الكندرة




الكندرة
مجدي السماك



ليس من السهل على أي وجه آدمي ألا يضحك ويكركر من الضحك فور أن يرى قدمي خالد الغريبتين.. مهما كان هذا الوجه جادا أو صارما، حتى لو كان صاحب هذا الوجه موغلا في التزمت ومتماد في الوقار.. سيضحك حتى لو رآهما في كل لحظة. اعتاد أهل الحارة على رؤية قدمي خالد الكبيرتين المفلطحتين، دائما مفروشتين على الأرض وتشغلان مساحة واسعة من أي مكان يقف أو يمشي عليه. ولا بد أن يضحك الإنسان للنكات والتعليقات التي تقذفها الأفواه بلذة وتتلقفها الآذان بمتعة.. صبية الحارة يطلقونها والرجال.. أحيانا النساء يطلقنها مستلذات بها. وما أسرع انتشار النكتة كسرعة انتشار أغنية فيديو كليب جديدة..
- قدماك تصلحان لتسوية الشوارع غير المسفلتة.
- أعطني قدميك لأهجم بهما على إسرائيل.
- الشلوت من قدمك يفسخ الإنسان إلى فلقتين.
- كل قدم منها مثل الحوت، لا لا .. مثل سمكة القرش.
 البعض يبالغ في كبرهما بقصد التفكه ويقول أن طولهما يصل إلى ثمانين من السنتيمترات، لكن في الحقيقة بالكاد يصل طول كل قدم إلى أربعين من السنتيمترات.. يبرز على جانب كل قدم درنات شبيهة برؤوس الفئران، ومشط القدم منفوخ مقوّس كالسلحفاة، فيبدو قدمه كحبة بطاطا مزرّعة بالغة الكبر بما نبت بها من أدران. إلى درجة أن زوجة خالد دائما تضحك ويستطعم وجهها الضحك ويرتخي بعذوبة مسخسخة كأنها تراهما لأول مرة في حياتها، رغم أنها تزوجته من خمسة عشر عاما وأنجبت منه تسعة أولاد، ما بين ذكور وإناث.. تقف باهتة بوجهها الرائق المحمر، وشعرها المسّرح قد تدلت منه خصلة على وجهها ولامست طرف أنفها الدقيق.. تنظر وتطيل التحديق إليهما في الأقل خمس مرات في اليوم، حين يتوضأ ويغسلهما مستهلكا من الماء إبريق ونصف الإبريق لكل قدم، على حين أن نصف إبريق يكفي لوضوء كامل لأي إنسان، مهما كان حجمه كبيرا ومهما بالغ في حرصه على صحة ودقة وضوئه.. وعلى أكثر تعديل ثلاثة أرباع إبريق إذا بالغ في النظافة وصب الماء دون حساب.. كثيرا ما كانت نكاتها تخفف من وطأة النكد بينهما والجو المكهرب،عندما ينشأ نقار أو مشاحنة سخيفة لأمر تافه، كأن تنسى تمليح الطعام.
هذا كله لا يشكل أي مشكلة لخالد.. بل أحيانا كان يشارك في الضحك واختلاق النكات ويستحلي المبالغة في وصف قدميه.. إنما المشكلة حدثت له أثناء صلاة الظهر يوم الجمعة في الجامع.. كان المصلون متلاصقين على خط مستقيم لا اعوجاج فيه، كأنه مرسوم بالقلم والمسطرة، بجانب بعضهم متراصون بلا أي فراغ أو فرجة، كأن يدا قوية لعملاق ضخم أمسكت الجامع ودكته حتى تراصت به الأجساد، أجساد مؤمنة خاشعة إلى الله متضرعة تحمل رؤوسا مطأطئة لا تفكر بشيء سوى الثواب والعقاب، الجنة والنار، صغائر الحرام وكبائره مقرون بالتوبة.
في البداية كان صمتا مهيبا جليلا، حافلا بالرهبة والخوف، صمت لا يجرؤ أحد على خدشه حتى لو بهمسة أو نحنحة أو كحة. الصوت الوحيد الذي تجرأ ليكسر شوكة الصمت ويمزقه مطيحا برهبته هو صوت الإمام حين بدأ خطبته المرصعة بالتلاوة واتبعها بالصلاة بعد الأذان.. وبالكاد استطاع من يجلس أو يصلي قرب خالد أن يحبس الضحكات في صدره لمنظر قدميه.. ضحكات كتمها يوجع الصدور ويثقل تنفسها، وإخراجها يفسد الصلاة ويكسر الهيبة المتجلية في المكان وقداسته.
لأول مرة في حياته جلس خالد في الصف الأول خلف الإمام مباشرة، ليس رغبة منه في ثواب زائد رغم قوة إيمانه، ربما هي الصدفة أو القدر الذي ساقه وألقى به إلى هذا الصف المرغوب من الجميع، وهيهات له النظر إلى الوراء ليرى حذاءه الذي يضعه في مكان محدد له كما اعتاد من سنين بجوار الباب قرب العتبة في الخارج، كأن هذا المكان بالذات قد اشتراه وسجله باسمه، وكثيرا ما يحصل معه مناكفات و مهاترات كلامية، تصل إلى حد الزعق والهبهبة أحيانا إذا وجد شخصا غيره وضع حذاءه في نفس المكان.. وهو يخشى إذا عقص رقبته ونظر إلى الوراء صوب الحذاء أن ينظر الناس مثله ويحدث بلبلة وينال إثمهم..أو أن يرمقه احدهم ويرميه بنظرات صارمة موبخة مستنكرة. ومن الاستحالة أن تخترق نظراته أجساد المصلين المتلاصقة بإحكام.. أو تخترق العمود الرخامي الثخين المستدير الذي يسند إليه ظهره، هو عمود ناعم وأملس ضايق خالد عندما حاول أن يحك به تنميل في ظهره لا تصل إليه يده، فالعمود خال من أي زاوية أو بروز يصلح للهرش والّحك.
تعود خالد أن يقف في الصف الأخير، كي يحاول اختلاس نظرة إلى حذائه للاطمئنان على وجوده في مكانه، ومجرد وجوده في آخر صف قرب العتبة بمثابة حارس أمين لحذائه كما خيال الحقل، فتملأ الطمأنينة قلبه.. هذا الحذاء بمثابة الخيط الرفيع الدقيق الذي يفصل ما بين الفقر وما بين تحت الفقر.. ما إن انتهت الصلاة حتى تبعثرت الأجساد مختلطة، وفقدت استقامتها وترتيبها مضطربة على إيقاع الهمسات والهمهمة والنحنحات التي أخذت بالانسياب والتداخل في حركة متصلة كطيور ترفرف تبحث عن فضاء. حرك خالد جسده الطويل، جدا طويل ربما مترين، ودسه بين الأجساد آخذا طريقه إلى العتبة في الخارج، يعيقه تكاثف الأجساد حوله وازدحامها، راح يزاحم حتى انقطع زرين من أعلى قميصه، فبان شعر صدره الكثيف الملفوف على بعضه كالأحراش، وبان طرف البلوزة الداخلية التي بها ثقوب أكثر مما بها من قماش.. يميل رأسه جانبا كي يرى طريقه بعينه الوحيدة، بالأحرى هي نصف عين يرى بها نصف رؤية، بالكاد يستطيع فتحها نصف فتحة، لكنها تفي بالغرض على أية حال.. أما العين الأخرى فقد فقدت قدرتها على الرؤية من سنين طوال، وهي مغلقة يتوسطها شق واسع داكن، لونه رمادي يشعر المرء أنها مرقعة بقطعة قماش صغيرة، أو أن عنكبوتا استوطنها وعشش.
وصل خالد إلى الخارج.. إلى العتبة.. لم يجد الحذاء. جال بنصف بصره إلى المكان يحدق بين الأحذية المترامية بعشوائية ولم يعثر عليه.. أحذية كثيرة لو صفت بشكل عمودي لوصلت إلى سطح القمر.. أخذته الدهشة كأنه لا يصدق نصف عينه.. لا يصدق أن الحذاء اختفى بقدرة قادر.. حذاء شكله مميز يستطيع معرفته حتى لو كان مدسوسا بين مليون حذاء، مميز بكبره والجبال التي برزت منه متخذة شكل قدميه، وزيادة بالحرص والتأكيد علمه بكتابة أول حرف من اسمه وهو حرف الخاء على جانب كل فردة.. كتبه بمناكير أخته التي مات زوجها بالسكري وترك لها خمسة أطفال وحمار كان يعمل عليه عربجي. امتزجت أحزان الناس مع ضحكاتهم، غمغمتهم مع شفقتهم.. في البدء ظن خالد أن أحدا يمازحه، لكنه تأكد أن الحذاء قد سرق حين اقترب موعد آذان العصر.. فكر أن يعود إلى البيت كي يتدبر الأمر برواق وهدوء على فنجان قهوة، لكنه تذكر أن آخر تلقيمة خلصت من يومين.. لكن من الذي سرق الحذاء؟ لا يقين لديه. كل ما يملكه هو الشك.. مجرد شك.. وأمام الشك تهزم اعتى الحقائق، مهما كانت عارية، هو يشك بصبي حرامي سرق آله تسجيل خربة قبل سنة من أحد باعة الخردة في السوق، لكن الصبي تاب وبطل السرقة، وصار يصلي، وإن كانت صلاته غير متواصلة، يصلي مرة ويمتنع مرات.. ليس مهما الآن من هو السارق! المهم أين الحذاء وكيف يحصل على حذاء بديل.. هذه مهمة من ثامن المستحيلات تحقيقها في ظل الحصار، كثيرا ما كان يلف ويدور محلات قطاع غزة بحثا عن حذاء يناسب مقاس قدميه، وفي كل مرة يعود بلا حذاء منغص المزاج، لكثرة المشاحنات مع أصحاب المحلات، الذين كانوا يضجرون منه عندما ينزلون عن الرفوف كل أحذيتهم ليجربها خالد، ثم يعيدوها بترتب مرة ثانية حين ييأسوا من العثور على مقاس مناسب لقدميه. ومهنة تفصيل الأحذية قد انقرضت تقريبا، الأحذية تباع جاهزة ومعظمها صناعة صينية.. العجوز الوحيد الذي أنقذه آخر مرة قد مات بالفشل الكلوي.. هذا العجوز الذي صنع بعبقرية خبرته الحذاء المفقود بزوج من الحقائب النسائية القديمة، فصلها بمهارته الخبيرة إلى حذاء على مقاس قدمي خالد.. أو هو غيّر شكل كل حقيبة وحوّرها ليجعل منها فردة حذاء، فليس بالإمكان غير ذلك، النماذج الخشبية لديه كلها لا تفي بمقاس قدميه، وإن كان قد استعان بها لصنع الحذاء.
لكن ماذا يفعل الآن وغزة محاصرة وخالية من أي مواد أولية. مشاكل كثيرة تترتب على سرقة الحذاء. عبر الشارع إلى الناحية الأخرى، في مواجهة الجامع، حيث نسمات الهواء تداعب جبينه الأسمر الخشن، شعر ببرودتها تحت إبطيه إثر تبخر  العرق، وقد بدأت تنشف بقع العرق التي تبلل قميصه. اسند ظهره إلى حائط بهت لونه. مد يده إلى الجيب الجانبي للبنطلون، واخرج لفافة بها نصف سيجارة مطفأة، عزمها عليه جاره في الصباح واحتفظ بنصفها، أشعلها بعود ثقاب، امسك طرف العود وتركه يشتعل وأخذ ينظر إليه حتى تفحم كله ولسع أصابعه.. صار يمص مبسم السيجارة دون أن ينفث دخانها من صدره، إنما فتح فمه على آخره وترك الدخان يخرج من تلقاء نفسه، ويتصاعد في الهواء كأنه يتصاعد من مدخنة فرن أو عادم سيارة، ففي جوفه كومة حطب تشتعل.. كل تفكيره ينصب على الوسيلة التي سيقابل بها خطيب ابنته عند زيارته لهم، وامتد تصوره إلى يوم الزواج نفسه.. لا حذاء لديه وقد اقترب موعد الزفاف.. زفاف ابنته التي يحبها كما يحب نفسه، يحبها أكثر من بقية أبنائه، لا أحد يعرف السبب، ربما لأنها تبرعت له بالنقود التي جمعتها يوم العيد لصنع الحذاء المسروق، كان يوميا يفتح علبة صغيرة بلاستيكية بها فتافيت نقود معدنية، يعدّها عدة مرات في اليوم، وفي كل مرة يخطئ العدّ ويعيد العدّ من جديد، وكثيرا ما كانت تساعده ابنته في عدها على قلتها، حتى الأوراق النقدية الثلاث، كل ورقة فئة الدينار الواحد كان يمسكها بين يديه، ثم يثبتها بين السبابة والوسطى، ويرطب إبهام اليد الأخرى بلسانه ويبدأ عدّها، ويفركها جيدا..كأنه ينتظر أن تتكاثر وتزيد من تلقاء نفسها،أو تنقسم تلقائيا كما البكتيريا. فيصاب بنكسة عندما يراها كما هي، وقيمتها الشرائية تقل مع مرور الوقت وارتفاع الأسعار.
مد رجليه. حدق إلى قدميه، الشقوق بها تكفي لابتلاع كومة من حبات القمح أو الشعير، شقوق تظهر من بعيد ومن قريب تظهر. رفع بصره بعينه الوحيدة إلى السماء، سماء يتوقع أن ينشق بها ثقب ليسقط عليه منه الحذاء المسروق.. بات يتمنى أن تمطر السماء أحذية كي يختار منها ما يريد.. لم تكن نظراته مجرد أمنيات ورغبات، إنما كانت استغاثات، رجاءات، توسلات. كثيرا ما كان يحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، على الجوع يحمده،على الفقر يحمده، والفقر مكروه، الآن هو تحت خط الفقر، أسفل خط المكروه، في أكره المكروه،هل سيحمد الله على اكره المكروه؟ هل اكره المكروه مكروها مثل أي مكروه؟ لا اعلم! لكني اعلم انه رجل قوي الشكيمة والإيمان، واعلم أنه لا يسمع عن الفقر كبقية الناس في الروايات والقصص، ولا يشاهده في الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، بل إن الفقر ينخر عظامه ويهرسها، ويتخذ له من ضلوعه مستقرا.. يحس خالد بمخالب الفقر وأنيابه مع كل زفرة وشهقة، مع كل خطوة ووقفة،مع كل ضحك وبكاء.
راح يفكر في طريقة يقصر بها قدميه، ويصغرهما كي تصبحان لطيفتين دقيقتين مثل أقدام الناس، ويفكر في كيفية التخلص مما نبت بهما من ملحقات.. فهو قد سمع بعمليات التجميل للمغنيات المنعمات والأغنياء. تصور إمكانية قص أصابع كل قدم إلى النصف، مع كشط الزائد عند كل عقب.. ولا بد من قص الفائض عن الحاجة من الجوانب، والقبة فوق مشط القدم لا بد من نسفها، مع بعض الحف والصنفرة من هنا وهناك. قطع عليه أحلام يقظته صوت المؤذن ينادي لصلاة العصر.. توجه إلى الجامع، وقف عند العتبة ناسيا نفسه وهمّ أن يخلع الحذاء.
في طريقه إلى البيت أخذ يردد بصوت عال: إذا أراد العريس ابنتي ليتزوجها فهي موجودة عندي، وإذا أراد الحذاء فليذهب ليبحث عنه.
Magdi_samak@yahoo.com





صورة مجدي السماك

التعليقات (3)

ا.مجدي
جذبتنى القصة في البداية وتخيلت انها ستشدنى لما هو اعمق
لكن اندهشت جدا عندما وصلت لمنتصف النص لافاجأ بمكان النص وهو قطاع غزة
ورغم استغرابى وعدنى المكان باحالات كثيرة لم اجد حتى ما يقاربها
ثم ما هو معنى كلمة الكندرة تلك التى عنونت بها نصك وكيف لم تشر اليها في النص ذاته ولم تشر الى معناها حتى في الهامش وكأنها كلمة متداولة ومعروفة
اما نهاية النص فقد جاءت مخيبة لآمالى جدا فأحسست كأن النص مكتوب للكتابة فقط يفتقر الى العمق وينقصه كثير من الجاذبية .
اسفة ان كان رايي قاسيا بعض الشئ لكنه في النهاية مجرد رأى قد يصيب وقد يخطئ
خالص التقدير
صورة سلمي عمارة
الاخت سلمى عمارة..تحياتي
تشرفت بمرورك
احترم رأيك جدا..لكنني اختلف معه جدا
هذه طريقتي في الكتابة ولن اغيرها
اشكرك مرة اخرى
خالص الود
صورة مجدي السماك