العالم الإفتراضي أو محنة القصيدة

 

سوف أبدأ بما طرحه جان بودريارد من مفهوم العالم الافتراضي ، أو العالم المتخيل ، قاصدا به عالم الإنترنت ، عالم التكنولوجيا الرقمية ، الذي بحد تعبيره في واحد من أهم كتبه وهو الكتاب "المحاكاة والتقليد" ، هو عالم أشد واقعية من الواقع ذاته . إنه آخر مراحل المحاكاة ، حيث انفصل العالم الافتراضي عن الواقع وغدا مستقلاً بذاته ، غدا متفرداً في واقعيته . عانياً بذلك أن الدقة في رسم العالم وتفاصيله توحي لك بأنك في العالم الواقعي ، لكنه عالم مصطنع وأشد واقعية من العالم الحقيقي . نستطيع أن نشعر بذلك حين نفكر في برامج المحادثة والألعاب الإليكترونية وأدوات المشاركة الجماعية على الإنترنت ، التي تتحول فيها عناصر الحياة الفعلية التي يتم محاكاتها إلى واقع فعلي معيش يفوق الواقع الأصلي في واقعيته أو خياليته ، بحسب نوعية الواقع المقلدة .
أدعي أن نفس النهج تمضب فيه قصائد الديوان الحالي ، أو بالأدق الغالبية منها ، حين تنشئ الذات الشاعرة واقعاً إفتراضياً متخيلاً ، وتعايشه مثلما تعايش واقعاً فعلياً مباشراً .
نرى ذلك في قصيدة "الإسطوانة اتكسرت" _ المعنونة بدالين يغطيان الديوان كله ، الدال الأول هو مؤشر على سيطرة الدوال الإليكترونية المتوزعة والمنتشرة على صفحات القصائد مثل الكيبورد والشاشة والصفحة ، الفتح والغلق ، الدخول والخروج ، الكود والشفرة ، الفوتوشوب وخلفية الصورة والشاتينج ، صفحة الخاص وشريط الحوار ، البروفايل والميديا بلاير والصفحة الرئيسية، بينما يدل الدال الثاني على الإنكسار الذي يؤشر بدوره على سيطرة وضعية الهزيمة بباقي الديوان _ إنما هي قصيدة تحول المتخيل ؛ إنتاج مسلسل لعلاقة بين طرفين ، إلى حقيقة واقعة يتم تسجيلها على أسطوانة ، ففعل الإنتاج هنا بحسب القصيدة خروج من العالم إلى عالم بديل :
بتفتح لنفسك عالم غير العالم بتاعك 

ثم بالتدريج يصبح الفعل الافتراضي _ فعل صنع المسلسل _ فعلاً يبْكى عليه وكأنه حقيقة :
تحاول تتخلص من المشهد وترميه في أي حتة 
أو تسجل عليه أي حاجة 
الأسطوانة تتكسر 
وتلاقي نفسك بتعيط 

كما يتكرر الحال ذاته في قصيدة " ضيقة نفس " المستفيدة من عالم الرسم الإليكتروني ، فالذات الشاعرة ترسم المحبوبة ، وتتحول بالتدريج إلى حضور فعلي إنها تحل كطيف إليكتروني أولاً ، إن صح التعبير ، بديلاً عن الطيف الشعري المجرد الذي اعتدنا عليه ، ثم تدريجيا يزول الحديث عن المحبوبة الفعلية ،وتوضع الصورة _ الواقع الافتراضي _ بديلاً عن الواقع الحقيقي /المحبوبة الفعلية .

وهو عين ما نراه في قصيدة "سيناوريو ناقص" ولكن الحالة الشعرية هنا مختلفة . فلسنا إزاء واقع افتراضي ، بل بالأدق حيال خيال افتراضي ، الحبيب يصبح بحراً ، والحبيبة مدينة ، ثم يسرد النص سيناريو علاقة البحر بالمدينة ، حتى يتحول الخيال المفترض إلى واقع يقص بلغة الواقعية ، خالية من صدمات الصور الشعرية ومتآلفة مع تقنية الحكي :
مشهد ما فهوش ولا جملة يرجع البحر فيه ويسيب 
آثار بسيطة جداً 
بس أما يرجع لوحده( كذا) 
الناس والسمك وكل حيتانك يا بحر 
حتى مشاعرك وأمواجك 
يسيبوك تغرق لوحدك 

كذا يتكرر الحال في قصيدة " وردة " ، ولكننا هنا إزاء أكثر القصائد نضجاً في هذا السبيل . فقد استفادت من شاعرية النثر ، حين الخلط بين مؤشر واقعي، وهو المنديل الورقي ، وآخر افتراضي ، وهو الوردة :
منديل ورق غرقان دم ومرمي في نص الطريق 
وما عرفشي مين بالظبط أقنعني إنه وردة 

وتتعامل الذات الشاعرة مع المنديل طوال القصيدة على أنه وردة حتى تكتشف كونها منديلا ورقياً:
أمد إيدي آخد الوردة بحنية مش متعود عليها
خالص 
يقع المنديل من إيدي 
افتراض الوردة بالقصيدة تعبير عن افتقاد الذات الشاعرة للدفء الإنساني وممارسته ، كما أن ورودها مختلطة بالمنديل المدمم دليل على أن ممارسة الحب تنطوي واقعيا على الألم ، إن عالم الحب الافتراضي ليس كعالمه الواقعي .

كذلك تعيد بعض قصائد الديوان استخدام ممارسات عالم الإنترنت مرة أخرى . وهي في ذلك حسب تصوري تتوازي مع ما يتم على أرض الواقع ؛ واقع الممارسة الإليكترونية ، من قيام المستهلكين لخدمات الإنترنت بإعادة انتاج خطاب التواصل المعلوماتي ، وتحويله بما يتناسب مع المطروح في سياق الخطاب العربي المرتبك . هكذا تشير قصيدة " شاتينج " إلى واحدة من ممارسات التواصل الرقمي ، إذ يضحى هذا النظام الجماعي أو الفردي للحوار نظاماً للعب والخداع والإيقاع بالآخر ، وهو ما يتعارض مع طروحات نظريات الإتصال ، من أن الإنترنت نظام للتواصل والتفاعل المشترك . فتعيد القصيدة انتاج هذا التقليد وفق تقاليد الكتابة الشعرية ، حيث يكون الشعر نفسه واقعاً افتراضياً ، والشاعر هو الفارس ، والمحبوبة هي المنتظرة له ، وينتهي الحوار الافتراضي إلى القطيعة على غير ما هو مدعى حسب معطيات نظريات التواصل الثقافي .

في حين يحدث التواصل بشكل حميمي مخالف في منطقه لمنطق التواصل الإليكتروني ؛ منطـق المشاع مقابل منطق التملك الخاص ، إذ ليس هناك مفاهيم الداخل والخارج ، الذات والآخر ، لأن الآخر هنا داخل الذات ، يحيا فيها ، وتحيا به ، وهو ما يتكرر تباعاً في نص "روح" ونص " أنا الشرير بتاع الورد" . مثال ذلك قوله :
أقول دي أنانية منها إنها تقفل نورها عليا 
وبراها العتمة تمطر تلج .
أو قوله :
أخش ورودك أقطفها 
...
علشان ترضى أخش حروفك أسمعها وأعيش فيها 

هذا منطق يكسر ضمناً تقاليد النص الإليكتروني ، حين يكون حوارياً ، فمن الصعوبة بمكان الدخول إلى حيز الآخر وتغييره ، والأخذ منه ؛ بدعوى احترام الخصوصية .

وربما يمثل عالم الإنترنت والحاسوب عالم الزمنية المنضبطة ، عالم الخطية والحدود المصطنعة ، في حين يناور الديوان عبر عدد من القصائد ، هي "حق مشروع" ، و" وهم " ، و"إيه النظام" ، بالنص العرفاني ، نص الزمنية المنداحة ، فالبداية غير مؤقتة ، وكذلك النهاية ، وليس ثمة علامات ترقيم ، تكرس الحدود وتمترسها :
بـس انت قلبـك واكلك خالـص زي ما كان يتحرق دمك 
لمـا تسمـع صورة او وطنـي حبيبي والأهم من كل ده 
مـا تقـولش ايه اديتنـا مصـر وتعيشها بجـد وممكن 
تعيـط او تفــر منـك دمعـة وتحـس بكـل تاريخنـا 
وحجـارتنـا ومومياوتنـا اننـا فعلا بنشرب ونسكر لما 
تيجـي سيـرة مصـر بس مـش بنشرب في صحتها قد 
مـا بنشرب لصحتهـا ولسـه حقن المورفين والمسكنات 
بتـاخدها تحـت جلـدك من كل حتـة وكل شبر 

ومثلما يفترض الديوان بشكل مباشر ثنائية الواقع والواقع الإفتراضي ، يضع أمام أعيننا ، وبشكل غير مباشر ، حالة تعارض أخرى بين القصيدة الآنية ؛ قصيدة النثر ، والقصيدة المحتملة ، أمثل عليها على النحو التالي :

إذ يظل الولع بالآخر والتوق إليه هو الملمح المميز للديوان ، ذلك أن هذا الملمح هو المهيمن في قصائد التفعيلة . بينما تنقش قصيدة النثر استقلالية الفرد وقدرته على الإنفصال عن العالم وعدم حاجته له ، إذ ليس هنا ولع رومانتيكي ، ويردُّ ذلك إلى أنها حين خرجت إلى المجال الأدبي خرجت في إطار ثقافي وسياق معرفي وفلسفي فردي . تدلل قصيدة "قلب" على هذا الملمح. هي قصيدة تمثل الصراع المفترض مع قصيدة النثر التي تطرح معطياتها عبر الديوان . فالقصيدة تؤكد من جهة على نقائها وطهارتها من تهمة "التفلسف والنزعة الشكلية " ، كما تدعي قصائد النثر ، لكنها من طرف خفي تعول على الوفاء للآخر والتعلق به من زاوية أخرى .

ويظل هذا الهاجس من استغلال جماليات قصيدة النثر على غير نسقها القيمي لازما . فحالة الوفاء للآخر والتعلق به نجدها في قصيدة "شجرة جميز" . الآخر هنا شجرة جميز ، موطن الصبر والتضحية والحب والغيرية ، وهي قيم مثالية ، تتعارض مع عالم الإنترنت الإفتراضي ، وتؤصل لوحشية الإنسان وأنانيته :
اتحشت حش واتباعت لنجار طبالي 
كل ده عشان واخده مساحة كبيرة من الشارع 
ولا عشان يبنوا على الأرض 

وهو ما نلمحه أيضاً في قصيدة "حياة القصيدة" . القصيدة نثر تمثل حالة العجز عن تمثيل الهوية _ هوية الذات والآخر _ ، ويكون فعل الكتابة أكبر دليل على ذلك :
يعني لو كان باين قدام الناس 
كان ممكن يعتبر نفسه في امتحان ويخلي حد 
يغششه أفكار عن نفسه
ويقول أيضاً :
ومقدرش يرسمها بجد
حس بالعجز
وقرر في نفسه يسيب العجز بنفس الطريقة 
لكل واحد يحاول يفك حروفه
ويتعرف عليه من جديد

والملاحظ هنا أن فعل إنشاء القصيدة المحتملة ، ليس عملاً إبداعيا مستقلاً ، بل يتشكل مع تشكيل هوية محددة للذات وهوية الآخر ، وكأن هذا النص النثري بالذات قصيدة نثر تسخر من قصيدة النثر بعامة ، ويؤكد من طرف خفي على انهيار شرط قيام قصيدة التفعيلة ، واحتمال قيامها ، كقصيدة محتملة ، في حال نشوء الهوية ، لا التباسها .

كذلك نجد في قصيدة " آخر صفحة " حال السخرية من قصيدة النثر ذات المنزع الكتابي ، فكما ورد في قصيدة " لحم ودم " ليست القصيدة عملاً خيالياً مستقلاً بذاته عن العالم . إنها ملتحمة بالعالم ، وتحدث التغير المأمول ، الذي يمتد إلى كل قوى السلطة ورموزها من رجال الأمن القومي إلى الحكام العرب والأجانب وكل حاكم مش بأمر ربنا ، وقوانين النقد والشعر نفسه ، كما أن هذه القصيدة المحتملة تلقائية وغير مقصودة :
وقلنا لبعض بوضوح شديد
إننا مش هنكتب غير كل اللي يجي على بالنا 
ولا يعنيها مشاركة القارئ التفاعلي أو الضمني ، بل هي قصيدة أو محبوبة خارج إرادة المنشئ، بالرغم من قيامها بكتابته هو ، إنها قصيدة محكومة بالآخر ، كيفما تبين ، وتحت هيمنته الكاملة ، ولكنها تبقى احتمالية مفترضة ، ويضاف إلى ذلك أخيراً أنها صائتة ، لها دور ، لا تمر مرور الكرام .

الشاعر محمود عبدالله 
صورة محمد حسنى