الضجر هو الشيطان ... أراء في المسرح










الضجر هو الشيطان
أراء في المسرح
بيتر بروك
ترجمة وتقديم
د. محمد سيف
(9)


الهواة والمحترفون

إن ما قمنا بفعله منذ بضع دقائق يمكن أن يستغرق تحقيقه بطبيعة الحال أسابيع واشهراً. إن تمارين مثل التمثيل مع المخدات، على سبيل المثال، يمكن أن تقترح على الأطفال لمدة عدة اشهر. بل إنني أقول انه من الممكن القيام بحماقات، وتمثيل شخصيات كوميدية لوقت طويل قبل الاعتماد وتبني اقل الأحكام وذلك لكي تزداد الثقة في النفس وتستقر خير استقرار. مع الممثلين المحترفين، نستطيع أن نتوصل إلى تحقيق ذلك بعد عدة أيام من التمرين، بتمثيلنا، ووضعنا للموسيقى، وبرقصنا … لأجل التحضير والأعداد  لمسرحية "العاصفة"، ذهبنا وقضينا أسبوعا كاملا في منزل ريفي " دير الشار تري " الواقع في مدينة "Villeneuve-les-Avignon"، معزولين تماما، نقوم بتمارين عديدة ومختلفة في شتى الأنواع من غير أن نقترب من المسرحية أو نحاول ملامستها.  يبدو لي أن بمستطاعنا في الصف أن نقوم بأشياء من هذا النوع أثناء فترة طويلة من الوقت. انه لشيء جيد إذا استطعنا من خلال الضحك، أن نتوصل إلى البداية، ولكن بشرط أن يوجد بالتالي انبساط. إننا نلامس هنا الاختلاف، الذي يخصكم ويهمكم، ما بين الهواة والمحترفين. إن بإمكان الهواة أن يقوموا بأشياء كثيرة بواسطة الاندفاع، والحماس، في حين يتوجب على المحترف أن يصل إلى درجة من السيطرة التي - في كل الظروف- تعطيه الانطباع بأن يكون طبيعياً.

إن افضل مثال على هذه الظاهرة يوجد في السينما. ففي السينما بإمكان الممثلين الهواة، وفي بعض الأحيان الأطفال، والشخص الذي نعثر عليه في الشارع، يمكن أن يمثل حسب الظاهر، مثل الممثلين المحترفين. مع ذلك فنحن لا نستطيع أن نقول إن جميع الأدوار الموجودة في كل الأفلام، يمكن أن تمثل على السواء بلا اختلاف أو تمييز من قبل الهواة أو المحترفين. أين يكمن الاختلاف ؟ إذا طلبتم من أحد الهواة أو المحترفين بأن يقوم بهذا الذي عادة ما يفعله في الحياة اليومية، أمام الكاميرا، فإنه سيقوم به على الوجه الأكمل. إن هذا يشبه إلى حد كبير فيلم " معركة الجزائر" حيث الجزائريون الذين عاشوا حقا وحقيقة معارك المقاومة السرية، والصمود استطاعوا أن يمثلوا، بعد عدة سنوات من انتهاء تاريخ المقاومة وحرب التحرير، ليس فقط بنفس الحركات التي كانوا يقومون بها آنذاك، وإنما أيضا أن يعيشوا نفس الحماس والعاطفة ذاتها. لكن بمجرد ما نطلب من شخص ليس بالمحترف أن يدخل في حالة عاطفية وحماسية لم يسبق له أن عاشها، فأن تحقيق ذلك سيكون صعباً جدا عليه.

إن بين يدي الفنان الحقيقي، كل شئ يمكن أن يبدو اصطناعياً أو كل شئ يمكن أن يبدو طبيعيا، وفقا للحالة. إننا نتخيل، وبشكل أوتوماتيكي، بأن حركات الحياة اليومية أكثر حقيقية وواقعية من الحركات المستعملة في الأوبرا أو الباليه. إن هذا ليس بالصحيح. ويكفي النظر إلى عمل أستوديو الممثل لفهم أن الطبيعية العالية يمكن أن تولد الانطباع أيضا بالاصطناعية مثل غناء أوبرا، والعكس بالعكس. . إن دور هذا الذي يمثل هو جعل أيّ أسلوب كان يبدو أو بالأحرى يكون طبيعيا. ونعود هنا إلى المبدأ الذي يقول: أية حركة يمكن أن أتبناها واجعلها طبيعية.

من أجل الذهاب بعيدا في الأمثلة، سيكون من المهم الآن أن نميل نحو مقطع من مقاطع مسرحية "العاصفة" ومعرفة الكيفية التي يتم فيها تحويل وتغيير جمل ليس لها أية علاقة بالكلام اليومي، وجعلها تعبير طبيعية.

لكن قبل اللقاء بشكسبير، اقترح عليكم قليلا من الهواء وكوباً من الشاي !

الاستراحة

رقم 3
 
ربما تكونون قد رأيتم، في الاحتفال الجديد لتوزيع جوائز " السيزار[27]" عبر التلفزيون، مقطعاً من الفيلم الذي يقول فيه "جان رينوار[28]" لأحد الممثلين: ( لقد تعلمت من ميشيل سيمون[29] - وهذا ما كان أيضا منهجا "لجوفه[30]" وبالتـأكيد ما كان منهجا لموليير وشكسبير- ما معناه، يجب محاولة فهم شخصيتكم دون امتلاك أيّ فكرة أو رأي مُسَبقْ. يجب التمرين على النص عدة مرات، بطريقة طبيعية جدا، كي يدخل في أعماقكم، وأن يصبح الفهم شخصياً وعضوياً تماماً.) إن هذا يلتحق بهذا الذي كنا نتحدث عنه البارحة فيما يخص القناع " الباليني balinais" وضرورة أن يُترك لكي يشبع نفسه بنفسه …

المسرح ليس بالعسكر

          إن إشارة وإيحاء جان رينوار عظيمة، ولكنها مثل جميع الإيحاءات، إنها بالضرورية جزئية. لقد عرفت مخرجاً مسرحياً مختصاً بأعمال تشيخوف كان يتمرن على المسرحيات هَمساً لعدة أسابيع. كان يقرأ النصوص، مانعا الممثلين من تمثيلها، إذن، كان يلطخ النص بشتى أنواع الرغبات، مثل الكشف عنه، تمثيله، وتفريح فعل التمثيل نفسه. لقد كان يطلب من الممثلين أن يتمتموا بالنص، يهمسوا به  خلال عدة أسابيع حتى تثبت الأشياء وتستقر في الأعماق السحيقة للممثل. إن هذا ربما يحمل ثمارا ونتائج جيدة بالنسبة لتشيخوف ولكنه في نفس الوقت طريقة ومنهج خطر.

          فضلا عن ذلك، لقد التقيت بفرقة مسرحية أمريكية كانت تلف وتدور العالم بتقديمها واحدة من مسرحيات شكسبير. ولقد قصّ عليّ الممثلين، بأنهم أثناء مرورهم بيوغسلافيا، كانوا - بنوع من الزهو بطريقتهم بالعمل- يخرجون يتنزهون كل ليلة، في شوارع المدينة وهم يصرخون ( أكون أم لا أكون … To be or not to be) دون التفكير بأي شئ .. لدرجة أنهم ينتهون في نهاية المطاف هم أيضا إلى التأثر بنصهم الذي يصرخون ويلهجون به. ربما كان هؤلاء الممثلون مسؤولين بشكل جزئي عن حالة الاضطراب التي تعم بالبلد حاليا[31] وذلك لانهم لابد أن يكونوا قد تركوا ارتجاجات وذبذبات مؤذية وضارة ! بالطبع، إن الأمر هنا يتعلق بتطبيق عملي دُفِّعَ إلى نقطة غير معقولة.

          إذن، لا بد من تنظيم مقاربة الاثنين معاً من أجل بلوغ مشهد من المشاهد، انه من المهم جدا، أن تنهض وأن تمثله، أن تكون واقفا وان تقوم بتمثيله ارتجاليا، أن تكتشف النص بطريقة ديناميكية ونشطه. أنا شخصيا لا اسمع ولا أرى كليا أمام التقنية الألمانية التي يعتمد في شكلها ومضمونها على طريقة الجلوس ولعدة أسابيع حول طاولة لأجل المناقشة. إن هذه النظرية تزعم بأنه قبل رسم وتثبيت نوع من الطرق الفكرية يمنع منعا باتا النهوض، أي الصعود على خشبة المسرح ومحاولة التمثيل واكتشاف النص مسرحيا، بحجة إننا ما زلنا لا نعرف بعد طريق العمل وتوجهاته. إن هذا المبدأ، ينسجم ويتكيف مع عملية عسكرية مثل " عاصفة الصحراء". إن الجنرال "شوارسكوف Schwarzkopf" حتما قد قام بفعل هذا العمل بذكاء وجمع أصحابه الحلفاء حول طاولة قبل أن يرسل دبابات الاقتحام لتحرير الكويت، ولكن المسرح شئ آخر …

الحدس أو البديهية والتحليل

          لنعد لحظة لما كنا نقوم به قبل الاستراحة. هناك اختلاف واضح وقوي يستقر على الفور، منذ الخطوة الأولى، ما بين الهواة والمحترفين. عندما يتعلق الأمر بالغناء، وبالرقص أو الأكروبات، فان الاختلاف مؤكد وذلك لان التكنيك مرئي جدا. في الغناء إن الحركات إما أن تكون متقنة وإما أن تكون غير متقنة، وإن هذا لا يقبل لا الرد ولا البدل. إن الاختلاف بالنسبة لتمثيل الممثل مضبوطا أيضا ، والاقتضاء هو أيضا كبير ولكن من المستحيل تقريبا تحديد وتعيين العناصر التي هي في حالة لعب. إن بإمكاننا أن نشاهد هذا الذي هو غير متقن، ولكن هذا الذي يجب أن يدخل في اللعب لأجل أن يكون هذا متقناً حساس تماما ومعقد، وانه من الصعب الإشارة إليه وتمييزه بدقة صارمة. لهذا السبب، إننا عندما نحاول العثور على حقيقة العلاقة ما بين شخصين اثنين، فان الطريقة التحليلية العسكرية لا تساعد ولا يمكن أن تكون فعالة. أنها يمكن أن تخص وتهتم بالجزء "المرئي" من المشاكل ولكنها تجهل الجزء الكبير المخفي، في الظِّلْ. إننا إزاء هذه الإشكالية مرغمون على استعمال واستخدام عدة تكنيكات في نفس الوقت.

 أنا شخصيا، احب أن أقرأ في نفس النهار أشياء متناقضة في الظاهر؛ في بداية الأمر القيام بتمارين تحضيرية عملية لا بد منها كل يوم مثلما نعتني بحديقتنا المنزلية؛ بعد ذلك، الاشتغال حول مسرحية، من دون فكرة مسبقة، بإلقاء النفس في الماء، وفي النهاية المرحلة الثالثة، القيام بالتحليل المنطقي والمطابق للعقل، وتوضيح هذا الذي أقدمنا على القيام به.

          إن هذا التوضيح لا يأخذ أهميته إلا إذا كان ملازما لفهم حدسي. إنني أكره العمل حول الطاولة وذلك لأننا في مثل هذه الحالة نعطي أهمية قصوى التحليل، والفعل الذهني أكثر مما نستعمل أدوات الحدس. علما إن هذه الأدوات، اكثر حساسية، وتذهب بعيدا اكثر من التحليل. وللدقة، إن الحدس لوحده يمكن أن يكون أيضا خطرا ويقود في اكثر الأحيان الكثير من الممثلين الذين تعرفوا على هذا التناقض الذي يقول محتواه: "يجب أن يكون هذا جيدا وذلك لأنني أحس به !" يقودهم إلى الخطأ. إن هذا ما يبرر وجود المخرج، ويعني العين، تلك النظرة التي ترى الممثل وتسبق المشاهد بفعل الرؤية. هذه النظرة الناقدة والثاقبة، بالمعنى الواسع للكلمة وليس بمعنى الحكم والتحكيم، هذه النظرة الواضحة والصافية التي يمكن أن تسمح للممثل بالتقديم. بكل تأكيد، إن المخرج هو أيضا يمكن أن يخطئ !

          بمجرد ما نصطدم بالمشاكل الصعبة في مسرحية من المسرحيات، نجد أنفسنا في آن واحد في صراع مع ضرورة الحدس والأفكار وانعكاساتها. ولا يمكننا أن نتجاوز لا الحدس ولا الأفكار وانعكاساتها. بإمكاننا أن نحاول العمل بشكل سريع على هذه المسائل، انطلاقا من مقطع صعب جدا من مسرحية "العاصفة".  من لديه الشجاعة للمجيء إلى هنا وقراءة هذا النص بصوت عالٍ ؟

          ( أحد المشتركين ينهض ويأخذ النص ويبدأ بالقراءة)
بروسبيرو: يبدو عليك، يا بني ، انك مضطرب،
               كأنك في حزن من أمر ما، هّون عليك، سيدي
             حفلتنا هذه الآن انقضت … ممثلونا هؤلاء،
             كما أنبأتك سابقاً، كانوا أرواحاً كلهم،
             وتلاشوا هواءً، هواءً خفيفاً،
             وكما النسيج الذي لا أساس له من هذه الرؤيا
             هكذا لسوف تضمحل الأبراج المعمّمة بالغيوم،
             والقصور الفخمة، والهياكل المهيبة،
             وكرةُ الأرض العظيمةُ نفُسها،
             اجل وكل ما عليها،
             وكهذا المهرجان الموهوم الذي تلاشى،
             لن تخلّف هباءة واحدة وراءها. إنما نحن مادة
             كالتي تصنع الأحلام منها. وحياتنا الضئيلة
   تحدّها نومة من طرفيها*… سيدي، أنى مبتلى.
   اصبر على ضعفي، فذهني الشائخ غير مستقر.
   أرجوك أن تتفضل وتأوي إلى كهفي،

   وهناك استرح .. سأمشي مشواراً أو اثنين،
   لأسكن فؤادي الخافق.
صورة سماح يحيى