الضجر هو الشيطان ... أراء في المسرح




الضجر هو الشيطان
أراء في المسرح
بيتر بروك
ترجمة وتقديم
د. محمد سيف
(10)


التقاليد والطبيعة

هل ترون، أن هذا النص مكثف ومعقد بطريقة لا تصدق؟ ما هو أول الواجبات ؟ إن على الممثل أن يتوصل إلى تمثيل هذا المقطع بكيفية يعطي فيها الانطباع بأن هذه الطريقة في الكلام هي طبيعية. سيكون احتقاراً مطلقاً لكاتب مثل شكسبير أن يفكر وهو يكتب آخر مسرحياته، إذ سيقول لنفسه على حين غِرَّة: " والآن، أنني أتوقف عن عمل المسرح، وسوف أقوم بكتابة الأدب. اجلسوا جيدا في أرائككم، أنا شكسبير، سأنظم لكم الشعر !" إنني أقول هذا مازحاً. إن التقاليد الفكتورية في إنكلترا ، التي هي سائدة حتى الآن، ظلت ولفترة طويلة تزعم بأن شكسبير يأخذ حبكة صغيرة غبية كحجة وذريعة لصنع "الأدب". إن هواة الأدب يذهبون إلى التذوق، قافزين حماقات الحبكة شاربين كأساً من النبيذ، لأجل الالتذاذ من وقت لأخر ببعض المقاطع الجميلة. إن هذا المقطع الذي أتينا على قراءته الآن هو من مجموعة المقاطع الجميلة، التي كانت عندما يؤديها الممثلون الكبار في ذلك العصر يضفون بأصواتهم الجميلة رنينا وجرسا على القيمة الشعرية لكلماتها. إن هذه الرؤية غير معقولة تماما.

في حين إن، الممثل العصري، كرَد فعل، يكون ضائعا تماما، ويتضاءل أمام هذا النص وهو يفكر: " إذا كان كل الذي قيل هو الحقيقة التي تعبر عن هذه الشخصية، فهذا يعني إنها شخصية حقيقية. إذن، ولأجل أن يكون هذا مقنعاً، يجب أن أتكلم مثلما لو كان الحوار طبيعيا، مثلما في أية محادثة. " غير إن هذا غير ممكن. فقط ربما الجملة الأولى. ردد الجملة الأولى.

" يبدو عليك، يا بني ، انك مضطرب،
كأنك في حزن من أمر ما، هّون عليك، سيدي. "

" كأنك في حزن من أمر ما، هّون عليك، سيدي. " إن الأمر يتعلق هنا بكائن إنساني يقول لشخص آخر: " ماذا بك، أنت ؟ " هّون عليك، سيدي! " إن هذه جملة بسيطة اقتطعت أو أخذت من الحياة فإذا الممثل، وبشكل آلي ولا إرادي، اخذ صوتا احتفاليا، صوتا " شكسبير يا "، لأجل أن يؤدي ذلك، فإنه سيسخف النص ويجعله مثيرا للضحك. ما هي أخر جملة من المقطع ؟

" … سيدي، أنى مبتلى "

هذه جملة تستعمل في جميع الايام. يمكننا أن نقولها وننطقها بآلاف الطرق وهذا ينضم لسلسة " صباح الخير " التي استنطقناها مسبقا. " … سيدي، أنى مبتلى " إنها لا يمكن أن تكون جملة احتفالية أيضا إلا إذا شئنا أن نسخف النص من جديد وأن نجعله مثيرا للضحك.

لقد تناولنا هنا اللحظتين الأكثر وضوحاً، والأكثر سهولة في التعامل، وذلك لان الجملتين تتلاءمان مع العلاقات اليومية. الآن يوجد سؤال جوهري يطرح نفسه: " هل كان بمقدور شكسبير أن يقول ما تبقى من الحوار بنفس الطريقة ؟ يكفي القيام بعمل الارتجال حول نفس المحتوى، لمعرفة انعكاسه على الحياة، وعلى الوهم، وعلى الموت، لملاحظة بأننا سنحتاج إلى كلمات أكثر بعشرة مرات.

لو نظرنا مليا إلى المفهوم الذي كنا قد تكلمنا عنه البارحة، حول الاختلاف ما بين المسرح واللامسرح الذي يتركز في الحياة، وفي الحقيقة، سنلاحظ إن الفن الكبير للكاتب الكبير قد وجدَّ، طريقة انتخابية مركزة لقول الأشياء من خلال وسائط وإمكانيات بارعة جدا. " إنما نحن مادة كالتي تصنع الأحلام منها. وحياتنا الضئيلة تحدّها نومة من طرفيها. " إن كل كلمة من كلمات هذا المقطع ترنُ بقوة جداً وذلك لأن شكسبير قد قام بعمل يتلاءم وينسجم مع عبقريته، في إيجاد الطريقة الأكثر اقتصادا في قول ما هو ضروري لفهم الشخصية والنص.

لاحظوا لو إننا نسينا المؤلف الآن، فإن شخصية بروسبيرو هي نفسها التي ستعثر من تلقاء نفسها، وبشكل إجباري، على الضرورة المطلقة لقول هذه الكلمات. لماذا يكون ملزما لبروسبيرو، لأجل الحديث إلى هذا الولد الذي لا تبدو عليه علامات السعادة والفرح، أن يبتكر، وأن يعثر على الكلمات المتقنة، وخلق هذا المقطع ؟ إن على الممثل الذي سيلعب هذا الدور أن يطرح على نفسه هذا السؤال، وسيكون هذا المسعى مختلف جدا عن مسعى ذلك الممثل الذي يعتقد انه هنا من أجل خدمة الشاعر. انه هنا من أجل الذهاب بالنص بعيدا جدا، انه هنا من اجل خدمته بطريقة اكثر عمقا وذلك بمحاولته لفهم لماذا يتوجب عليه، وعلى الشخصية، أن يبتكرا هذه الكلمات في اللحظة ذاتها.

قراءة النص

لأجل القيام بذلك، توجد مساعٍ ثنائية مهمة. من جهة من الجهات يجب، من خلال التمارين الطويلة، فهم ما هي الشخصية. إن جميع أنواع وأصناف التجارب يمكن أن تساعد: تجربة المسرحية الكاملة، تجربة النص الذي يحث على بعض الأشياء في كل مرة نمثله فيها، الأفكار والانعكاسات الخارجية، مضمون وسياق المسرحية … لكن يجب وبشكل خاص أن لا نتوقف عند هذه الأسئلة المحيطية - المتعلقة بالمحيط الخارجي-، وإن كانت مغذية أيضا، وذلك لأجل رؤية هذا الذي قد كتب. إن هذه الرؤية يمكن أن تكون موجهة من قبل الأفكار، وأيضا بالموسيقى نفسها للمقطع. لقد كتب جان كلود كاغير هذا المقطع مستخدما البحر الإسكندري*، وليس الإيقاعات، وهذا بحد ذاته معادل جيد لأبيات شكسبير الشعرية الحرة التي تتألف من عشرة مقاطع لفظية. إذا قرأتم هذه الأبيات الشعرية وراعيتم أثناء ذلك الشكل، فإن الشكل نفسه سوف يوحي لكم بأشياء أخرى كثيرة. هل بمستطاعك أن تعيد قراءة الجملة الأولى ؟

(قراءة مقطعة)

" يبدو عليك … يا بنيّ … إنك مضطرب … "

لقد قطعت الجملة. قطعتها مرتين، وهذا كثير جدا. ولأجل أن تبدأ من جديد، حاول أولا وقبل كل شئ أن تراقب هذا الذي قد كتب وهو جملة واجدة، قبل أن تجد الضرورة الحتمية للتقطيع عند الاقتضاء، والذي يمكن أن يقع فيما بعد.

(قراءة مستمرة)
"يبدو عليك، يا بنيّ، إنك مضطرب،
كأنك في حزن من أمر ما … "

إن " كأنك في حزن من أمر ما … " لا تنتمي إلى نفس الجملة. إن هذا البحر الإسكندريّ لكن ليس هو الشاعر الذي يقول: "سأكتب في البحر الإسكندريّ". انه بالضبط على العكس من ذلك. إن ما يريد أن يعبر عنه الشاعر مرتبط بكلمة " مضطرب". يجب جعل وترك هذه الكلمة تهتز. تناول الآن مقطع: " كأنك في حزن من أمر ما ".

" … كأنك في حزن من أمر ما "

حاول أن تتذوق بطريقة حسية جمال كلمة " حزن".

" … كأنك في حزن من أمر ما "

إن هذه الكلمة ليست ذات جمال مجرد وإنما توجد علاقة خاصة جدا ما بين الكلمة والشعور. حسناً فعل جان كلود كاغير عندما عبر عن المسعى الشكسبيري باختياره لكلمة - حزن chagrin- التي خلقت رنين مع أجراس الحروف اللفظية، مثل الحرف C لكلمة Chagrin”"، والحرف M لكلمة "comme le" إن " كأنك في حزن من أمر ما " مقطع يسمح للصوت بأن يكون مساوياً لحركة رقيقة، بالضبط مثلما لو، تقوم بحركة من حركات يدك، في باليه من الباليهات، أو هبوط بعض الجمل في أوبرا من الأوبرات. إن موسيقى الجملة نفسها تشرح لك لماذا هي قد كتبت هكذا. وليس لأجل أن تقوم بعمل الموسيقى، ولا لكي تكون جميلة، وإنما من أجل أن تكون العلاقات الإنسانية محمولة من قبل الكلمات. اقرأ هذه الجملة الأولى وحاول أن تشعر بهذا المقطع الصغير، بالضبط قبل … " كأنك في حزن من أمر ما ".

يبدو عليك، يا بنيّ، إنك مضطرب …
كأنك في حزن من أمر ما. "

نعم، ولكن كن حذرا من أن تترك نفسك عرضة الإيقاع الشعري، والاحتفالي. إن البناء ليس بالطبيعي ولكن الإيقاع يجب أن يكون طبيعيا تماما بحيث لا بد أن نعتقد إن هذه هي الطريقة الوحيدة والفريدة التي يتوجه بها الجميع في الكلام إلى شاب من الشباب.

والآن لنتجاوز هذا المقطع ولنمضِ خطوة أبعد.

" … ممثلونا هؤلاء،
كما أنبأتك سابقاً، كانوا أرواحاً كلهم،
وتلاشوا هواءً، هواءً خفيفاً،
وكما النسيج الذي لا أساس له من هذه الرؤيا… "

توقف واندفاع

يحاول شكسبير هنا، أن يعبر عن شئ جدُ معقد. " … ممثلونا هؤلاء،

كما أنبأتك سابقاً، كانوا أرواحاً كلهم " إن هذا كان بمثابة مقدمة ثم يتبعها لاحقا، " وتلاشوا هواءً، هواءً خفيفاً " لافتاً النظر إلى الموضوع الكبير ألا وهو الوهم، وتَجَرُّدية ومُفارقِية الأشياء. " هواءً خفيفاً " إن هذا ليس بالثرثرة. وذلك لان الهواء، هو دائما خفيفٌ، بطبيعة الحال، مثل الفضاء أنه دائما خالٍ. ولكن هذا المقطع من الأبيات الشعرية إرادي طوعي، ويوجد هناك سبب لكي يتم العثور عليه لا بد من البحث بعيدا اكثر.

" … ممثلونا هؤلاء،
كما أنبأتك سابقاً، كانوا أرواحاً كلهم،
وتلاشوا هواءً، هواءً خفيفاً… "

لا حظوا في كل هذا، أن الكلمة التي يجب أن تمتلك شيئا من الخصوصية، هي تلك التي ينطق به بروسبيرو وهي " أرواحاً ". إن كلمة "أرواحاً " بالنسبة له، تعتبر جزءاً من حياته. وبالنسبة للشخصية، فإن الأرواح بمثابة حقيقة معاشه، يوميا وليليا. في حين إنها بالنسبة لنا لا تعتبر كلمة مادية، ولكن بالنسبة للشخصية هي كذلك. وبناءا على ذلك، يجب عدم التقليل من قيمة الكلمة مثلما فعلت منذ برهة.

" وتلاشوا هواءً، خفيفاً، وكما النسيج … "

إن هذا مكتوب بمثل هذه الطريقة وليس بإمكانك أن تكبله أو تقيده. في العمل فيما بعد، بمقدورك أن تفعل بآلاف الأشياء ولكن في البداية، عند الدراسة الأولى، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار وبدقة بناء النص المكتوب وذلك لانه لم يكتب بمجانية أبداً. إن هذا البحر الإسكندريّ ليس بالبحر المقيد بشكل أوتوماتيكي. يوجد في جميع كتابات شكسبير، في اللحظة التي تتوقف فيها الجملة وتبدأ جملة أخرى، لا بد من دافع يتحرك. فمن اجل الاقتراب من النص، لا بد من الأخذ بالحسبان بأقل واصغر قطع وتقطيع، ولكن فيما بعد، أي عندما تغرق في كلية العمل، يمكن إهماله ذلك.

" وكما النسيج الذي لا أساس له من هذه الرؤيا،

هكذا لسوف تضمحل الأبراج المعّممة بالغيوم … "

هنا أيضا، الأنظمة تتغير. فالوقوف في منتصف بيت الشعر يعتبر مهماً جدا وذلك لسبب بسيط هو أننا نمرّ من مستوى عاطفي وحدسي إلى بعض الأفكار الواضحة. إن كلمة "الرؤيا " تأتي ببعد فلسفي حقيقي. غير أنكم، إذا بدأتم سريعا جدا بمقطع " وكما النسيج الذي لا أساس له " يصبح كل شئ غير مفهوم.

" وكما النسيج الذي لا أساس له من هذه الرؤيا
هكذا لسوف تضمحل الأبراج المعمّمة بالغيوم،
والقصور الفخمة، والهياكل المهيبة،
وكرةُ الأرض العظيمةُ نفُسها،
اجل وكل ما عليها،
وكهذا المهرجان الموهوم الذي تلاشى،
لن تخلّف هباءة واحدة وراءها."

تماثل مع الشخصية

إذا شئنا أن نتماثل مع شخصية بروسبيرو، الذي يرتجل في نفس لحظة هذا التفكير الجليل والعظيم، فعلينا أن نفهم إلى أين هذا سيقودنا. وبعد " وكما النسيج الذي لا أساس له من هذه الرؤيا "، لا نستطيع أن نُقطع الذي يأتي من بعد. إن هذا تمرين جيد خصوصا إذا تساءلنا في كل مرة: " هل نستطيع أن نُقطع الذي يأتي من بعد ؟ " بإمكاننا أن نقوم بذلك بعد مقطع: "هواءً خفيفاً "، ولكن هل نستطيع أن نقوم بنفس العمل بعد "من هذه الرؤيا " ؟ إن هاتين الكلمتين غير كافيتين لاستحضار ما يمكن استحضاره. إذا كان بروسبيرو يرتجل هذا النص حقيقة، مثلما في محادثة، فإنه سيرى أمامه وجهاً منتبهاً ولكنه ضائع قليلا المسكين فردناند الذي لا يفهم. انه سيكون من الواجب عليك الذهاب بعيدا والتدقيق من هذا الذي يفترض فهمه من وراء " وكما النسيج الذي لا أساس له من هذه الرؤيا "، ومن ثم أن تعطي قائمة ب: " هكذا لسوف تضمحل الأبراج المعمّمة بالغيوم،

والقصور الفخمة، والهياكل المهيبة "، والخ.

" … هكذا لسوف تضمحل الأبراج المعمّمة بالغيوم،

والقصور الفخمة "، .. كلا .. كلا ! انك تبتلع الكلمات ومخارجها. حاول أن تلقي صورة بعد صورة. لا تجعل سحر الكلمات يغرنك، بل على العكس حاول أن تستحضر كل صورة بطريقة واضحة جداً. إن بروسبيرو يتكلم وبالتحديد عن " الأبراج المعمّمة "، عن " القصور الفخمة "، وعن " الهياكل المهيبة "، إن كل هذا في حالة اتساع، اتساع حتى يصل إلى صورة كرة الأرض العظيمة، حتى يصل إلى جميع انطباعاتنا. هل تشعر بهذا الارتقاء ؟ أقرأ هذا المقطع بهدوء.



" الأبراج المعمّمة بالغيوم " …

أنت الآن حذر جدا. انك تقرأ ببطء قليلا. أعثر على الحركة التي تخرج بشكل طبيعي من الجملة. لا تعرض الجملة على الجمهور، لا " تقصها " عليه. فليس من واجبك أن تقدم عرضا " أدبيا ". حاول أن تكسر ذلك بقولك بكل صراحة وشمولية " الأبراج المعمّمة بالغيوم " وذلك لأنك تريد أن تقول مقطع " الأبراج المعمّمة بالغيوم "، على طريقتك الخاصة.

" … الأبراج المعمّمة بالغيوم،

والقصور الفخمة، والهياكل المهيبة " …

أحذر، انك الآن تسرع. لا تنسَ انك تتحدث عن أشياء مادية، ويجب على كل الذين يسمعونك أن يفهموا بأن الصورة غير متماثلة. إذا كان الآن بيننا " صيني " لا يفهم اللغة الفرنسية، فسيولد لديه الانطباع بأنك تردد " الأبراج المعمّمة بالغيوم " ثلاث مرات ". إن الأبراج، والقصور، والهياكل، في مكان من الأمكنة هي مختلفة. تستطيع أن تعثر على ذلك في حالة أن تسمح لنفسك أن تقاد من قبل الاختلاف الموجود مسبقا في الجملة. غير انك، تكبح جماح ذلك الاختلاف. حاول أن تقوم بذلك بتوجيهك الكلام إلى ثلاثة أشخاص مختلفين. إن هذا سيساعدك.

" … الأبراج المعمّمة بالغيوم،

والقصور الفخمة، والهياكل المهيبة " …

هل ترى، إن كل هذا ليس بالمجاني. إن هذا كله يساعد بكل بساطة على عجن النص الذي كان في البداية صلب وصعب. راقب جيدا إن " … الأبراج المعمّمة بالغيــوم، والقصور الفخمة، والهياكل المهيبة " عبارة عن صورة قصيرة ولكن فيما بعد يأتيكم عنصر اكبر بكثير يعبر عن نفسه من خلال جملة اكثر رحابة واتساعاً:

" .. وكرةُ الأرض العظيمةُ نفسُها، أجل وكل ما عليها " …

الوصول إلى قمة التفكير المجرد

إن بروسبيرو من أجل أن يصل إلى أقاصي ارتجاله الداخلي، عليه أولا وقبل كل شئ أن يذهب إلى ابعد بكثير من " وكرةُ الأرض العظيمةُ نفسُها " ويضيف " أجل وكل ما عليها " وهنا يستعمل شيئا شكسبيرياً خاصاً جدا، وهو عندما نصل إلى ذروة التفكير المجرد " وكرة الأرض العظيمة نفسها " يضيف شيئا صغيرا لكي يصبح هذا طبيعي. " اجل وكل ما عليها " ويضيف هذا المقطع الصغير لكي يهيء إلى الهبوط غير المنتظر. وسيقول بعد ذلك جملة جد بسيطة …

" وهكذا المهرجان الموهوم الذي تلاشى … "

نعم ! " المهرجان الموهوم " إنهما كلمتان بإمكانهما أن تحملا نفس المعنى، الذي يصطدم الولد المستمع إليهما. فنحن لا نلصق هاتين الكلمتين معا عندما نتحدث في كل الأيام. هانحن منذ عدة ساعات نتحدث عن العرض والشخصيات ومع ذلك لم نستخدم أبدا هذا التعبير الذي هو " المهرجان الموهوم ! " إذن، نحن لسنا بحاجة إلى تحديد هذا بطريقة اصطناعية. والآن قل الجملة التي تأتي بعد ذلك.

" … لن تخلّف هباءة، واحدة وراءها " …

الكل يؤدي، ومرورا بالأفكار، إلى هذه الجملة الغريبة الواضحة والغامضة التي تفقد كل خصوصيتها إذا أعطيناها في أدائنا أو في تعاملنا معها أيّ جانب فكري. لقد تحدث بروسبيرو عن العالم بأسره، وعن التجربة الإنسانية، وعن حياة الإنسان وفجأة ها هي جملة " …لن تخلّف هباءة، واحدة وراءها " التي توازن جميع الصور الجميلة السابقة. إذن، يجب أن تكون هذه الجملة حيوية جدا وخفيفة؛ أما إذا كانت ثقيلة، وتفسيريّة، فستفقد بعدها الهارموني مع " الهياكل المهيبة … "

نحن نرى، أن أيّ مقطع أو خطاب مسرحي شكسبيري بالنسبة للممثل هو صعب وذلك لان الشخصية لا تنتهي أبدا مما تريد أن تبوح به. وعلى الرغم من إننا قد وصلنا إلى هنا ومع ذلك فإن بروسبيرو ما يزال لم يقل كل ما يريد قوله. انه يريد أن يصل إلى خاتمته الخاصة، يريد من فردناند أن يفهم الآتي.

" … إنما نحن مادة
كالتي تصنع الأحلام منها. وحياتنا الضئيلة

تحدّها نومة من طرفيها. "
صورة سماح يحيى