الضجر هو الشيطان ... أراء في المسرح










الضجر هو الشيطان
أراء في المسرح
بيتر بروك
ترجمة وتقديم
د. محمد سيف
(8)


لمسرح الخشن

           إن " المسرح الخشن" و" المسرح الشعبي" شيء آخر.

انه احتفال بالمواد المتوفرة، وتدمير وإبادة كل ما هو ذو نظام جمالي. إن هذا لا يعني أن الجمال لا يدخل أو لا يشترك في هذه الاحتفالية، ولكنهم هؤلاء الناس الذين يقولون: " نحن لا نمتلك إمكانية خارجية، وليس لدينا نقود، ولا أية حِرفيّة ( صناعة الحرفي)، ولا كفاءة جمالية، ولا نستطيع أن ندفع ثمن الملابس الأنيقة ولا الديكورات، ولا نمتلك خشبة مسرح، ولا نمتلك شيئا آخر غير أجسادنا، مخيلتنا والمواد .. المتوفرة."

 عندما عملنا مع فرقة " كاربت شو
 Carpet Show"،
 اشتغلنا وبالتحديد بالمواد المتوفرة فقط. في العديد من البلدان، كان من المهم الاستنتاج بأننا قد وجدنا أنفسنا نعيش نفس تقاليد المسارح الشعبية التي التقينا بها، وذلك لأننا أيضا لم نكن نبحث عن التقاليد. في الأماكن الأكثر اختلافا وتنوعا، في مثل سكان المناطق القطبية الإسكيمو، ومعهم في أماكن البالينيز، في الأماكن الكورية، نقوم نحن أيضا وبالتحديد بنفس الشيء. لقد تعرفت في الهند على فرقة مسرحية عظيمة، على مسرح قرية ملئ بالأشخاص الموهوبين والمبدعين جدا. إذا كان يتوجب على ممثلي هذه الفرقة والمسرح أن يمثلوا اليوم هنا، فإنهم سوف لن يتأخرون عن استخدام هذه الأرائك التي تجلسون عليها، وسوف يستخدمون على الفور هذه القنينة البلاستيكية، هذه الكأس، وهذين الكتابين … وذلك لأنها هي الأشياء الموجودة أمامهم وهي الوحيدة التي في حوزتهم. إذا كان الأمر يتعلق بالمسرح الخشن، فإن هذا هو الأساسي.

المسرح المباشر

   عندما أتكلم عن "المسرح المباشر" فإنني أقصد وبكل بساطة، أن كل ما قلته حتى هذه اللحظة هو نسبي جدا. يجب أن لا يؤخذ أيّ شئ كمبدأ "دوغم" أو كتصنيف نهائي. فكل شئ مشكوك فيه، مثلما هو مشكوك في المواد المتوفرة. إن "المسرح المباشر" يعني انه، مهما كان الموضوع المُعَاَّلجْ، يجب العثور على احسن الإمكانيات أو المواد، هنا والآن، من أجل بعث الحياة في هذا الموضوع. نلاحظ على الفور إن هذا يتطلب بحثاً مستمراً، لكل حالة، وفقا للحاجات. عندما نعي ونكتشف ذلك، نجد أنفسنا أمام ثروة عظيمة وذلك لأن كل شئ ممكن. إن مواد المسرح المقدس توجد فيه مثلما توجد في المسرح الخشن مواده. في حين إن المسرح المباشر يريد أن يقول: " هذا الذي نحن بحاجة إليه".

          إننا نتطرق هنا لموضوعا جد كبير. وذلك لان الأمر يتعلق في الصراع ما بين ضرورتين: من جهة، أننا نتطرق إلى هذه الحرية المطلقة في المقاربة، ومعرفة إن "كل شئ ممكن"، ومن جهة أخرى، نتطرق ونلامس الصرامة والانضباط اللذان يجعلان " الكل" ليس " أيّ شئ ". كيف التموضع ما بين "الكل ممكن" و" تجنب أو تحاشي أيّ شئ" ؟ إن الانضباط بحد ذاته، يمكن أن يكون سلبياً أو إيجابياً. إنه يستطيع أن يغلق جميع الأبواب، وأن يتجاهل الحرية، أو بالعكس، يبني الصرامة اللازمة للخروج من وَحَل (الأيّ شئ).

   لهذا السبب لا توجد هنالك محصلات. إن البقاء وقت طويلا في عمق الأعماق يمكن أن يكون مضجرا. والبقاء وقتاً طويلاً في السطحي والظاهري يمكن أن يصبح وبسرعة فائقة عادياًٍ وسخيفاً. يجب أن نبقى في حركة مستمرة.

وبما انه لا يوجد شخص يطرح السؤال الذي يسمح بالإجابة القصيرة، فسوف أطرحه أنا بنفسي.

" ألم تجئ اللحظة المثالية الآن للتوقف ؟"

الجواب سيكون : نعم "

   إلى اللقاء غداً !

اليوم الثاني
 
ها نحن نجتمع من جديد. وهذا اللقاء أو الاجتماع هو الحلقة التابعة في المسلسل ! سوف ألعب دور المعلم الذي يسأل صفه: ما هي الاسئلة التي ظلت معلقة ؟.

-         لقد قلت " بالنسبة للديكور، سوف نتحدث عنه فيما بعد " … هل تستطيعون أن تحدثونا  عنه؟

-    لديكم جملة قرأتها ذات يوم تقول : ( لا أتمنى أن يكون التمرين مُحَنْطاً بالمسارات ) هل تستطيعون أن تشرحوا أو توضحوا ذلك ؟

-     لقد تحدثتم كثيرا عن الممثل، مستعملين ذات الكلمة للإشارة إلى ممثلي مجتمعنا المحترفين وإلى هؤلاء – غير المحترفين- ممثلي القرى البعيدة. هل يوجد هناك اختلاف بالنسبة لكم، بين الممثل والشخص غير الممثل ؟ وإذا وجد الاختلاف، ما هو دور المعلومات ؟وهل هذا يُعَلَّمْ ؟

-     جميع الذين يجتمعون هنا يمتلكون تجربة مسرحية في الوسط المدرسي. فهل بإمكانكم أن تعطونا بعض الأفكار حول التراجع التربوي الذي حدثتمونا عنه البارحة ؟

-     لدي الإحساس بأن الطريقة التي تتحدثون بها عن المسرح يمكن أن تنطبق على فن يغالي كثيرا في براعته وتعقيده : فن الحياة. إن هذا "التألق والاشتعال" الذي نبحث عنه في " الفضاء الخالي" يمكن أن يُبتغى أيضا من الحياة وفيها لأجل الكفاح ضد العادية والسخف. إن الخوف من الفضاء الذي نزاحمه ونزحمه للاطمئنان يمكن أن يكون محسوسا أيضا في الحياة. هل نستطيع أن نطور فن المسرح، مثلما تتحدث عنه، من دون أن نطور هذا الفن الحياتي ؟

صنع أحذية صالحة للمشي

          لقد لاحظت إنكم تطرحون أسئلة كبيرة، وأبدية، وإن كل واحد من بيننا يطرح التساؤل التالي: "كيف العيش ؟"، ومع ذلك، السؤال الأول، عن الديكور، كان دقيقاً وبسيطاً جداً. إن هذا مهم جدا، وذلك لانه لا توجد مثلما أحس واشعر، تناقضات بين الأسئلة الكبيرة والأبعاد المادية للأشياء.

  تبقى الأسئلة الكبيرة وهمية ونظرية تماما إذا لم يتوفر لها قاعدة مادية، وتطبيقية عملية. إن العظيم في الآمر هو إن المسرح بالتحديد مكان للقاء بين الأسئلة الإنسانية الكبيرة، الحياة، الموت … والأبعاد الحرفيةّ العملية جدا. انه يشبه إلى حد كبير عمل الخزِافَة أو الفخار. إن الفخار، في المجتمعات التقليدية الكبيرة، هو الشخص الذي يحاول أن يعيش اكبر القضايا الأزلية في نفس الوقت الذي يصنع فيه إناءه أو وعائه. إن هذه الثنائية في الأبعاد ليست ممكنة في المسرح فقط، وإنما هي نفسها التي تمنحه قيمته.

          إذن بإمكاننا مشاهدة وجهتي نظر، مجردة ومادية في آن واحد، ولكن من الخطأ الاكتفاء بالمقاربة المجردة جدا، حتى لو كان ذلك صحيحا. انه من المستحسن العثور على العلاقة مع الحياة بطريقة حرفية بحصْر المعنى.

           إن قضية الديكور قضية عملية جدا: " هل هو جيد أم انه غير جيد ؟ هل أن هذا يملأ الوظيفة ؟ هل سينسجم ؟ " إذا كنا ننطلق دائما من الفضاء الخالي، فإن السؤال الوحيد هو الفعالية. هل الفضاء الخالي غير كافٍ ؟ إذا كان الجواب : "نعم"، في هذه الحالة، نبدأ نرى بوضوح أيّ العناصر هي ضرورية. إن أدنى ما يمكن أن يقوم به الإسكافي الحرفي في عمله هو أحذية صالحة للمشي، واقل ما يفعله العمل الحرفي في المسرح، انطلاقا من عناصر مادية جدا، هو أن ينتج مع المتفرج، علاقة صالحة ممكنة، تسير على قدم وساق.

الارتجال

         من جهتي، اعتبر إننا قد توقفنا البارحة عند مسالة تشتمل على كل ما تصديتم له في أسئلتكم: يتعلق الأمر بضرورة أن تكون حرا تماما وفي الوقت نفسه صارما بشكل كافٍ من أجل تجنب المراعاة والمسايرة و "الأيّ شئ". إن المسالة التربوية في مركز هذا الاهتمام.

          لنحاول أن نجرب هذه المسالة بطريقة مادية بواسطة الارتجال.

 منذ وقت طويل، والعالم بأجمعه يتحدث عن الارتجال، انه واحد من كليشيهات عصرنا، في كل مكان "ونحن نرتجل". انه من النافع ملاحظة بأن هذه الكلمة تغطي آلاف الاحتمالات المختلفة، الجيدة والسيئة.

          الحذر: في بعض الحالات، حتى "الأيّ شئ" يكون جيدا ! في أول أيام التمارين، مثلما قد يفعل بعض الذين بينكم من المعلمين مع الصف الجديد، انه من الصعب جدا ابتكار حماقة تكون حقيقة غبية، وذلك لان اقل فكرة يمكن أن تكون فعالة. لنجرب ! سأتلفظ بأول شئ يخطر أو يمر ببالي: " انهضوا، وخذوا الوسائد التي تجلسون عليها، وغيروا بسرعة جدا أماكنكم !"

          ( هرج ومرج. الجميع يغير مكانه.)

          ابدأوا من جديد ولكن بسرعة اكبر .. من غير أن تتصادموا .. بصمت … بهدوء .. شكلوا حلقة !

          (الكل، يتحرك بموجب التعليمات.)

لقد لاحظتم، أن بإمكانكم أن تبتكروا أيّ شئ. وهذا هو أول شئ قد خطر ببالي. إنني لم اسأل نفسي: " فيما إذا كان هذا غبياُ، غبياً جدا، أو غبياً جداً جداً ؟ " إنني لم أحمل فكرتي أيّ حكم من الأحكام لحظة عرضها عليكم. في هذه الأثناء، نلاحظ أن المناخ فيما بيننا هادئ ومسترخ جدا، وأننا نعرف بعضنا اكثر. وأننا مستعدون للقيام بشيء آخر. إذن، إن بعض التمارين ذو فائدة، مثل الألعاب، وبكل بساطة لان ذلك يبعث على الاسترخاء والارتياح.

          لماذا الارتجال ؟ أولاً لابتكار مناخ، وعلاقة، ووضع الجميع في حالة من الاسترخاء المريحة، والسماح لأي شخص بأن ينهض وأن يجلس من غير أن يخلق ذلك مشكلة درامية. إننا نبحث أولا عن الثقة، من أجل الكفاح ضد الخوف الذي تحدثنا عنه آنفاً. إن الذي يكبح جماح الكثير من الناس اليوم، هو الكلام. إذن، يجب عدم البدء بالكلام، بالأفكار، وإنما ابدأوا بالجسد. إن حرية الجسد هي الخطوة الأولى.

          إذن، لقد قمتم منذ قليل بالارتجال. والآن ابحثوا عن حماقة أو سخافة أخرى: " انهضوا .. أغلقوا الدائرة .. ارموا المخدات في الهواء ثم تلقفوها … ؟ "

(الجميع يحاول)

اقتراح تحدً

          ادخلوا على الحركة قليلا من الصعوبة:" ارموا المخدات في الهواء … ودوروا حول أنفسكم … وتلقفوها."

          (الجميع يحاول)

 

          إنكم الآن تسيطرون تقريبا على هذه الحركة، ولابد من عنصر آخر اكثر صعوبة: "ارموا بمخداتكم في الهواء … تحركوا نحو اليمين … وتلقفوا مخدات جيرانكم … "

          (الجميع يحاول)

 

          إننا لا ندفع هذا التمرين نحو الكمال. لاحظوا أننا نشطون قليلا، وبدأ الجسد يسخن، مع ذلك لا توجد صعوبة حقيقية. مثلما في العديد من الارتجالات، تعتبر الخطوة الأولى هي الأكثر أهمية، ولكنها لا تكفي. يجب الأخذ بعين الاعتبار بفرح وفخ الارتجال في آن واحد. بإعطائنا إمكانية للحياة، للتعبير، للتحرك بكيفية أخرى مختلفة عن الحياة اليومية، يعني أننا على الفور في الفرح ولكن إذا، لم نقترح تحدياً ما، وبسرعة، فإن التجربة ستكرر نفسها. لقد فعلت هذه المعاينة لجميع أشكال الارتجال.

          في الولايات المتحدة الأمريكية، عندما تقوم فرقة مسرحية بالارتجال يطبقون مبدأ عدم التدخل أبدا، وعدم مقاطعة الارتجال في حالته المستمرة.

          إذا كنتم تريدون معرفة ما هو الضجر حقا، عليكم حضور ارتجال لممثلين أو لثلاثة تلبسوا أدوارهم "وبدأوا خطاباتهم". انهم سيجدون أنفسهم قد توقفوا بسرعة فائقة لا تقبل النقاش أو الجدل. إذن لابد من تغيير النبرة باستمرار.

التمرين الشهير للسيد بروك

          إنني سوف اقترح عليكم ارتجالاً جديداً ولكن في بداية الأمر لابد من الإيضاح: لا تحاولوا أن تنتجوا من جديد ما نفعله هنا وتضعوه داخل سياق آخر. إن هذا سيكون تراجيديا حقا إذا قام في العام القادم أطفال جميع المدارس الفرنسية برمي المخدات في الهواء بحجة "الاحتفال بتمرين السيد بروك". توجد بلا شك أشياء أخرى لطيفة أكثر بكثير يمكن ابتكارها.

          الأشخاص الذين أمامي، سموا أنفسكم، الواحد بعد الآخر، بالأرقام.

          ( تمرين: خمسة عشر شخصاً. كل واحد منهم يسمي نفسه بانتظام حيثما يوجد مكانه، بواسطة، رقم .. واحد .. اثنان .. ثلاثة .. أربعة … الخ.)

          حاولوا الآن أن تعدوا من الواحد حتى الخامس عشر، ولكن من دون أن تحسبوا حساباً لأماكنكم.

يجب العد من الواحد حتى الخامس عشر من غير أن يتكلم اثنان في ذات الوقت.

          ( تمرين: واحد … اثنان … ثلاثة … أربعة … ثم شخصان يرددان الرقم خمسة في نفس الوقت ..)

          لا. إن شخصين قد تكلما في نفس الوقت، لا بد من البدء من جديد.

          ( تمرين: المجموعة تعد من الواحد إلى الخامس عشر، الواحد بعد الآخر، من غير خلط وفوضى.)

          سوف لا نذهب بعيداً. لا حظوا أن هناك في جهة من الجهات حرية مطلقة، كل واحد يسمي نفسه عندما يريد، ومن جهة أخرى هناك الشرطان اللذان يمليان الصعوبة، في المحافظة على التسلسل النظامي للأرقام وعدم الكلام في نفس الوقت الذي يتكلم فيه الآخر. إن هذا يتطلب تركيز أهم بكثير من المحاولة الأولى التي اشتملت بكل بساطة على إعطاء الرقم وفقا للتسلسل النظامي لها حيثما كنا في المكان.

          طرفه: إن هذا التمرين قد أعطيّ لي من قبل مخرج مسرحي أمريكي في مقهى من المقاهي. قال لي: " إن الممثلين الذين يعملون معي دائما يقومون بتطبيق تمرينك الكبير." فقلت له:" عن ماذا يتحدث هذا التمرين فوصف لي هذا التمرين الذي طبقناه منذ قليل. لقد أخذته منه على الفور !منذ ذلك الحين ونحن نقوم بتطبيقه بانتظام. إن الناس غالبا ما يُخدَعُونْ بهذا التمرين. انه يستطيع أن يستمر عشرين دقيقة أو نصف ساعة، بحيث يصبح التوتر حاداً والنوعية الاستماعية للمجموعة تتغير. إنني اكشف لكم عن هذا كمثال على هذا الذي يمكن أن نسميه تمارين تحضيرية.

مثلما نستمع إلى الموسيقى

          لنأخذ مثالا آخر خفيفاً لأجل توضيح وإبانة مبدأ من المبادئ. قوموا بحركة من ذراعكم الأيمن، واسمحوا له بأن يأخذ أيّ اتجاه، حقيقة أيّ اتجاه، من غير تفكير. عند الإشارة، اتركوه يذهب حيثما يشاء ثم أوقفوا الحركة. هيا !

          (يحركون أذرعهم جميعا)

          ابقوا ثابتين في أماكنكم لا تتحركوا. حاولوا الآن أن تشعروا بكلية حالتكم، أن تحسوا بهذا الذي تحاولون أن تعبروا عنه. أحسوا بالانطباع الداخلي الذي يصدر عن حالتكم، ولقد وافقتم منذ البداية على أن لا تفصحوا عن أيّ شئ عن طريق حركاتكم، ومع ذلك، إنني انظر إليكم الآن جميعا ، وإذا بي أرى إن كل واحد منكم يعبر عن شئ من الأشياء. إن لا شئ حيادي.

          قوموا ثانية بالتجربة: قوموا بحركة الأذرع، من غير قصدية وتصميم مسبق.

          (الجميع يحركون أذرعهم)

          حاولوا من غير أن تتغير وضعياتكم، أن تشعروا بأن هناك علاقة ما بين الكف والذراع، والكتف … حتى عضلة العين. اشعروا بأن لهذا معنى من المعاني. الآن اجروا تطويراً صغيراً وطفيفاً على الحركة وتوقفوا من جديد.

          (حركة خفيفة)

          أحسوا بأن في هذا التغير الصغير والطفيف، شيئا ما قد تغير في شمولية الحالة. شكرا!

          إننا ندرك إلى أية درجة، وبعيدا عن كل العاديات، بأننا باستمرار نعبر، شعوريا ولا شعوريا، عن آلاف الأشياء بكامل الجسد. وأن هذا يحدث، في اغلب الأوقات، من غير أن يكون لنا علم ومعرفة به.

          الآن قوموا بتجربة أخرى. افعلوا ذات الشيء، ولكن بدلا من الأخذ بالحركة التي تعود لكم، خذوا حركة تمثيلية، وهي: أن تضعوا أياديكم مفتوحة على آخرها أمامكم، بحيث تكون راحة اليد نحو الخارج.

          (الجميع يقومون بنفس الحركة)

إن الأمر يتعلق بما هو على العكس من الارتجال: منذ قليل كنتم تقومون بحركة نابعة من اختياركم، في حين أنكم الآن تقومون بحركة مفروضة. أريد أن اطلب منكم بأن تقبلوا ببساطة تبني هذه الحركة. لا تسألوا عن " معنى أو ماذا تعني هذه الحركة ؟" بطريقة فكرية وتحليلية، وإلا ستخرجون عن الموضوع. حاولوا أن تشعروا بهذا الذي تحرضه وتحثه لديكم. أنكم في حالة معايشة شيء ما قد مُنح لكم من الخارج، مختلف عن الحركة السابقة الحرة التي كنتم تقومون باختبارها ولكنكم إذا تبنيتموها كليا، تصبح مثل سابقتها، أيّ نفس الشيء.

حاولوا أن تشعروا بالكيفية التي ترتبط فيها هذه الحركة بتعبيرات العيون. لا تمثلوا، لا تقوموا بتكشيرة لأجل أن تبرروا حضور العيون والوجه، اتركوا العلاقة تنشا تلقائيا وهذا سيصبح قوي جدا.

حاولوا الآن متابعة، مثلما لو إننا نستمع إلى موسيقى، الكيفية التي تتحول فيها هذه الحركة إذا انتقلتم من هذه الوضعية الأولى، التي تكون فيها راحة اليد إلى الخارج، إلى الوضعية الأخرى، التي تكون فيها راحة اليد نحو السقف. إن هذا الذي نحاول القيام به ليس هو الشعور بما يجري بالحالتين فحسب وإنما الإحساس بالانتقال من الواحدة إلى الأخرى، وكيف يتم هذا التحول أو التغير.

(حركات)

ابحثوا الآن، من دون أن تلجأوا إلى النكتة، عن شخصيات مختلفة في هذه الحركة، وفصلوا الحركة مثلما تريدون، ابحثوا عن إيقاعكم الخاص الذي يخلق المعنى والدال والمدلول. لا تبحثوا عن فكرة أولية، وإنما ابحثوا عن فكرة معاشه. ومن اجل أن لا تفكروا يجب أن تكونوا مدركين بالحس والعقل رجع الصدى وتردداته، مدركين للرنين المُنتج من قبل الحركة في بقايا الجسد.

( حركات)

إن ما قمتم بفعله منذ قليل، هو "ارتجال" أيضا. إذن، يوجد شكلان اثنان للارتجال، ذلك الذي ينطلق من الحرية الكاملة للشخص، وذلك الذي تحسب حساب التعارض المفروض الذي، في العرض، يمكن أن يكون نص، إخراجاً … حتى في هذه الحالة، وفي كل عرض، يتوجب على الممثل "الارتجال".
صورة سماح يحيى