي قدمت على خشبة مسرح محمد الخامس الحديث النشأة أنداك [ دُشن في مارس 1962]..من هنا لم أعد أفكر أن باستطاعتي أن أمارس أي مهنة أخرى غير المسرح..

- على الرغم من أن مزاولة مهنة المسرح ساعتها أصعب بكثير جدا، كان دلك نوعا من المغامرة أو"الجنون".. ولم تكن مهنة حتى ؟

+ بالفعل كان اختيارا جنونيا بل قل "عملية انتحارية".. كان رأس مال ممارسي المسرح أمثالي هو حبهم للمسرح، فعلى سبيل المثال: فريد بنمبارك أنفق ما يملك من إرثه كاملا على دراسته للمسرح بفرنسا.. كان رجلا يحب المسرح بشكل جنوني، يمارسه ويدرسه بهم رجل المسرح الواعي بدوره، وبدور المسرح داخل مجتمعه. واستطاع بالفعل أن ينقل لنا - نحن طلبته - حبه هدا للمسرح. يمكن أن أقول: بدون فريد بنمبارك لم أكن لأستمر بممارسة المسرح - بالشكل الدي أمارسه- فمعه تعلمنا تقنيات المسرح وتعلمنا معها معنى التضحية، ومعنى ارتباط المسرح بقضايا الناس.

- بعد سنوات التكوين ستأتي فكرة تأسيس فرقة مسرحية سيكون لأعمالها الصدى الكبير لدى الجمهور المغربي وبين المهتمين بالشأن المسرحي، وستثير الكثير من الجدل..ما الظروف الحقيقية لتأسيس فرقة " القناع الصغير" ؟


+ جاءت فكرة تكوين فرقة مسرحية، فكانت "فرقة القناع الصغير" سنة 1969. والنواة المؤسسة للفرقة هم : عباس ابراهيم ،عدُو مبارك والدي ابتعد عن المسرح في السبعينات ، وعبداللطيف الدشراوي مخرج "فرقة مسرح محمد الخامس" حاليا..
وطلبنا في البداية من الطيب العلج الإشتغال معنا، ولكي تضم الفرقة أسماء محترفة استدعى احمد العماري وعزيز موهوب ومليكة العمري فابتدأت التداريب على مسرحية "الناعورة" للطيب العلج.. لنفاجأ بعد ثلاث أسابيع من بداية التداريب بتغيب الثلاثة المحترفين، والسبب، أنهم لا يريدون المغامرة بأسمائهم مع مبتدئين، فقلنا لطيب العلج: لا مشكل هدا اختيارهم وهم أحرار، ليفاجئنا العلج بأنه هو أيضا لا يمكنه الإستمرار معنا، فخرجنا نحن الثلاثة المؤسسين بفكرة الإشتغال بمسرح الطفل.. بعد أربعة أشهر، عقد اجتماع بالوزارة المكلفة بالشؤون الثقافية والتعليم الأصيل برئاسة محمد الفاسي وزير الدولة المكلف، ليعلن هدا الأخير عن تكوين فرقة مسرحية للناشئين اسمها "القناع الصغير"، وقد أُخبر بوجود الفرقة عن طريق مدير المسرح أنداك..والدي طلبنا منه تبني الفرقة من قبل لكنه رفض، مع العلم أن مسرح محمد الخامس لم يكن يتوفر على أي فرقة..ولما سمع بأن أحد الإداريين قد يتبنى المشروع اضطر لأن يجد لنا حلا، والحل هو: استغلال المدخول المالي "لمقهى " المسرح، وبالتالي عدم المساس بميزانية المسرح، واستطعنا بالفعل تمويل عروضنا المسرحية من خلال اشرافنا على "مقهى" المسرح الوطني محمد الخامس..هنا سنطلب من الطيب العلج الإشتغال مع الفرقة- ولن يرفض هده المرة- من خلال اقتباس مسرحية "جلابة الأبهة" عن"المعطف" لنيكولاي غوغول، والتي أعدت في زمن قياسي ،اشتغلنا ليل نهار لتقديم العرض..ومنعت المسرحية..ولمدة ثلاث سنوات فقط وضعت "القناع الصغير" في مصاف الفرق الكبرى في المغرب.. فالفرقة حملت على عاتقها بلورة مسرح جديد، مرتبط بقضايا المجتمع المغربي..ومن أول المسرحيات التي قدمتها الفرقة، مسرحية "القنبلة"المقتبسة عن "قنبلة زاباطو" للمسرحي البلجيكي "أرتور فوكيز"..سنة بعدها سنقدم عرض للأطفال"أجيو تلعبوا معانا" والدي قدم بمناسبة عيد ميلاد الأمير سيدي محمد أنداك وبحظوره شخصيا بإفران، كانت تضمك الفرقة العديد من الممثلين كمحمد الرزين وثريا جبران وزيرة الشؤون الثقافة الحالية وفاطمة بيجادي والممثل محمد الجم فيما بعد، بل ستتعامل الفرقة سنة 1970 مع مخرج شاب أنداك من خلال مسرحية "السلاحف" وهو المخرج المعروف الآن نبيل الحلو، و منعت هده المسرحية أيضا من إكمال جولتها..ثم مسرحية "الحكيم قنقون" مع الطيب العلج عن "كنوك " لجون رومان، فمسرحية "قاضي الحلقة" التي ارتبط فيها العلج بعقد لإنجاز المسرحية. والتي منعت أيضا.. تم لجأنا للعمل الجماعي من خلال "الباب المسدود".. لتقبر الفرقة بعد عرضها الأخير "الكروسة" في مهرجان "شالة" أواخر 1973.

- هل ترى بان مسرح عباس ابراهيم امتداد دائم للتصور الدي حكم فرقة "القناع الصغير" وبالتالي سبب دلك نوع من الحصار وربما الإقصاء حتى من طرف المنابر الإعلامية؟

+ حوصر مسرح عباس ابراهيم وحورب مند "القناع الصغير"، ووضع اسمي بالقائمة السوداء لدى المسؤولين.. ولم يكن حل الفرقة بناء على رغبة عناصرها كما قيل، بل كانت هناك إرادة رسمية في إقبار الفرقة وتهميش مؤسسيها..نظرا للمواضيع التي تطرحها ولجرأتها في تناول قضايا المجتمع المغربي.. واكثر من هدا كتب الناقد المرحوم علي الهواري مقالا بصحيفة وطنية معروفة حول مسرحية "لا اهنا لا لهيه" سنة 2001..لينشر المقال مبتورا.. مند أن بدا الحديث عن المخرج عباس ابراهيم..

- بعد مسارك مع "القناع الصغير" جاءت الهجرة لفرنسا لإكمال الدراسة ثم العودة للوطن من أجل خلق محترف للتكوين المسرحي.. كيف تنظر لمشروع التكوين المسرحي في المغرب من خلال تجربتك بهدا المحترف، ومن خلال مؤسسة المعهد العالي للفن المسرحي، التي درست بها لمدة ثلاثة أشهر فقط؟


+ التحقت أولا بالمعهد الوطني للموسيقى والرقص بالرباط كمدرس مساعد رفقة فريد بن مبارك لمدة لم تتعدى أربعة أشهر، فيما بعد جاءت المنحة لأدرس في باريس سنة 1974.التي اقترحها علي محمد الصفريوي مدير قسم الفنون آنداك..قبلت المنحة لإيماني الشديد بضرورة التكوين والتكوين المستمر..والتحقت بالمدرسة العليا للفن المسرحي بباريس ثم المعهد الوطني "كنسرفاتوار".. التجربة أضافت لي الثقة في الدات، إضافة إلى أنها منحتني فرصة أساسية للتفكير- ولأول مرة- بشكل جدي في الإخراج..حيث قدمت بالمعهد "عطيل" شيكسبير و"الأب" لستراندبورغ وغيرها من الأعمال العالمية..حتى أن أنطوان فتيز قال بعد أن شاهدني أشخص " ياغو": "ليس لدي ما أقوله لك..لكني لست متفقا معك".. وأنطوان فتيز مخرج كبير وقتداك معروف..كان أول من فتح وعيي على منهج ستانسلافسكي..وكان أيضا كما هو "جون بيير ميكائيل"..وفي نهاية السنة تقام أيام المعهد ويحضرها المخرجون والمهتمون بالمسرح والسينما والتلفزيون..وهده الأيام منحتني فرصة أن أختار للمشاركة في سلسلة تلفزيونية بالقناة الفرنسية الأولى "الدقائق الخمس الأخيرة" بعدها شاركت في فيلم تلفزيوني لنفس القناة "حرية،حرية".
أما بخصوص مشروع التكوين المسرحي بالمغرب..تم إلغاء قسم التكوين المسرحي من المعهد الوطني للموسيقى والرقص بالرباط سنة 1974 - كان مديره آنداك الموسيقي أحمد عواطف- والدي كنت أريد أن أكمل به مهمتي كمدرس بعد عودتي من باريس.
وأدكرأنه قبل احداث المعهد العالي للفن المسرحي، كانت هناك فكرتين: الأولى تقول بالإكتفاء مرحليا بمعاهد جهوية وإرسال بعثات من الممارسين للتكوين لأكاديمي،وعندما تتوفر الأطر والكفاءة البشرية، ساعتها يفتح معهد عالي، وأدكر أن احد المكلفين بهدا الملف وهوعزيز السغروشني مدير مسرح محمد الخامس آنداك كان ضد فتح المعهد في هده الظروف.. والفكرة الأخرى والتي تبنتها الوزارة الوصية وهي : فتح معهد عالي للفن المسرحي "والسلام".. بما يتوفر عليه من إمكانيات، بدون محترفين أو مهنيين في مختلف التخصصات المراد تدريسها بهده المدرسة، التي حملت على عاتقها تكوين أطر في مختلف المهن المسرحية.

- المعهد الآن وبعد أكثر من عقدين من الزمن، استفاد الكثير، وتجاوز العديد من العقبات، وحرك البركة الراكدة في المشهد المسرحي المغربي بضخ دماء ووجوه جديدة..لدينا ممثلين وسينوغرافيين وفرق إلخ..؟


+ يؤسفني ويؤلمني أنني لم أكن أتمنى هدا المسار للمعهد وهو في بداياته، أنا مغربي وأحب بلدي وأحب الخير والتقدم لهدا البلد وللميدان الدي أمارسه وأغار عليه..أعتبر الإدارة الأولى للمعهد العالي كانت لها أخطاء..فقد وُظف بالمعهد جامعيين - تابعوا دراسات مسرحية/ أدبية بالجامعة- ليدرسوا مواد تطبيقية..هل المعهد فرع من الجامعة؟..المعهد لم يعطي كل ما كان منتظرا منه، ولم يستطع أن يبلور مفهوما جديدا لمسرح آخر، كما صرح مديره الأول أحمد البدري في خطاباته، ناهيك على أن الخريجين/الممثلين ضائعين،لأنهم لايجدون مخرجين حقيقيين ملمين بإدارة الممثل، خاصة عندما تتوفر فيهم الطاقة التمثيلية اللازمة..اشتغلت مع البعض منهم في الساحة المسرحية وفي السينما وبأعمال عالمية بورززات.. وأنا لا يمكن إلا أن أكن الإحترام والتقدير لجرأة الخريجين في اختيار هدا الميدان وخوض مغامراته رغم العوائق والصعوبات..ما انتقده هو أنه لا يمكن ان يكون لنا بالمغرب هدا الكم الهائل من المخرجين المسرحيين: يقوم أحدهم بالإخراج ليقرر آخر من نفس مجموعته المسرحية أن يمارس الإخراج أيضا، فقط لكي يتقاضى أجرا كصاحب فرقة أو لأخد الدعم أو شيء من هدا القبيل..علامة المسرح الحقيقية هي الجمهور..لا يمكن الإدعاء بأن لدينا مسرح، والجمهور يحضر بالدعوات..
التكوين ولا شيء غير التكوين، المعهد عليه أن يلعب دوره الحقيقي في تكوين المشخص، وعندما تطول التجربة ويحصل التراكم ونتمكن من الأدوات والقواعد المؤهلة لممارسة الإخراج، فلنمارس الإخراج..
وفكرة التكوين كانت هاجسي الأول،عند خلق محترف للتكوين المسرحي، الدي سألتني عنه..اقترح علي مدير المسرح آنداك أن نجعل الورشة التابعة للمسرح الوطني محمد الخامس امتدادا ل"مركز الثقافة المسرحية" الدي كان قد أنشأه ولم يستمر، لكنني التزمت على أن نضع عنوانا فرعيا بين قوسين:"تكوين الممثل"..إن شرط تطور المسرح والدراما والسينما و التلفزيون هو الرهان على تكوين الممثل..للأسف المشتغلين بالمسرح المغربي، لا يفهمون عمق المسرح..وأنا قرأت لأحد "كبار مسرحيينا" أنه لا يعترف باللعب المسرحي، هدا الكلام ضمنيا يلغي الممثل..في حين أن جوهر العمل المسرحي هو "اللعب"،بالمعنى الدرامي للكلمة..

- دعنا نستمر في نفس الإتجاه لنتحدث عما أعقب المعهد، ولو بعد حين، من فكرة
لإنشاء صندوق الدعم وكدا مشروع الفرق الجهوية.. كيف تقيم المبادرتين؟

+ فكرة صندوق الدعم إجابية كمشروع، وبكل المعايير، لكن العلة في التطبيق جاءت المبادرة مع المثقف والشاعر محمد الأشعري كوزير للشؤون الثقافية والدي نحترم شخصه ومبادرته، لكن ثقافته ودرايته بالشأن المسرحي بسيطة- وأعتقد- أنه لم يشاهد يوما مسرحية لعباس ابراهيم مثلا..ولجنة الدعم : تقيم العمل إداريا أكثر منه فنيا.. دون أي اعتبار لتاريخ صاحب المشروع المسرحي المرشح للدعم..كيف أقدم دعما لشخص لم يقدم عملا مسرحيا أبدا؟ وأحرم شخص له تاريخ وأعماله أمامنا في الساحة المسرحية؟ كيف نفسر عدم استمرارية جل الفرق التي أخدت الدعم؟ صندوق الدعم مال عام يجب أن يصرف في المكان المناسب..الدين شملهم الدعم مند 1999 أين هم الآن؟ يقدمون عملا مسرحيا واحدا وانتهى الأمر.. حتى القلة لم تستمر بشكل موسمي..لا وجود لفرقة محترفة ضمن لها الدعم،أو ضمنت هي لنفسها بعد الدعم، أن تشتغل بشكل موسمي..بل الكثير من الفرق المدعومة لا تقدم حتى العروض العشرة المطلوبة منها..أين المتابعة والمحاسبة؟
حتى التصور للفرق الجهوية - وانا لا أخفيك سرا- لا أفهم كيف نضع على رأس فرقة مسرحية جهوية شخصا ممثل بالأساس ..لم يبدأ ممارسته المسرحية حتى سن40 سنة..وكنت شخصيا وراء تصور كيفية تسيير الفرقة الجهوية واستبعدت من المشروع..يجب أن يعلم الجميع أنه لتطور المسرح المغربي لابد لرجاله الحقيقيين أن يأخدوا بزمام أموره..ورجال المسرح المغربي هم الدين يثبتون كفاءتهم ويخلقون جمهورهم داخل مشهد مسرحي يسيطر عليه مسرح إستهلاكي من جهة، ومسرح تجاوزه الجمهور المغربي من جهة أخرى..

- على دكر المشهد المسرحي.. كيف هي حالة ووضعية المسرح المغربي الآن؟

+ على الجميع: ممارسين ومسؤولين أن يتأملوا كثيرا، ويفكروا في الموضوع بجدية..لأجل أن يكون لنا مسرح يستقطب الجمهور بجميع فئاته..ولا يمكن الوصول لدلك ولتطوير مهنة المسرح إلا بإرادة سياسية على مستوى عالي..وأن لا نفعل بالمسرح ما فعل بالسينما المغربية،أي أن نخلق الوهم بالرواج والإشتغال والإنتاجات،في حين هناك سكون.. وتفتح الأبواب لمن هب ودب..قد يقول قائل: الكم يخلق الكيف ، متى سيخلق هدا الكيف؟ وهل لنا قاعدة لاستقبال الكم؟..الإخراج السينمائي يبرهن عليه بالأعمال السينمائية أي الأفلام، وأن يتوفر شرط الكفاءة..وليس كل من أنجز ثلاثة أفلام قصيرة - كيفما كانت- فهو مخرج سينمائي..وليس كل من أخرج مسرحية فهو مخرج مسرحي..وإلا سيحكمنا التصور الهاوي للممارسة المسرحية..

- وأنت تشير إلى التصور الهاوي..ودكرت أيضا أنك سعيد لأنك لم تمر بالمسرح الهاوي في بداية حديثنا..ألا ترى بأن مسرح الهواة في المغرب وفي فترة معينة كانت تجاربه متميزة على المسرح الإحترافي، بل أفرزت وبلور نظريات للممارسة بل واتجاهات كالمسرح الإحتفالي والدي كان له تأثيره في العالم العربي والمسرح الثالث إلخ ؟

+ شخصيا أحترم عبدالكريم برشيد، كمؤلف له نصوص مهمة، وكنت قد طلبت منه نص "عنتر في المرايا المكسرة" لإخراجه..هدا على مستوى الكتابة والنصوص، أما التنظير فلا أرى في المسرح الإحتفالي إلا سطوا على أصالة المسرح العالمي ..المسرح بدأ احتفالا، مرتبطا بالطقوس الدينية.. لايمكننا اختراع الشيء مرتين..جل التنظيرات المسرحية في عالمنا العربي تدعي أشياء ليست في ملكها، كما أني لم أرى يوما عملا مسرحيا فيه احتفالية كما ينظر لها عند الإحتفاليين، ولم يستمر كمسرح على فرض أنه وجد،أين هو الآن؟
و التنظير للمدارس والإتجاهات في كل الفنون عالميا يبدا بالرسم والمختصين يرون فيه جديدا تم تنساق وراءه الفنون الأخرى..هكدا هي الكلاسيكية والطبيعية والتعبيرية والتكعيبية والسريالية..لنحاول أن نمارس المسرح بقواعده..وعندما يترسخ كممارسة وتتطور ممارساتنا المسرحية، فليكن لنا مبدعين ومنظرين بإمكانهم تعقب بوادر نشوء اتجاه ومدرسة ..التجربة أولا ثم التنظير ثانيا وليس العكس.. وشخصيا 80 في المائة من أعمالي استفدت فيها من مبادىء أساسية ثلاث في "الحلقة" كشكل فرجوي - أولا الحلايقي/الراوي كمكون أساسي - ثانيا انعدام الكواليس بالحلقة: كل شيء يجري أمام الجمهور - ثالثا تقمص عدة ادوار.. والباقي ثانوي.والأشكال الفرجوية ليست بأشكال مسرحية..لا علاقة لها بالمسرح كما عرفناه،وكما انتقل إلينا كمجتمع عربي..
المسرح في أصله ولدته حاجة روحانية مرتبطة بالآلهة..أما هده الأشكال التي يسمونها "قبل مسرحية " ولدتها في الأساس الحاجة والعوز والرغبة في كسب القوت اليومي..يمكن الإستفادة منها وتناول عناصرها الدرامية مسرحيا، لكنها هي في داتها ليست بمسرح.


أجرى الحوار عبدالجبار خمران
صورة عبدالجبار خمران