الضجر هو الشيطان ... أراء في المسرح










الضجر هو الشيطان
أراء في المسرح
بيتر بروك
ترجمة وتقديم
د. محمد سيف
(7)


كارمن في هوليود

          عندما بدأت العمل في كارمن مع "جان كلود كاغير
*-Jean-claud carrier
 وماريوس كونستان
Marius constant **-"
، كان الشيء الوحيد الذي كنا متفقين عليه هو إن الشكل الذي أعطته “ بيزه
”Bizet***-
  لكارمن لم يكن ضروريا لهذا الذي سيكون عليه اليوم. لقد كان لدينا الانطباع بأن جورج بيزه كان مثل سيناريست في السينما كلف اليوم من قبل شركة هوليودية لعمل فيلم كبير ناجح عن موضوع جد جميل. إن السيناريست الذي يعرف قوانين اللعبة يعلم أنه، مهما كانت طريقته الخاصة التي يرى بها الأشياء، فهو مرغم على أن يلعب مع المعايير الكبيرة للسينما التجارية العالمية، الموسومة أو المشار إليها كل يوم من قبل المنتج: قصة الحب غير الشرعية، النهاية السعيدة، الخ. إن هذا ليس له أية علاقة مع فيلم لتاركوفسكي****حيث كل ما يوجد فيه يقوم بعمل انعكاس عميق، وكله بجملته وتفصيله ضروري بشكل مطلق.

لقد كان لدينا الإحساس بان جورج بيزه كان قد تأثر بشكل عميق بقراءة حكاية كارمن لمؤلفها "ميريميه"، التي هي قصة دقيقة بطريقة لا تصدق ومكتوبة بأسلوب غير مزخرف، بلا تعقيدات ولا أيّ اصطناع. إن هذا بعكس المؤلف الباروكي[25]، إن أسلوبه بسيط ودقيق جدا. انطلاقا من هذه القصة القصيرة، كان جورج بيزه مرغماً على القيام بأوبرا كوميك في عصره الذي كان فيه ما يشبه هوليود اليوم، بالضوابط والمعاير التي لا بد من احترامها. إذن، ها نحن ننطلق من مبدأ تطرقنا إليه منذ قليل: الضجر. لقد طرحنا أسئلة حول طبيعة الضجر الذي أثارته عندنا، بشكل عام، عروض "كارمن"، لأجل الوصول إلى خاتمة، مفادها مسرح فارغ، يُقتحم فجأة من قبل ثمانين شخصاً يأتون يغنون ومن ثم يولون الأدبار، كان هذا مضجرا بعمق.

           بالمقابل، إن الموسيقى لم تكن بالنسبة لنا وبالنسبة لماريوس كونستان، هي أفضل ما في الأوبرا. الأكثر أهمية، كانت الموسيقى التي تعبر عن العلاقات ما بين الشخصيات. ولهذا فلقد اتخذنا القرار، الذي كان يمثلنا، وربما كان سيتعذر تحقيقه تماما، وهو أن نحاول رؤية ما إذا كنا نستطيع أن نستخلص من هذه ساعات الأربع ما سميناه عن رضا ورغبه بتراجيديا كارمن، معتمدين في مرجعيتنا تلك على التراجيديا الإغريقية. هذا يعني إننا لم نحتفظ إلا بالعلاقات القوية والتراجيدية التي كانت بين الشخصيات. ولقد أحسسنا هنا بوجود المقاطع الموسيقية ذات النوعية الكبيرة، التي تأتي من الخصوصية. عندما نمثل أوبرا في مسرح كبير، وبمعايير وإمكانيات كبيرة، يمكن أن تمتلك حيوية كبيرة ونشاطاً كبير، ولكن ليس بالضرورة أن تمتلك نوعية كبيرة. إننا حاولنا أن نبحث عن كل هذا من خلال الموسيقى التي تستطيع أن تغنى بهدوء، وبخفة، وبدون إفراط وبدون إسْتِعرائيّة*، وبدون مهارة كبيرة. إن القيام بذلك، يعني الذهاب نحو الخصوصية، لأننا نبحث في الأساس عن النوعية.

مَطْرَقَةٌ من أجل إغلاق الفم 

           أخيرا، أظنكم فهمتم، وأنا أنصحكم، في كل مرة تذهبون فيها إلى المسرح وتشعرون فيها بالضجر، بأن عليكم أن لا تخفوا ضجركم هذا، معتقدين بأنكم أنتم السبب في ذلك، وأنه كان خطأكم. يجب أن لا تقمعكم الفكرة الجميلة عن الأدب. اطرحوا تساؤلاتكم جيدا: هل هنالك شيء ما ينقصني، أم أن النقص يوجد في العرض ؟ فلديكم الحق كل الحق في أن تعترضوا على هذه الفكرة الشنيعة، التي هي اليوم مقبولة اجتماعيا، والتي تقول بان الأدب سيصبح متفوقا بطريقة أوتوماتيكية. بالتأكيد، إن الثقافة هي شيء مهم جدا ولكن الفكرة الفضفاضة التي لا تُمتَحَنْ، ولا تتجدد، هي فكرة تستعمل مثل مطرقة لمنع الناس عن فتح أفواههم.

   إن هذا سيئ أيضا، ولحسن الحظ هو أقل في فرنسا إذا ما قورن بإنكلترا أو أمريكا، حيث تعتبر الثقافة مثلما لو إنها سيارة مرسيديس أو مطعم فاخر: فهي مظهر خارجي للنجاح الاجتماعي. هذه هي الفكرة القاعدية (الضامنة). إن مبدأ الضمان والكفالة شئ تراجيدي دخل إلى عالمناَّ. إن الفائدة الوحيدة التي يحصل عليها الحدث المسرحي من الضامن أو الكفيل، هي إمكانيته على القيام بجلب زبائنه ونسائه. وبناءا على ذلك، يجب أن يكون العرض مطابق أو ملائم للفكرة التي يكونونها عن الثقافة سواء كان العرض رفيع المستوى أو جميلاً ومليئاً بالضجر.

           لقد أرادَّ مسرح صغير في لندن، ذو سمعة وصيت جيدان يدعى
 L Almeida،
 أن يستضيف عرضنا المسرحي لكارمن. ولقد طلبت مجموعة العمل إعانة مالية من واحد من اكبر المصارف، والتي كانت بدورها فرحة ومغتبطة بإعانتها للعرض: " تقديم كارمن، يالها من فكرة عظيمة!" وبعد إنجاز جميع التحضيرات المتعلقة بموضوع السفر، تلّقى مدير المسرح مكالمة هاتفية من المسؤول الثقافي للمصرف يقول له فيها : لقد حصلت للتو على برنامج العرض، وبعد إطلاعي عليه وجدته غريبا بعض الشيء … هو أن مسرحكم الذي سوف تقدمون فيه "كارمن" لا يقع في وسط مدينة لندن ؟ انه في الضواحي ؟ وإن أوبرا "كارمن" تقدم بمرافقة أربعة مغنين وممثلين ؟ وإن الأوركسترا قد تقلصت إلى أربعة عشر عازفاً ؟ وكذلك الجوقة ؟ لا توجد جوقة … ؟ ولكن ماذا تحسبوننا بالضبط ؟ هل تتخيلون إن مصرفنا سيأتي بأحسن زبائنه من أجل رؤية كارمن من دون جوقة، وبأوركسترا مقلصة ومختصره ؟ ثم اغلق سماعة الهاتف ؟ وهكذا لم نعرض "كارمن" في لندن نهائيا !

           لهذا السبب أراني ألحُ على الاختلاف ما بين الثقافة الحية، وهذه الفكرة الأخرى عن الثقافة، الخطرة بشكل متطرف والتي بدأت تخترق العالم المتطور كله، وخاصة منذ أن تفشت هذه العلاقة بين العرض وضامنه أو كفيله.

-    لقد تحدثتم كثيرا عن المسرح المميت، فهل تستطيعون أن ترجعوا إلى بعض المفاهيم الأخرى لكتابكم، "المسرح المقدس"، "المسرح الخشن"، "المسرح المباشر" ؟

المسرح المقدس

   عندما يتعلق الأمر" بالمسرح المقدس" فإننا نعني بالدرجة الأساس اللامرئي المَرْدود إلى المرئي. في الحقيقة هناك كثير من طبقات اللامرئي. إن العالم بأكمله في القرن العشرين يقر ويعترف بالطبقة البسيكلوجية، هذه المنطقة المعتمة حيث، يوجد الكذب ما بين هذا الذي قيل وما بين هذا الذي هو حقيقة. أن كل المسرح المعاصر، تقريبا، يعترف بهذا العالم ألفرويدي الشاسع حيث، توجد خلف الحركة والحوار الظاهر، المنطقة اللامرئية، التي تتموضع فيها حوافز الأنا، والأنا العليا، والكبت، واللاشعوري … التي تخلق التفاوت بين هذا الذي قُدِّمَ كحقيقة وهذا الذي هو في واقع الحال شكل من أشكال الكذب.

          أن هذا المستوى البسيكولوجي اللامرئي لا يتأتى قطعا من المسرح المقدس. إن "المسرح المقدس" يقول بأن خلف هذا توجد أيضا، تحت، وحول، وفوق، منطقة أخرى أكثر لا مرئية، واكثر ابتعادا وبعدا عن الأشكال التي نحن قادرون على قراءتها، وتسجيلها، والتي تمتلك مصادر طاقة بالغة القوى.

          في مناطق الطاقة هذه المعروفة قليلا، توجد الحوافز التي تقودنا نحو "النوعية". إن كل حافز إنساني نحو هذا الذي نطلق عليه، بطريقة غامضة ورعناء النوعية، يأتي من مصدر نحن نجهل طبيعة بشكل كلي، ومعناه نفسه، ولكننا قادرون تماما على التعرف عليه عندما يتجلى فينا أو في شخص آخر. إن هذا لا ينتشر من خلال الضجيج وإنما يتفشى من خلال الصمت. وهكذا نحن نسميه، طالما يتوجب علينا استعمال كلمة " مقدس".

          إن المسألة الوحيدة التي ينبغي معرفتها هي: هل إن المقدس هو شكل أم انه غير ذلك ؟ إن انحلال وفساد الأديان متأت من خلطنا للتيار، للضوء، الذي هو ليس إلا شكل مؤقت، مع هذا الذي نقوم بتسميته، أيّ المراسيم، الطقوس، العقائد (الدوغمات). بعض الأشكال التي كانت ملائمة تماما لبعض الأشخاص على مدى سنوات أو كانت ملائمة لمجتمع بحاله خلال قرن من الزمان، مازالت موجودة اليوم، ويتم الدفاع عنها باسم الاحترام. ولكن أيّ احترام نعني؟

   لقد فهم الإنسان، منذ آلاف السنين بأنه لا يوجد شئ اكثر رهبة وهولا من عبادة الأوثان، وذلك لان الوثن ما هو إلا قطعة من الخشب. إذا كنا نبحث عن المقدس، وهذا بالطبع قرار شخصي جدا، فإننا لن نصل إلى توافق: لانه أما أن يكون موجود في لحظة، وإما انه غير موجود. لأننا لا نستطيع أن نمتلك مقدسا يكون حاضرا في أيام الأحد، وينام أو يختفي في باقي أيام الأسبوع. انه من غير المعقول الاعتقاد بأن المقدس موجود في قمة الجبل وليس في الهضبة.

اللامرئي في حياة البشر

           إن المشكلة هي إن اللامرئي ليس ملزما لان يكون مرئيا، حتى يعجب به العالم بأسره. يعتقد بعض الصحفيين أو مقدمي البرامج التلفزيونية بأن ذهابهم إلى الهند، وطرق باب "الشارما
 [26]asharma"
 ومطالبة الشيخ الروحي بأن يحكي ، بان هذا كافٍ للكشف لهم عن المقدس: " صباح الخير، أنا صحفي من القناة التلفزيونية الفرنسية الثانية، أريد أن أرى المقدس !" بالتأكيد انه سوف لا يرى شيئا وعندما يعود سيقول إن المقدس ليس له وجود.

          إذا كان اللامرئي غير مرغم على الكشف عن نفسه، ففي هذه الحالة يستطيع أن يوجد في أيّ مكان وفي أية لحظة، ومن خلال أيّ شخص، شريطة أن تكون الظروف متقنة. إذن، إنني أعتقد بأنه من غير النافع والمفيد أن ننتج من جديد الطقوس المقدسة للماضي التي تمتلك حظا قليلا في اصطحابنا نحو اللامرئي. إن الشيء الوحيد الذي بإمكانه أن يساعدنا، هو الإحساس بالحاضر. الإحساس بأن اللحظة الحاضرة محاطة بطريقة مكثفة خاصة وإن الشروط ملائمة في " Sphota"، هذا " الضوء" الذي ينبثق في لحظته المتقنة، في حركته المتقنة، في نظرته المتقنة، وفي تبادله المتقن. وبناء على ذلك، فإن بمقدور اللامرئي أن يظهر في آلاف الحالات والظروف غير المنتظرة جدا، ولكن بكل تأكيد، من خلال شكل. إذن، إن اقتفاء أثر المقدس هو بمثابة موقف، وبحث .

          إن اللامرئي يستطيع أن يكشف وأن يظهر في الأشياء الأكثر عادية مادام التَحوُّل، والخْيمياء حاضرين. إن قنينة الماء البلاستيكية التي حدثتكم عنها سابقا تستطيع أن تتحول وتتخصب بظهور اللامرئي، طالما كان الشخص الذي يمسك بها في حالة استقبال، وذا موهبة مليئة وجيده. إن بإمكان الراقصة الهندية أن تقدس هذه القنينة البلاستيكية بطريقة عادلة ومتقنة جدا.

          إن المقدس هو التحوْيل في نوعية هذا الذي لم يكن مقدسا في البداية. إن المسرح يمر وينتقل بواسطة العلاقات الإنسانية بين البشر الذين، هم بالضرورة ليسوا بمقدسين، وذلك لأنهم ينتمون لعالم الإنسان. إن اللامرئي يظهر ويتكشف للوجود من خلال المرئي الذي هو حياة البشر.

صورة سماح يحيى