الفلوجه ... القنابل الجماعيه




الفلوجه ... القنابل الجماعيه
فلاح شاكر




للأمانة التاريخية
هذه المسرحية : كان سقوط بغداد ... ولا أعنيها كمدينه ... فهي لا تسقط ولكن كهزيمة في حرب مجنونه غير متكافئة ... ولكن ليس بسهولة أن تدخلها قوات الاحتلال ... وكأنها متنزه في شيكاغو ... كان الذهول ... والصدمة يهيمن على كل شيء ... ليس لأننا نريد صدام ولكن أن نحتّل وينكسر الجندي العراقي بعد فرار قادته كانت خيبه مؤلمه... وحدثت معركة الفلوجه الأولى ... وكانت بحق معركة مقاومه مع قوات الاحتلال ... لهذا اصطف الجميع مع المقاتلين وكانت قوافل المساعدات تمتد من البصرة والنجف والموصل وكركوك ... الخ وكانت أعادة الاعتبار وصارت المعركة الدفاع عن العراق وليس عن النظام بعد أن تبخر ... وفي خضم المعركة كتبت هذه المسرحية وطبعت منها ألف نسخه وكتبت توزع مجانا ... وقد ملأني فخرا إن المسرحية دخلت الفلوجه وقرأها بعض المقاتلين ... و الآن بعد كل هذه السنوات وقد اختلط جرح المقاتل العراقي النبيل بمن هب ودب من التكفيريين وعميان الدنيا والدين ... وقد سرقوا شرف المقاومة وأخذوا ... استغفر الله .. دور الرب في التحريم والتجريم ... وأحيانا بالتواطيء المكشوف مع قوات الاحتلال ... وأنا شاهد على هذا ... انكسرنا كلنا كالفلوجه والنجف ... وأعطينا للمحتل العذر الشرعي الذي زرعه بالشراكة مع التكفيريين بان العراق أعراق ... من اجل المقاومة الباسلة التي يصطف حولها كل العراقيين ... ولأن كل عراقي حقيقي مقاوم بطريقته ... لا يشّرع ويشهر قرأنه الخاص ليقتل أخيه ... بل يقف أمامه ليقيه الرصاص انشر هذه المسرحية حنينا الخوالي ... التي حضرت النجف في الفلوجه ... وسكنت فلوجة كل العراق ... مثلما سكنها العراقي الحر

.................................................. .................................................. .....................

المشهـد الأول

[[ المكان أحد أحياء الفلوجة المكتظة بالجرحى والقتلى والوحيد المعافى هو أبو حميد الذي يدور وسطهم مدهوشاً وكأنه لا يدرك معنى الذي حصل وهو في الأساس مختل عقلياً يتقدّم الى احد الجرحى ( عبد الله ) ]] ..

أبو حميد ببلاهة : لماذا فعلت بنفسك هذا .. الدم حرام ..
عبد الله : هات أيّة قطعة قماش ولفّ بها جرح رجلي حتى ينقطع النزف
أبو حميد : ولماذا يسيل من قدمك الدم
عبد الله بألم ونفاذ صبر : هات قطعة القماش ولفـّها حول جرحي وسأجيبك فيما بعد
أبو حميد : تقولون عني مخبول ولكني أعرف أكثر مما تعرفون .. أنّ الدم لا يسفك إلاّ على شرف .. فما الذي فعلته أختك يا عبد الله
عبد الله يصرخ بألم : هات قطعة قماش أو إذهب عني
أبو حميد : سأجلبها لك لكن لا تداري الفضيحة بزواج سرّي .. إن أصابوك اليوم فعليك أن تقتلهم غداً
[[ يذهب الى أحد الجرحى الذي يكاد يغمى عليه ويحاول أن يقتطع من قميصه قطعة قماش فيصرخ الجريح سالم فيجفل أبو حميد ]]

أبو حميد : حسبتك ميتاً أو لا تتألم فأنت يا سالم لا أخت لك ومَنْ لا أخت له لا يخاف العار
سالم بألم شديد : آه يا لله ما الذي عليّ أن أفعله حتى أقنع ( أبو حميد ) إنّ أختي دجلة
أبو حميد : دجلة ؟! أكيد هربت الى بغداد .. إذاً كانت لك أخت ولم نكن نعرف
سالم : هات قطعة قماش وشدّ جرح يدي وبعدها ..
أبو حميد : كلّ الذين نقول .. أو يقولون عنهم شباب .. وعاقلون .. ينزفون .. ويطلبون أقمشة لوقف نزيفهم .. المدينة ملأى بالعرسان وليس أيّ عرسان .. أظنّ أنهم أولاد شيوخ فإطلاقات النار إتـّصلت بين السماء والأرض .. لهذا أنتم مهجورون بالعار والنزف
سالم وهو يكاد يغمى عليه : بحقّ حياة حميد إإتني بقطعة قماش
أبو حميد : أردت من قميصك قطعة قماش لساق عبد الله والآن سأذهب إليه لأجلب من قميصه قطعة قماش لـ ….
سالم بألم رهيب : أبو حميد أتوسل اليك إستعد بعض عقلك فالوطن في محنة
أبو حميد : وأين المحنة والكل في عرس .. حتى وهم يدفنون موتاهم إختاروا لهم مساكن جديدة .. وكأنّ المقبرة القديمة ما عادت تليق بهم … المدينة صارت ملعونة .. لا أفهمها .. حتى المستشفى فيها أعراس وإطلاق رصاص
سالم بألم : دعني أموت .. لا أريد منك شيئاً
أبو حميد : وستموت حتى لو وقف نزفك مادامت أختك دجلة قد هربت …

[[ يدور حائراً في المكان وسط أنين الجرحى .. يسمع صوتاً متميّزاً بالنسبة إليه فيهرع نحوه فيستمرّ مدهوشاً ومتألماً فيرى حميد مصاباً ]]

أبو حميد : حميد ليس لك أخت فلماذا تنزف
حميد بألم : لأنـّك أبي .. أنا المجروح هنا
أبو حميد بدهشة : ولكني لست إمرأة ولم أفعل ما يشين الى العشيرة .. لماذا أنت هنا
حميد : أعرف قلبك أكبر من عقلك فداوني والإخوان بما تستطيع ..
أبو حميد : كلكم تريدون قماشاً لجرحكم
حميد : ضماداً يوقف النزيف
أبو حميد : أنت تراني لا أرتدي غير السروال فهل أخلعه
حميد : لا يا أبي .. يكفنا فضيحة إحتلالهم
أبو حميد : أيـّة عشيرة هاجمتنا .. ولم ..
حميد : أبي .. أتوسّـل إليك .. الى قلبك .. أنظر الى هذه السارية
أبو حميد يأخذ وضع الإستعداد : إنـّه .. إنـّه علم العراق
حميد : مزّقـه يا أبي
أبو حميد : أيـّها الكلب المجنون .. أتطلب منـّي هذا وأنا كنت
حميد بألم : دعك ممـّا كنته .. الآن .. مزّقـه يا أبي ووزّعه ضماداً على جروحنا
أبو حميد : لكنـّه علـَمَـنا
حميد : نحن نموت يا أبي وسيرفرف على جروحنا فقد خذله الهواء
أبو حميد بعصبية : أيـّها الكلب .. إنـّه سيبقى

[[ ينتبه الى أنّ حميد أغمي عليه يتجه الى سالم وعبد الله مرعوباً فيجد أنهما بالكاد يتنفسان .. يركض بإتجاه العلم ويمزقه ويبدأ بربط جروح المصابين والغريب أنه يبدأ بعبد الله ]]

عبد الله وهو يكاد يموت : لا فائدة يا أبو حميد يبدو أنني سأموت
ابو حميد : وما المشكلة كلـّنا سنموت .. ولكن سأداوي جرحك .. وأرجوك إذا متّ فقل لولدي شاكر نحن قادمون إليه .. فالزفاف في المقبرة يجعلني عاجزاً عن الوصول إليه .. يبدو أنهم ما عادوا يريدون مَنْ هو مثلي في أعراسهم
عبد الله وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة مبتسماً : ما أجمل أن أموت في أحضان من هو مثلك .. أوصيك بأمّي العمياء .. فأنا أعرف أنّ عطفك يفوق حتى إصرار بنادقنا
أبو حميد : أجـّل ميتتك وسأذهب وآتي بها إليك وقل لها ما تريد
عبد الله : ضمـّد غيري يا أبو حميد فأنا الآن في عيون أمّي ..

[[ يتركه ويذهب الى سالم الذي يشير إليه بإتجاه حميد ]]
أبو حميد : هل تحتاج منه شيء هل أساء إليك .. سوف أأدّبـه فنحن في كلّ الأحوال جيران أجداد وأحفاد
سالم : إذهب إليه وعالجه .. فقد يموت ..
أبو حميد : سيفعل ما عجزت عنه وسيلتقي شاكر في المقبرة
سالم بألم رهيب : إذهب إليه يا أبو حميد فأنا أحتاجه حيـّاً

[[ يسرع أبو حميد بإتجاه حميد يتفحـّصه فيجده ميتاً ]]

أبو حميد بذهول : كنت أريدك أن تلتقي بشاكر ولكن ليس الآن وبهذه السرعة .. إترك لنا شاكراً آخر في زواج المدينة قبل أن تذهب للقاء أخيك .. أنا الأولى .. بالزيارة .. فلماذا تودعني ولم تستودعني سرّ حتى مَنْ كنت تريد الزواج بها وما أسماء أولادك .. هل أسمّيهم أنا بعدك .. ولكن كيف يكون الزواج والأولاد إذا كنت قد ذهبت الى المقبرة

[[ يدخل حماد وهو يرتدي سروالاً عسكرياً فقط دون قميص ]]

حماد : أبو حميد .. ما الذي يحدث لأولادنا وعلمنا
أبو حميد : أنت الوحيد الذي أسمع كلامك وتقول أني عاقل المدينة .. ولكني أخشى أن أقول لك أني لا أصدقك فأنا مجنون المدينة كما يقول الجميع .. إن الأولاد يتزاورون سرّاً في المقابر .. وأنا غير مدعو الى إحتفالهم وآلامهم .. وليس في عيني دمعة واحدة فكيف أكون عاقل المدينة كما تقول

[[ حماد يتفحص المكان والجرحى .. فلا يجد سوى سالم على قيد الحياة ]]

حماد : ولماذا تبكي يا عاقل المدينة إذا كانت المدينة لا تلق أحبّـتها إلاّ بالموت ..
أبو حميد : لكنهم يطلقون الرصاص في المقبرة
حماد : إنهم ليسوا من أولادنا وعلينا أن نسكتهم فرصاصنا يقلق سورة الفاتحة ..
أبو حميد : ما الذي سنفعله الآن
حماد : دع الشهداء مثل حميد وعبد الله تختار لهم السماء مقبرتهم .. تعال وساعدني .. لنحمل في هذه السدية سالم ونطوف به في المدينة .. فربما .. فربما المستشفيات التي إحتـّـلوها .. تخجل من مكان وجودها .. وتدخل المدينة المحاصرة
أبو حميد : أنا أسمع كلامك في كلّ شيء .. لكني أعتقد الآن أنّـك مجنون .. فكيف لمستشفى أن تغادر مكانها حتى …
حماد : أطـع أيـّها الحارس الأمين وإجلب السدية ولنحمل سالم .. لأنّ المعجزات لا تقوم بها الطائرات فقط .. فسماء الله واسعة

قـطــــــع

المشهـــــد الثانـــــي

[[ أم عـبد الله وهـي عـميــــاء .. عـجــوز .. تــدور فـي الحــي بـحـثاً عـن إبـنــها وســـط أصـوات القـصــف والجـثـــث]]

أم عبد الله : إلهي .. أتوسلك قد آن لعيوني أن تترجل عن عماها وتبصر في أيّ مسجد لله يصلي عبد الله .. أو .. أو .. ( بألم ) هل أخذته رشاشات سمائهم .. لأني أعرفه قادراً على الثبات في الأرض .. أقسم .. أقسم يا ربّي .. إن عاد سالماً سأزوجه من إبنة حسوني .. نعم .. قد آلمته وإعترضت لأنها من عشيرة أخرى .. ولكن ما الذي يهمّ الآن إذا كانت المدينة كلـّها الساعة عشيرة واحدة عُـد يا عبدالله .. عبدالله (تصرخ) عبدالله هل تسمعني .. فإنّ عماي يشمّ سكوتك ..

[[ يدخل أبو حميد وحماد وهم يحملون سالم في سدية ]]

أبو حميد : إرتاحي يا أمّ عبدالله فقد إرتاح عبدالله (( يوخزه حماد فيسكت ))
أم عبدالله مرعوبة : أبو حميد .. ما الذي حدث لعبدالله
حماد : لا شيء يا أم سوى أنه يجاهد
أبو حميد : ولكنّ جهاده إنتهى لأنـّه

[[ حماد يسكته بعنف ]]

أم عبدالله مرعوبة : إنتهى .. لماذا .. ما الذي حدث لـه
حماد : قتل ما إستطاع وهو الآن في حي آخر من المدينة
أم عبدالله بيقين : أنت تكذب يا حماد
أبو حميد : إنـه لا يكذب بالتو رأيته ميتاً
أم عبدالله : بل قل شهيداً أيها المجنون ..
حماد : يا أماه .. كلنا أولا…..
أم عبدالله : الآن تفتحت بصيرتي .. فكلّ عيوني كانت في ظلام القلق عليه .. إنه الوحيد .. أحلفك بكلّ أيمانك .. هل كانت إصابته من الخلف
أبو حميد : بل في صدره
أم عبدالله : إذاً لم يكن هارباً بل ذاهباً الى الجنة
أبو حميد : وسيلتقي هناك شاكر وحميد أيضاً
أم عبدالله : وحميد أيضاً ؟ .. آن لي أن أبكي .. فليس عيناي من حديد .. حتى وإن أصابهما العمى ..
حماد : إبكي كما تشائين .. لدينا جريح وعلينا إنقاذه .. إنّ الدم لا تشفيه الدموع
أم عبدالله : والموتى لا تحييهم الدموع بل الصراخ

[[ تصرخ بوجع وكأنها ذئبة في صراخها الإنتقام أكثر من الآلام وإن إختلطا يجفل أبو حميد .. حماد يكاد يبكي .. يدخل حارث ومعه بعض الشباب ]]

حارث : أبو حميد خـذ أمّ عبدالله وإذهب بها الى بيتها وإنتظرنا في بيتك
أبو حميد : لا أجيب فأنت تعرف أنّي لا أسمع كلام أيّ أحد في هذه المدينة المجنونة غير حماد
حارث للشباب : خذوا سالم لأقرب خيمة علاج .. حماد أأمره فلديّ الكثير الذي أريد أن أقوله لك
حماد : ولكنه الحارس الأمين .. ثمّ لماذا يذهب الى بيته ..
حارث : أرجوك يا حماد .. الوضع خطير أأمره وبعدها ..
حماد : أبو حميد .. خـذ أمّ عبدالله الى بيتها وإنتظرني في بيتك
أبو حميد : ولـكــن ..
حماد : هذا أمر يا أبو حميد
أم عبدالله : قد تستطيع أن تأمره ولكن لا سلطة لك عليّ فالظلام لم يعد يسكن عيني بل يلفّ المدينة كلـّها .. كلّ المدينة بيتي يا أولادي ما دام عبدالله لـم يترجـّـل
أبو حميد : تعالي يا أمّ عبدالله .. ولا تخافي عليه فأنا متأكد من موته .. خافي علينا نحن الأحياء الذين لا نعرف لماذا يصبح ملعب المدينة مقبرة .. ما بالها المقبرة القديمة .. إنـّها أجمل .. وتضمّ أجدادنا .. ونحن ..

[[ يغيب صوته وهو يسحب أمّ عبدالله الى خارج المسرح ]]

حماد : أعطيته أمراً لم أقتنع به .. فما الذي يحدث يا حارث
حارث : لدينا أسير أمريكي
حماد : أسير أمريكـي ؟!
حارث : نعم .. قتلنا ما إستطعنا من دوريتهم وهربوا ووقع هو في أيدينا
حماد : ما تفعلونه عظيماً .. ولكنه لن يجعلني أعيد إرتداء قميصي .. ورتبتي
حارث : إفعل ما تشاء في الوقت الذي تريد فنحن الآن وسط الإبادة .. وليس وقت خيارات
حماد : ما الذي تريده مني إذاً
حارث : في كلّ الثورات العظيمة يوجد الخونة والجواسيس ..
حماد : عانيت الكثير منها
حارث : علينا أن نحتاط إذاً
حماد : هل تعرفون أحداً وتريدون مني أن ..
حارث بنفاذ صبر : لو كنـّا نعرف أحداً منهم هل كنـّا سننتظر مسدسك أو الإذن منك
حماد بغضب : ما الذي تريده إذاً
حارث : أبو حميد
حماد بغضب شديد : أشكّ بك وقد أقتلك بالشك الآن لو
حارث : لا تذهب بعيداً يا حماد .. الكل يعرف أنّ أبو حميد هو مجنون المدينة
حماد : بـل أعقلهم
حارث : قد يكون ما تراه صحيحاً ولكن ما الذي يـُـشاع في المدينة
حماد : يقولون عنه ذلك لأنّهم لا يفهمونه
حارث : هل هناك من سيشكّ لو خبـّأنا الأسير في بيت أبو حميد
حماد : ها أنت المجنون والناس يقولون عنك مجاهد و …
حارث : إسمع يا حماد الوقت يمضي سريعاً .. لو أرادوا أن يشنـّوا الآن غارة لتخليص أسيرهم فأين يتـّجهون
حماد بذهول : هذا آخر ما يمكن أن يفكروا فيه حتى لو كان الجاسوس أنا
حارث : وأعرف طاعته العمياء لك .. أأمره أن يحرسه وألاّ يغادر المنزل وألاّ يتحدث بما حصل
حماد : بالتو فقد إبنه .. ونحن نعرّضه وأمّ حماد للخطر
حارث : بالتو إستعدنا أبناءنا من المقابر حتى لا يكونوا ضحايا بل شهداء .. آن لك أن تعيد قميصك ورتبتك ..
حماد : ليس الآن .. ليس قبل أن أرى العراق كله وهو يحاول أن يلبس قميصه ويستعيد رتبته


قـطـــــــع

المشـهـــــد الثالــــــث

[[ أمّ عبدالله وهي تطوف لوحدها في أرجاء المدينة المخرّبـة .. مع أصوات القتال الذي يبدو قريباً حيناً وبعيداً حيناً آخر ]]

أم عبدالله : يا أهل الفلوجة الكرام .. إليكم هذا العفو العام .. عيوني متنازلة عن كلّ سنوات الدمع التي جلبت إليها كلّ أنواع الماء الأبيض والأسود بل حتى مُـنِعـَت من حج ماء زمزم .. عيوني تعفو عن ضوء عيونكم إذا أخبرتموني بصدق .. أنّ عبدالله مازال عبداً لله .. فإذا كان قد ترجـّـل فإلى السماء ولم يكن يلعب الكرة أو يقرأ القرآن والتعاويذ في أحد زوايا مدينة المساجد .. يا أهالي الفلوجة الكرام عفواً عام .. فقلبي لا زال يراكم .. لقد سرقوا منكم الكرة فبدأتم تلعبون بالرمانات اليدوية .. يا أهل الفلوجة الكرام .. عليّ اللعنة .. لماذا الثأر في صوتي أكثر من البكاء .. ألم أكن أحبـّه ( تجهـــش بالبكـــاء) والله أحبّـه حدّ أن أختار لـه الجنة بدلاً عني لو كان لي الخيار

[[ تـــزداد بكــــاءاً ]]


قـطــــــــع

المشـهـــــد الرابـــــع

[[ بيت أبو حميد .. بيت بائس،الأسير الأمريكي يتكوّر مرعوباً وهومقيّـد على أحد الكراسي ]]

أبو حميد : مهما حاولت .. ولو جاءتني قبائل العرب مجتمعة لن تخرج من هذه الدار الى أن يأمرني حماد
الأسير : سأعطيك دولارات كثيرة
أبو حميد : سمعت بهذا الإسم .. هل تعني نقوداً
الأسير : نعــم
[[ ينتفـض أبو حميد فيزداد رعب الأسير ]]
أبو حميد بالكاد يسيطر على نفسه : أترشيني أيّـها الـ .. لكنك في بيتي وإن لم تكن ضيفاً فإنّ الأسير يقرب الى الضيف
الأسير : أرجوك لا تعذبني أو تقتلني
أبو حميد : يبدو أنـّك مجنون عشيرتكم التي إحتلتنا .. لماذا أقتلك وأنت أسيري
الأسير : قالوا أنـّكم ستضرمون النار في أجسادنا إن وقعنا في أيديكم
أبو حميد : الجو ليس بارداً
الأسير برعب : ماذا تعني
أبو حميد : حتى أشعل لك المدفاة أم أنّـك بردان
الأسير : أنـا جائع
أبو حميد : أمّ حميد تعدّ لنا العشاء
الأسير : أرجو أن لا تغضب لكني أخاف أن أأكل لأنـّي أخشى أن يكون الطعام مسموماً
أبو حميد : قلت من أيـّة عشيرة أنت
الأسير : لا أفهم
أبو حميد : أقصد من أين أتيت الى الفلوجة
الأسير : من أمريكا
أبو حميد : هل هي بعيدة ؟
الأسير : بضعة أيام في طائرات فيها توقـّـف
أبو حميد : لا .. أقصد على الحصان .. أو بالسيارة
الأسير : مستحيل .. فنحن في قارة وأنتم في قارة أخرى هناك محيطات وبلدان ..
أبو حميد بدهشة : أقطعت كلّ هذه المسافة الى الفلوجة حتى يودعوك أسيراً وضيفاً في بيتي وأسممك
الأسير : إذاً لماذا تقتلون زملائي في الشوارع
أبو حميد بذهول : هل عندك أخت
الأسير : لا …
أبو حميد : إذاً لن تفهم لماذا نقتلكم …

قـطـــــــع
المشـهــــد الخامــــس

[[ ما يـشبــه القيــادة وإن كانــت الخـرائــب تـحيـــط بهـــا وهــي مـكشــوفة وفــي ذات الوقت هــي مسـتشـفـــى ميـدانـــي ]] .

حماد الى حارث : يحتاج الى الكثير من الدماء .. والمعـدّات هنا غير كافية .. يجب أن تحضر الطبابة العسكرية لنقل سالم
حارث بذهول : أنت تتغابى وإفعل ما تشاء وكوّن بنفسك طبابة عسكرية
حماد : أنت تخطيء .. لا معركة بدون طبابة عسكرية
حارث بإنزعاج : ولكن ليس هنالك في هذه المدينة إلاّ أجسادها يا حماد ورصاص روحها الخفيف المستعدّ للشهادة أمام أقوى دولة في العالم
حماد بتاثـّر : وأنت تخطيء في التوجيه .. إنـّهم يركـّزون على الحي العسكري والجولان ونزّال .. على الشباب أن يتسلـّلوا من حي المعلمين
حارث بفرح : حماد .. إرتدِ قميصك
حماد : ليس قبل أن أضمن ألاّ مرتدّ حين أرتديه

قـطـــــــع

المشـهـــد الســادس

[[ أبو حميد مع الأسير الذي فكّ وثاقه وجالس مع أبو حميد الحذر على مائدة طعام في الأرض وليس فيها سوى بعض الخبز والشوربة .. أبو حميد هو الباديء بالأكل ]]

أبو حميد : نحن لا نأكل قبل الضيف وبما أنـّك مجنون أمريكا وتخاف أن نسمّـمك فأنا أأكل قبلك
الأسير : أنا أعتذر لم أقصد .. فأنا لا أعرفكم جيداً
أبو حميد : وكيف تعرفني وأنا لو ركبت حصاني أو سيارة أجرة لإحتجت لأشهر للوصول إليكم

[[ الأسير يصلي إشارة الصليب قبل الأكل ]]

أبو حميد : ما الذي تفعله ؟
الأسير : أنا مسيحي وهذا ما يجب أن أفعله قبل كلّ وجبة
أبو حميد : جارتنا أم عامر مسيحية .. ولولا أنـّي لم أستأذن حماد لجلبت لك قرآنكم منها
الأسير بدهشة : مسيحية وإسمها أم عامر
أبو حميد : إحتللتمونا .. فهل تريدوا أن تغيـّروا أسماءنا أيضاً
الأسير : ولكن عامر .. أعرف المسيحي إسمه جون أو يوحنـّا .. أمـّا عامر ..
أبو حميد : سأشبع وأنت لا تعرف أصول العشائر فسأنهض وأتركك تأكل وحدك
الأسير : وما المشكلة في هذا
أبو حميد : المشكلة أنّ عليّ أن أنتهي من (( الزقنبوت )) معك حتى تنتهي أنت
الأسير : ولماذا ؟
أبو حميد : هذه هي الأصول .. حتى لا يشعر الضيف بالحرج إن أكل أكثر من اللازم
الأسير : هل تعني أنـّك حتى لو شبعت ستظلّ تأكل كذباً
أبو حميد : مجاملة ..
الأسير : حتى لا تحرجني ؟
أبو حميد : أخيراً مخبول أمريكا بـدأ يفهـم

[[ يتذوّق الأسير الأكل بحذر ويبدو عليه بعض الإشمئزاز ]]

الأسير : بصدق .. ودون أن تغضب إنّ أكلكم غير لذيذ
أبو حميد : كان بلـذة ثمار الجنة حتى نزع حماد قميصه
الأسير : حماد .. من حماد ؟
أبو حميد : العاقل الوحيد الذي جلب لي مجنون أمريكا في بيتي .. المدينة في حصار وأنت وإن كنت أسيراً فأنت ضيفي فأنا أعتذر لا يوجد في البيت غير هذا الطعام .. ولكن في الغد ربـّما أحاول ..
الأسير بذهول : تعتذر مني .. ؟! وأنت تشاركني ما هو بالكاد يكفيكم
أبو حميد : يا .. قضينا كلّ هذا الوقت وأنا لا أعرف إسمك
الأسير : لويس .. مانويل لويس
أبو حميد : مان .. .. ل … صعبة .. دعني أناديك بلويس
الأسير : وأنت ما إسمك
أبو حميد : أبو حميد … فسبحان الذي جمع أبو حميد بلويس في الفلوجة .. ويقولون الدنيا عاقلة وأنـا مجنون
الأسير برعب : أأنت مجنون أم إرهابي ؟..
أبو حميد : أنا أبو حميد الحارس الأمين لكل ما هو أمين .. لهذا أنا حارس حماد .. هيا يا لويس قد حان وقت النوم .. الباب مقفل بعشرة أبواب وبندقيتي جاهزة .. لا أريد تقييدك على الكرسي
الأسير : لن أحاول الهرب .. ولكن
أبو حميد : ملابسك متـّسخة وتحتاج الى نظيفاً تلبسه

[[ من أحد الزوايا يخرج دشداشة لحميد ]]

أبو حميد : إلبس دشداشة حميد وإرمي ملابسك هذه
الأسير : هذا أكثر ممـّا كنت أحلم به حين أسروني .. ( برعب ) ولكن هل حميد هنا في البيت
أبو حميد : لا .. فقد أستشهد قبل يومين
الأسير بذهول : هل تعني أننـا ..
أبو حميد : نعم .. رصاصات كثيرة أطلقتموها إخترقت قلبه الذي لم يعرف الزواج بعـد ..
أبو حميد بألم : لـو كنت تملك سلاحاً لقتلتك ألف مرة .. أما وإنـّك أسير في بيتي فلماذا أفعل ذلك

[[ قصف شديد يهـزّ البيت ، يصرخ الأسير مرعوباً ]]

أبو حميد يصرخ : يا أمّ حميد هل أنتِ بخير

[[ نسمع أمّ حميد وهي تتلو القرآن بصوت عذب لحظات فيهدأ القصف ]]

الأسير بين الرعب والذهول : أهكذا نحن نفعل بكم
أبو حميد : كأنـّك لا تدري
الأسير : أقسم لا .. لأنـّي لم أسمع صوت إطلاق دبابة دون أن أكون فيها أو في ملجأ حصين .. أمـّا في بيت مثل هذا .. فلا أعرف كيف لا يقتلكم الخوف قبل القذائف
أبو حميد : نحن نخاف قليلاً لأنّ بيتنا محصـّن
الأسير بذهول : بمـاذا ؟
أبو حميد : محصّن ببيت لنا في السماء إن هـُدم هذا البيت

[[ يعود صوت القصف وإن كان أقـلّ ]]

نسمع صوت أمّ حميد : يا الله ألا يخافونك .. يا أبوحميد إذهب وإبحث عن حميد
الأسير بشك : ألـم تقل لي أنّ حميد
أبو حميد : قد أخبر الجميع إلاّ هي
الأسير : لمـاذا .. مـن حقـّـها
أبو حميد : من حقي ألاّ تعرف فهي حتى الساعة لم تصدّق أنّ ولدنا شاكر الذي قتله دواء غير موجود مدفون في المقبرة .. فكيف سيتحمّـل قلبها تكذيب صدق موتين … لهذا أرجوك لا تخبرها أنذ حميد قد أستشهد .. هذا سرّ بيني وبينك
الأسير بذهول : وهل تعرف هي أنـّي أمريكي وأسير في بيتك

[[ يعود صوت قصف قوي ]]

قـطـــــع

المشـهـــد السـابــــع

[[ في ملعب المدينة حماد يعمل بجدّ وألم وهو يدفن أحد الأطفال ، يدخل حارث ]]

حارث : آن لك أن ترتدي قميصك العسكري فنحن نحتاج خبرتك
حماد : يا حارث .. لا أستطيع
حارث : حان الوقت الآن يا حماد
حماد : منذ التاسع من نيسان نزعت قميصي خجلاً من رتبتي .. وكدتُ أخلع بنطالي وأرتدي المدنية زيـّاً لولا أنـّهم أحلـّوا الجيش .. من هم حتى يصدروا لي الأوامر .. وهكذا كانت النارين .. الخجل من الرتبة والعصيان على قرارهم .. لهذا خلعت القميص وبقيت أرتدي البنطال والبسطال
حارث : ليس وقته الآن .. المعركة تكاد تصبح مجزرة …
حماد : لقد إعتزلت بيتي سنة كاملة .. ورغم المعركة لم أخرج إلاّ بعد أن سمعت صراخ النساء والأطفال … دعني في المقبرة وإذهب الى …
حارث : لو لم أعرفك لطعنت شجاعتك
حماد : بل أنا الذي قبل أن تفعل قطعت كلّ أوردة قلبي بوصف الجبن وهم إحتلـّوا بغداد وأنا لم أطلق رصاصة واحدة
حارث بغضب : تعرف كلّ الذي حصل .. كنت في الفلوجة .. والأمور تشابكت وإختلط الأهل والأعداء والأصدقاء .. الان لقد ولـّى الذهول .. فعلينا الآن وقد
حماد : هل إتـّضحت حقـّـاً ؟
حارث : يبدو أنّ صحبتك لأبو حميد جعلتك لا تقلّ جنوناً عنه .. إنـّهم يريدون وقف القتال على أن نسلـّمهم أولادنا الذين مثـّلوا بقتلاهم
حماد يصرخ برعب ويمسك حارث غاضباً : تسلـّمونهم أولادنا الذين
حارث : إهدأ .. هذا شرطهم
حماد بيأس : وطائراتهم هذه التي لا تمثـّـل بجثث الأطفال والنساء بل وصلت حتى الى أصابعهم الصغيرة فعبثت شضاياهم بأظافرها .. وتقول لي …
حارث : لهذا أقول أنّ عليك أن ترتدي
حماد بحزم : إسمع يا حارث .. إن كان أولادنا قد أخطأوا بدافع اليأس أو الظلم الذي تجاوز الحد .. فنحن الذين نحاسبهم .. وليس هم .. أعطني قاذفتك
حارث : إن كنتُ سأرتديها فعليّ أن أطلق ما أستطيع من الرصاص دفاعاً حتى لا يبدو القميص كبير عليّ


قـطــــــع

المـشهـــــد الثـامــــن

[[ بيت أبو حميد مع الأسير الذي يرتدي دشداشة حميد معطياً ظهره الى الجمهور .. أبو حميد ينظر الى الأسير بذهول فيركض بإتجاهه صارخاً ومعانقاً ]]

أبو حميد : حميد .. حميد .. متى عدت من موتك يا ولدي .. ها أنت سليماً وجميلاً مثل قلبك .. أه يا حميد .. كم إفتقدتك خلال هذه الأيام .. دعني أتأمّـلك أيـّها الولد العاق بأبيه

[[ يتأمّـل الأسير الذي يبدو مدهوشاً أكثر ممّا هو مرعوباً فجأة أبو حميد ينخرط في بكاء مرّ]]

الأسير بتردد : أنا أعتذر إن ..
أبو حميد بغضب : إذهب بعيداً عني .. فأنا لا أحبّ أن يراني أحد وأنا أبكي .. إذهب ..
الأسير بتعاطف : ولكن الدمع لا يخجل
أبو حميد بغضب شديد : إذهب هناك وإلاّ قتلتك

[[ بسرعة يعود ويسيطر على أعصابه ، يمسح دموعه ويعود الى هدوءه ]]

أبو حميد : لويس لدينا دجاجات يبدو أنّ الرعب من قصفكم أجهضها بيضاً .. فكيف تحبّه مسلوقاً أم …
الأسير : أتخيـّرون القاتل كيف يحب أن يكون طعامه
أبو حميد : قد تكون قاتلاً ولكنك الآن لست مقاتلاً .. عـُـد الى القتال وحينها سأخبرك أيـّة رصاصات ستدخل معدتك
الأسير : لن أعود الى مقاتلتكم .. أقسم ..
أبو حميد : مهما أقسمت فإنـّي لن أطلق سراحك وحتى لو أردت فالأمر ليس بيدي .. بل بسيدي حماد
الأسير : الوضع شديد التعقيد في النوايا .. لهذا لن تصدقني إذا قلت لك أنـّي أقسم بأنـّي لن أعود الى مقاتلتكم ليس من أجل إطلاق سراحي
أبو حميد : ذهبت عند أمّ عامر عند صلاة الفجر فوجدتها ذاهبة لدفن مريم صغيرتها .. فوجدت عند صغيرها كتابكم المقدس هذا ….

[[ يعطيه الكتاب المقدس الأسير يتناوله بمشاعر متضاربة ثمّ فجأة يسقط على الأرض باكياً ]]

أبو حميد : أنا أحترم بكاء الرجل الحر .. لهذا سأغادر الى غرفة أخرى
الأسير : بل أرجوك إنتظر .. أريدك شاهداً على أنـّي لست بالرجل الحرّ ..
أبو حميد : كيف .. ألا تستطيع إنجاب الأولاد ..
الأسير : بل أستطيع .. وأكثر مما تتصور .. ولكني لست رجلاً حرّاً .. بل أشعر أني رجل مخدوع
أبو حميد : هل خانتك زوجتك أو ..
الأسير : هل تستطيع إبلاغ أمـّي بما حدث وسيحدث لي
أبو حميد بدهشة : هل لك أم
الأسير بعدم فهم : ما الذي تقصده
أبو حميد : لك أم وسمحت لك أن تعبر كلّ هذه القارّات حتى تقتل أولادنا

[[ يعود الأسير الى البكاء ]]

أبو حميد : على العموم سأخبر حماد وهو الذي سيقرّر
الأسير : نيكول أيضاً
أبو حميد : أهـي زوجتك ؟!

[[ يريه صورة يبدو أنـّه كان يتأمّـلها منذ بداية المشهد ]]

الأسير : هذه هي .. وهذان جون وماريام أولادي
أبو حميد : سيكبرون ويتزوّجون وينجبون ويموتون وبالتأكيد ستكون عندهم مقبرة يُـدفنون فيها في بلادكم .. وستعرف أين يدفنون فلماذا أنت قلق .. على الأقل لهم قبرٌ تعرفه
الأسير : أنت تقتلني قتلاً بما تفعل .. أيّ جنون وحماقة إرتكبنا
أبو حميد : بزواجك من نيكول وغيابك عنها
الأسير : أنت تسأل حيث لا يتوقـّع القلب سؤال طعناتك .. أيّ عقل تملك
أبو حميد : ولماذا لا تقول أيّ قلب أملك يا بُـني
الأسير : بُـني .. هل تعنيها جادّاً أم أنـّها خرجت من خطأ لسان أو ..
أبو حميد : ترتدي ثياب إبني ولا عداء شخصي معك واعزل في بيتي وتقاسمني طعامي فما أقربك الى أن تكون ..
الأسير بألم شديد : هل تسمح لي أن أفعل شيئاً
أبو حميد بتأثـّر : إن كان لا يخرج عن شروط
الأسير بإهتياج : الى الجحيم بالشروط

[[ يحتضن أبو حميد وينخرط في البكاء أبو حميد يحتضنه بعطف مشوباً بالقلق وعدم الرغبة في أن يدع عواطفه تتجاوب معه دون أن يسيطر عليها ]] .



قـطـــــــع



المـشهــــد التاســـع

[[ بيت أبو حميد الذي يدخل ويتفاجأ بوجود الأسير ]]

أبو حميد بدهشة : أأنت لا زلت هنا
الأسير : وأين تريدني أن أذهب
أبو حميد : لا أظنّ أن الخوف جعلك غبياً الى هذا الحد
الأسير : لست غبياً .. وأعرف أنّك تركت كلّ أقفال البيت مفتوحة .. بل أنّك حتى تركت بعض النقود
أبو حميد بغضب : وأنا الذي لأوّل مرّة في حياتي أعصيت امر سيدي حماد .. فلماذا لم تهرب وتعفني من مشقـّة أن أقول أنـّي أطلقت سراحك
الأسير : واين أذهب يا أبو حميد إنّ بيتكم هزّ في داخلي كلّ الأركان التي إعتقدتها أسرتي وبلدي ..
أبو حميد : أنت جبان .. تخاف أن تهرب فتعرض على محكمة عسكرية او ..
الأسير : بل سيعطونني وساماً .. ويعملون عني أفلاماً .. كيف إستطعت النجاة منكم
أبو حميد بإنزعاج : إذاص لماذا لم تفعل
الأسير : لأني لا أستطيع أن أقاتلكم ثانية
ابو حميد : عـُد بطلاً الى بلدك ولا تعد الى مقاتلتنا
الأسير : لو فعلت فيجب أن أقول الحقيقة
أبو حميد : أيـّة حقيقة
الأسير : أتستجوبني أم من حقي أن احتفظ بها لنفسي
أبو حميد : يا ولدي ما أجبرتك على شيء وأنت أسير فكيف وأنت ترتدي دشداشة حميد ..
الأسير : أتعطيني إيـّاها أيـّها الأب أم ..
أبو حميد بإندفاع : لا تقل أب وإن كنت قد أحببت براءتك .. تعال في وقت آخر ليس فيه رصاص .. وستجد أن قلبي لا يفرّق بين ماريام ومريم .. تلك التي ذاهب الآن الى جمع أشلاءها المتبقية

[[ يخرج من بعض زوايا البيت بعض الدفاتر حتى يجد ورقة وقـلماً فيعطيه إيـّاها ويذهب متعـمّـداً أن يترك الباب مفتوحاً ]]

الأسير لوحده : أرجو أن تسامحني يا أبو حميد فقد خالفت أوامر حماد .. ولن تستطيع تسليمي إليه … أشكرك لأني قرأت الكتاب المقدس في بيتكم .. أنت لا تفهم .. حين أعطيتني فرصة للهروب فإنـّك منحتني فرصة جديدة أن أقاتل نفسي .. أعتذر منك .. ومن سيدك حماد

قـطـــــــع

المـشهـــد العاشــــر

[[ وسـط خرائـب أحـد أحيـاء المديـنــة ، حمـاد وأحـد الشبـاب يحـاول تضـمـيــد جـرح فــي يـده يـدخــل حــارث بقـلـــق ]]

حارث : تأكدت أنك بخير حين جرحت .. فبدون دماء لن تلبس قميصك
حماد : جرح بسيط … ولكنك أيـّها المخاتل تريدني أن أدخل الجنة قبلك
حارث : هذا لـي أم علـيّ
حماد : بـل لـنا كلـّـنا ..
حارث : ماذا سنـفعل للأطفال والنساء
حماد : هل لدينا خيارات لهم
حارث : إن جمعناهم تقصفهم الطائرات وإن تركناهم تبيدهم الدبابات
حماد : إذاً دعهم لله ولدعوات البعض وسكوت الكثيرين .. على أجسادنا أن تكون القفص للبلابل أطفالنا .. هذا خيارنا الوحيد
حارث : أرى أنك تريد قميصك العسكري
حماد : إن تأخّـرت أكثر سأخون سجادتي قبل رتبتي
حارث : ماذا تنتظر إذاً
حماد : وكيف أرتديها وهي عند حارسي الأمين أبو حميد
حارث : لنذهب الى هناك .. ولنعرف وضع الأسير أيضاً

[[ أمام باب بيت حماد أو وسط أحد الأحياء المدمّـرة القريبة .. أبو حميد يلتقي بحماد وحارث .. أبو حميد يأخذ التحية العسكرية لحماد ]]

حماد : لماذا تأخذ التحية أيـّها الحارس الأمين وانا لا أرتدي رتبتي
أبو حميد : جرح يدك يا سيدي هو قميصك
حارث بذهول : أقسم أنـّه ليس مجنون
حماد : كنـّا معاً .. وكان حارسي الأمين طوال عشرين عاماً من الدفاع عن عسكرية نكاد نفقدها
أبو حميد : فإذا نزع آمري رتبته .. ألا أكاد أجنّ
حارث : ولكنك نزعت قميصك وبقيت في سروالك وسط الشتاء والصيف .. وتتقول وتقول ما لا يُـعقـل ..
أبو حميد : ولكني كنت أصلـّي في الجامع
حارث : لم يرك أحد
أبو حميد : هل أحتاج لشهود أمام الله
حارث : أتريد أن تقنعني أنـّك عاقل ونحن المجا …
أبو حميد : حاشاكم .. أنا مجنون حتى يرتدي سيدي حماد رتبته
حماد : أين قميصي الآن أيـّها المراسل
أبو حميد : كلذ يوم أغسله وأكويه .. حتى أنـّي وضعت لك رتبة جديدة
حارث : أيـّها المخبول هل صرت وزيراً للدفاع في وزارة منحلـّة حتى تمنح الرتب كيف تشاء
أبو حميد : لا أيـّها المدني المتعسكر .. قبل ثلاثة أشهر حان وقت ترفيعه فإذا أحلـّوا الدفاع فهل نبخس حقّ إرتفاع رجالنا
حماد : أيـها المراسل نحن في قتال وانت في عواطف لا تليق بحارس أمين .. مخصوم من راتبك ثلاثة أيام
أبو حميد : أمرك سيدي .. رغم أنه ليس لديّ راتب
حارث : أيها اللعين هات بدلة حماد .. فقد آن الآوان أن يرتديها
أبو حميد : وكيف أجلبها .. وأنا نصف جندي
حماد : إلبس قميصك أيها الحارس المين قبل ان تاتني بالبدلة

[[ أبو حميـد ياخـذ وضـع الإستعداد ]]

أبو حميد : أمرك سيدي

قـطــــــع

المـشهــــد الأخيــــر

[[ هذا المشهد متوزّع المكان أو الأمكنة حسب قدرة المخرج .. يبدو في مركز الحدث الأسير الأمريكي وهو مشنوقاً وفي الجانب الآخر ما يشبه الإحتفال بإرتداء قميص أبو حميد أولاً ثمّ يقدّم قميص حماد بمهابة إليه ويرتديه فعلى المخرج أن يوزّع حوار لويس المسجّـل مع إرتداء حماد قميصه ]]

لويس : نيكول .. زوجتي الحبيبة .. جون .. ماريام .. أولادي .. إنـّهم لم يقتلونني ولم انتحر جبناً أو سوء معاملة .. لقد فهمت أنّ العالم كلـّه أمريكا بقوتها العظمى ولكنـّي هنا شعرت أنّ العالم كلـّـه … يعني كلـّه وليس نحن فقط … لم أشعر بالأمان إلاّ حين أسروني وأخذوا منـّي سلاحي .. إنّ العالم ليس قرية صغيرة بل كلب صغير …. فلماذا نقطع عنه الدم بالبحث عن النفط .. ولأنـّي لا أريد القتال هنا فعليّ القتال في أمريكا … دفاعاً عن حميد .. وهذا ما لـن يستطع أحد فهمه … أو بالأصحّ لستُ قادراً عليه … قبـّـلي الجميع .. بالمناسبة آخر قتيلة سمعت بها بجوار قبري كان إسمها ماريام …

[[ حماد يرتدي قميصه العسكري وأبو حميد في ملابس عسكرية كاملة وهو يقدمه له يزداد القصـف الشـديـــد … ]]


إنتهت بعونه تعالــى
13 نيسان 2004

صورة فلاح شاكر

التعليقات (5)

هل كنا حقاً يا فلاح قنابل جماعية ؟؟!! أتذكر كيف كتبت هذه المسرحية .. كانت المعركة قائمة وكنت تشعر بأنك يجب ان تكون أحد المقاتلين ولكن كيف وأنت في أوج وضعك الصحي السيء ؟ كنت تكتب المسرحية من هنا وأنا ازرق لك ابر الفولتارين لتستطيع الكتابة واكمال المسرحية كانت مسرحية كتبت بسرعة قياسية أربعة أيام فقط كنت تكتب المشهد وانا أطبع فوراً وآخرمشهد كان التكسي يقف على الباب وأنا أطبع بسرعة جداً لتذهب بالمسرحية للمطبعة لإنجاز المغلف وطبع النسخ .. كان قتال من نوع آخر .. .. هكذا نحن العراقيون سلاحنا لم يستطع ابداً الأمريكان انجاز سلاح مثله القلم والبندقية يعملان معاً لمقاومة الاحتلال ....
صورة نجاة كريم
كنا حينها نعرف اعداءنا والكل اندفع للقتال بما يستطيع ولكن الان بدون تشاؤم غاب الاعداء خلف الاهل والاشقاء يا للشقاء
صورة فلاح شاكر
خوف سوء الفهم فاهلنا العراق واشقائنا ليس المقصود هم المشاركين في ماساة ما يحدث بل الاحتلال يتخفى باسمائهم وبعض الماجورين منهم ولا ساحة قتال مثل العراق تتحمل التاويل وتبادل الاقنعه والادوار
صورة فلاح شاكر
كان لابد أن أعترف أن هنا و في هذا المتصفح وجدت فلسفة غرقت في كلماتها
لفترة زمنية استنتجت بعدها ... وجود جانب آخر من الحياة يتمثل فى اناس مثل
ابو حميد ... ترى سيدى لو ايقن كل جندى من جنود عدونا هذا الجانب ؟ ؟؟؟؟
هل سيرفعون كلهم الى منصة الاعدام .... ام سننعم نحن بوجود مكان ندفن فيه
ويكتب عليه هنا فلان ابن فلان ؟؟؟؟؟؟؟؟
وجودك استاذى الفاضل اكثر من رائع ... ومسرحيتك وان كانت منذ عامين إلا
انها ما زالت تحكى الواقع المؤلم الذى نعيشه .. ربما يأتى قريبا يوم الأفراج والأستقلال
ونقرأها كتراث لأديب عراقى عظيم  كتب مسرحيته ايام القهر والعذاب ... ربما
شكرى وتحياتى لك سيدى  
دعاء
صورة dodo_nomercy
كم انت رائع يا فلاح شاكر، رغم اني دائما مؤمن بمخيلتك ابداعية من يوما كانت كتبت دراسة عن نصك المسرحي العباءة و بعدها اخرجت ل دائرة فنون مسرحية اربيل للمسرح، الى كتاباتك الف رحلة و رحلة و في اعالي بحر الى عرس متوحش دائما اتمنى لك كل توفيق
نهاد جامى
فرقة مسرح التجريبي كركوك
nihadjami@hotmail.com
صورة نهاد