الضجر هو الشيطان ... أراء في المسرح









الضجر هو الشيطان
أراء في المسرح
بيتر بروك
ترجمة وتقديم
د. محمد سيف
(6)


واحد من أكبر مبادئ مسرح النو ، التي تلفظ بها المعلم الكبير "زيامي "، منذ قرون، هو انه إذا مثلنا نفس المسرحية قبل وبعد العشاء، فإن هذا يغير كل شئ. لقد لاحظتم الآن إن الجو بيننا بعد الأكل قد تغير كثيرا. المبادرة الآن في ملعبك !

  - لقد ذكرتم في كتابكم "الفضاء الخالي":(  في المسرح كل شكل جديد يحمل مع ميلاده عناصر موته) غير أنكم تحدثتم منذ برهة عن مسرح النو الذي هو مسرح طقوسي جدا بشكل قطعي. مع ذلك إن هذا الشكل مستمر ومازال ذا تأثير قوي ويحمل كثافة كبرى. انتم بأنفسكم، وفي مسرح البوف دي نور، تستعملون دائما نفس الشكل: فضاءاً خالياً، حضور الموسيقيين،لا وجود للديكور، الكثافة مركزة على العلاقة  بين الشخصيات … هل تستطيعوا أن تشرحوا ما هو قصدكم من وراء "الشكل" ؟ ولا أدري إن كان سؤالي واضحاً !

كل شكل هو فانٍ

          إن سؤالك واضح جدا ! وانه يذهب بعيدا. سأحاول أن آتيكم بأمثلة ملموسة.

عندما قابلت لأول مرة في عام 1968 ممثلنا الياباني يوشي
 Yoshi
، قال لي: (لقد درست وتعلمت في اليابان وفي مسرح النو، وكان عندي معلم نو، ولقد عملت في البنراكو Bunraku
 وفي النو، ولكنني أحسست بان هذا الشكل العظيم لم يعد له اتصال حقيقي مع الحياة اليومية. وإذا بقيت في اليابان فسوف لا أتمكن من العثور على حل لهذه المشكلة. إنني احترم كثيرا ما تعلمت، ولكنني في نفس الوقت بحاجة للبحث عن مكان آخر. ولقد أتيت إلى أوربا على أمل أن اعثر

على الكيفية التي اخرج بها من هذا الشكل العظيم الذي ما عاد يخاطبنا في الوقت الحاضر).

المثال الثاني:

          كان تجربة معاشه بمناسبة "مؤتمر العصافير". لقد كنت اكره دائما الأقنعة التي كانت تمثل بالنسبة لي شيئا ما أكثر من الموت، شيئا محتضراً حقيقة. غير انه في هذا العرض بدا لي أن من المهم جدا استعمالها، بعد إن رأيت سلسلة من الأقنعة البالينيز
balinais
  القريبة جدا من صورة الإنسان والبعيدة جدا عن الوجه الجنائزي، غير السليم، الذي كنت أحس به دائما. دعونا ممثل بالينيز يدعى "تاب
ا Tapa"
، للعمل معنا. لقد كشف للجميع في اليوم الأول  كيف نمثل مع القناع، كيف تتحرك كل شخصية. كان الممثلون ينظرون إليه باهتمام، واحترام ولكنهم أدركوا، مع ذلك، بأن لا أحد منهم كان بمقدوره أن يفعل ذلك. لقد أرى تابا القناع مثلما كان يعيش في التقاليد البالنيزية قبل ألف سنة ماضية. غير أن، محاولة أن نكون على غير ما  نحن عليه يعتبر لوحده تقليداً اخرق.

  إذن، لقد طلبنا منه ما كان يمكن القيام به." في النهاية الأمر، كان المهم، بالنسبة لنا هي اللحظة التي نتقلد فيها القناع" وهذا ما قلناه له. أي لم تكن، ولم تعد التعليمات التي تتعلق بالأسلوب مهمة بالنسبة لنا بقدر أهمية التوضيحات الجوهرية. (أن نأخذ القناع، ونظل ننظر إليه خلال فترة طويلة حتى نشعر بتعبير هذا الوجه الذي نتوصل معه إلى مرحلة التنفس معا. في هذه اللحظة فقط، نستطيع أن نضعه فوق وجوهنا.) انطلاقا، من هذه اللحظة، حاول كل واحد منا بما فيه الممثل البالينيزي "بابا"  أن يعثر على علاقته الخاصة مع القناع، وهذا كان بمثابة تجربة مذهلة، أن ترى، خارج نطاق الحركات المشفرة من قبل التقاليد والأعراف،أن هناك آلاف الأشكال، وآلاف الحركات التي تتلاءم مع حياة القناع. كان ذلك في متناول الجميع لانه وبكل بساطة لا يمر من خلال القوانين والرموز الجامدة المتسمرة في مكانها نتيجة التقاليد.

الصورة الثالثة:

 العرض الأول لمسرح الكاتكلي
24]kathakali
 الذي حضرته في كاليفورنيا. وقد

تم ذلك داخل مدرسة للفنون الدرامية، وكان العرض مكوناً من قسمين. في القسم الاول، كان الممثل ممكيجا، متنكر اللباس، يقوم بعرض الرقص الكاتكلي التقليدي، مثلما لو انه كان في عرض حقيقي، تصاحبه اسطوانة موسيقية، الخ. لقد كان هذا التقديم جميلاً وغريباً جدا.

فاصل !

           لدى رجوعنا بعد الفاصل، كان الممثل قد مسح المكياج من وجهه، وارتدى بنطلون جينز " كأبوي"، وقميص عادياً، وبدأ يعطي بعض الشروحات. ولأجل أن يجعل شروحاته حيوية اكثر، صار يوضحها، ويمثل الشخصيات ولكن من دون أن يكون مرغماً هذه المرة على القيام بالحركات التقليدية بشكل مضبوط. فجأة، بدا لنا، أن ما يقوم به يفوق بكثير الشكل التقليدي الذي قدمه قبل الفاصل.

           الخاتمة هي انه بشكل عام، وفي المعنى الذي نستعمل فيه هذه الكلمة، فأن التقليد يعني الجمود. وإن هذا الشكل الجامد يولد بكيفية آلية لا إرادية، وهو تقريبا محتضر، مع بعض الاستثناءات الكبيرة، عندما تكون النوعية رائعة للغاية فإن الحياة تقيم فيها، كما هو الأمر عند بعض الأشخاص المتقدمين قي السن الذين يظلون حيويين ومؤثرين للغاية. غير أن جميع الأشكال هي فانية. ولا يوجد شكل، ابتداءً من عندنا، لا يكون خاضعاً لقانون العالم الأساسي: الذي هو قانون الاختفاء والتواري. وهذا بحد ذاته رائع. فجميع الديانات، وجميع المعارف، وجميع التقاليد، وجميع العقلاء يقبلون بمنطق الولادة والموت.

LE "SPHOTA"

          الولادة، هي وضع الشكل، عندما نتحدث عن كائن إنساني، عن طفل، عن جملة، عن كلمة، عن حركة. إن هذا يرجع إلى هذا الذي يسميه الهنود
" le spohota".
 إن هذا المعنى المجرد عظيم وذلك لان المعنى نفسه يكمن في رنين وموسيقية الكلمة. في سيل من الطاقة الخالية من الشكل، هنالك "فجأة" أنواع من الانفجارات التي تلائم هذا المعنى
: "le spohota".
 هذا الشكل نستطيع أن نطلق عليه اسم التجسيد
 L  incarnation"".
أحد الأشخاص لديه فكرة ما، وبسرعة فائقة تأخذ هذه الفكرة شكل ما، وتدوم الوقت الذي تدومه. بعض الحشرات تعيش يوما واحدا، وبعض الحيوانات يطول بها العمر بضعة الأعوام،
وبعض الناس يعيشون عمرا طويلا جدا، والفيلة أيضا تعيش عمرا أطول … نفس الشيء ينطبق على الفكرة، أو على الذاكرة.

  تمتلكون في داخلكم الذاكرة التي لها بالضرورة شكل ما. وبعض أشكال الذاكرة (" أين ركنت سيارتي ؟") يستمر بالكاد يوما واحدا. بعد غد، تتوارى لكي تترك مكانا لشكل جديد. وهناك أشكال أخرى للذاكرة تُعَمِّر وقتاً أطول: رقم هاتف يمكن أن يحفظ عدة أيام، وعدة أعوام. وأخيرا ! هناك الذكريات الحقيقية، والتجارب التي تترك آثارها بقوة على طول الحياة وعرضها. وهذا المظهر نفسه يسري على جميع الأشكال. عندما تذهبون لمشاهدة مسرحية ساذجة، فيلم، وفي الغد لا تعودوا تعرفون أو تذكرون حتى ماذا كانت تريد أن تقول هذه المسرحية وهناك أشكال أخرى تدوم لوقت أطول.

          عندما تخرجون مسرحية، فإن هذه المسرحية، في البداية، لا تمتلك شكلاً. إن الحادث أو الواقعة هي وضع الشكل. وإن هذا الذي نسميه العمل، هو البحث عن الشكل المتقن. إذا حقق هذا العمل نجاحا، فإن العرض، على سبيل الاحتمال، يمكن أن يدوم بضع سنوات لا أكثر.بالنسبة المسرحية "كارمن" فان عرضها دام حوالي أربع أو خمس سنوات قبل أن نشعر بأننا قد تجاوزنا الحدود القصوى، على الصعيد الداخلي والخارجي في آن واحد. إن الشكل الخارجي، وفرقة الغناء بأكملها، لم يعودوا يمتلكون نفس الطاقة.

الشكل المنجز

   لأجل ذلك يجب أن لا يخلط الشكل المفترض مع الشكل المنجز. إن الشكل المنجز هو هذا الذي نسميه العرض. انه يأخذ شكله الخارجي بعمل جميع العناصر التي تكون حاضرة في ولادته، مثلما في علم التنجيم. والتنجيم في المسرح، هو اليوم واللحظة التي يجري فيها العرض المسرحي. إن نفس المسرحية تقدم اليوم في باريس، في بوخارست، أو في بغداد ستكون بكل تأكيد مختلفة جدا في شكلها. إن المكان، المناخ الاجتماعي، السياسي، الجو، التفكير كل هذه العناصر تمارس تأثيرها على الشخصيات.

           يسألونني في بعض الأحيان عن العلاقة الموجودة ما بين عرض مسرحية "العاصفة" التي قدمتها منذ حوالي ثلاثين سنة في
 Stratford
 وبين هذا العرض الذي قدمته "للعاصفة" مؤخرا في مسرح البوف دي نور. بكل تأكيد إن هذا السؤال ساذج وبليد ! كيف سيكون ممكنا أن يوجد ابسط الشبه وأقله في الشكل ما بين مسرحية قدمت في وقت آخر، وفي بلد آخر، مع ممثلين كانوا جميعا من نفس العرق وما بين المسرحية التي أقدمها اليوم في باريس مع مجموعة من الممثلين المختلفين في الأصول والجنسية، عازفين يابانيين، إيراني واحد، مجموعة أفارقة ؟

          لحسن الحظ، إن الشكل ليس بشيء يمكن اختراعه، من قبل المخرج، انه
 " Le sphota"
 مع بعض الروابط. إن هذه
 Le sphota
 تشبه إلى حد كبير النَبْتة التي تنمو، تتفتح، تأخذ وقتها، ثم تذبل فتترك مكانها إلى نَبْتةٌ أخرى
. إنني ألح كثيرا في هذا الأمر لانه يوجد الكثير من سوء الفهم الذي كثيرا ما يعرقل العمل في المسرح، وسوء الفهم هذا يرنو إلى الاعتقاد بأن ما سطره المؤلف وملحن الأوبرا على الورق، هو شكل.

إذا فكرنا أو اعتقدنا بهذه الطريقة والكيفية، فإننا ضائعون لا محالة.

الشكل المفترض

          نتطرق هنا إلى سوء فهم حول شكسبير الذي أشاهده منذ أعوام كثيرة. يزعم البعض بأنه "يجب تمثيل المسرحية مثلما كتبها شكسبير". إن هذا شيء سخيف ومناف للعقل تماما ! لانه لا أحد يعلم أيّ الإشكال المسرحية كانت موجوداً في رأس شكسبير عند الكتابة. وكل ما نعرفه، انه كتب سلسلة من الكلمات التي تمتلك هذه الإمكانية على توليد أشكال دون أن تتوقف عن التجدد. لا توجد حدود في الأشكال الافتراضية الموجودة في نص كبير. إن النص الضعيف  لا يستطيع أن يعطي ولادة إلا لبعض الأشكال في حين إن النص الكبير، والقطعة الموسيقية الكبيرة، أو التوليفة الأوبرالية الكبيرة هي مراكز حقيقية من الطاقة. إن الطاقة نفسها لا تمتلك شكلاً معيناً، فهي مثل الكهرباء، ومثل مصادر الطاقة، إنها تمتلك دفة القيادة، والقوة.

بإمكاننا أن نلاحظ أن في أيّ نص من النصوص يوجد هناك بناء. لكن لا يوجد أيّ شاعر حقيقي لا يفكر بأولوية هذا البناء، وعلى الرغم من انه قد عزز في داخله بعض القوانين، فلديه الدافع القوي جدا الذي يدفعه لان يزرع الحياة في بعض الأشياء. وفي أثناء بحثه عن هذا الذي يجعل هذه العناصر حية، يلتقي بالقوانين وحين ذاك يندمج هذا في بنية الكلمات. وبمجرد ما يطبع، يوجد الشكل الذي هو كتاب.

          إذا كان الأمر يتعلق شاعر أو روائي، فإن هذا يكفي. ولكن بالنسبة للمسرح، فنحن في منتصف الطريق. إن هذا الذي كتب أو طبع لم يصبح بعد هذا الشكل الذي يمكن أن يخرج في يوم من الايام هذه الكلمات، في شكل درامي. إذا قلنا إن " هذه الكلمات يجب أن تلفظ أو بالأحرى أن تلقى طريقة من الطرق، ويجب أن تمتلك لوناً من الألوان، موسيقى … " للأسف، أو ربما لحسن الحظ، نخطئ دائما. إن هذا يقود كل ما هو سيء وقبيح  من التقاليد، نحو المعنى السيء في الموضوع.

   إننا دائما نندهش من كمية الأشكال الغير منتظرة أو التي تستطيع أن ينبثق من نفس العناصر ومن ذات النزوع الإنساني الرافض دائما لتقويض العالم.

   إننا هنا في قلب المشكلة. لا يوجد شيء في الحياة، من دون شكل؛ نحن مرغمون في كل لحظة، لا سيما عندما نتحدث، على أن نبحث عن شكل. غير أننا، يجب أن نضع في الحسبان أن هذا الشكل يمكن أن يكون –وبالضبط- العائق المطلق للحياة، والذي ليس له شكل. لا نستطيع أن نتخلص من هذه الصعوبة والكفاح الدائم: إن الشكل ضروري ولكنه ليس كل شئ.

           إزاء هذه الصعوبة، لا شئ سيأخذ موقفاً صافياً منتظراً سقوط الشكل المتكامل من السماء، لان معنى هذا، إننا سوف لا نفعل شيئا يذكر. إن هذا الموقف سيكون غبياً. هنا تظهر من جديد مسالة النقي واللانقي. إن الشكل النقي لا ينزل من السماء. إن وضع           

الشكل أو ولادته هي دائما نوع من التسوية التي يجب قبولها، مع قولنا لأنفسنا " إن هذا مؤقت، ولا بد من تجديد". وهنا نتطرق إلى واحد من الاسئلة الديناميكية التي لا تنتهي أبدا.

  إن هذا لا يحل مشكلتي التي هي إعطاؤكم أجوبة صغيرة !

          - إن ما يتعلق  "بكارمن " يبدو لي إن الحافة ما بين الشكل الافتراضي والشكل المنجز كانت رهيفة أو رقيقة. الأجل هذا السبب حققتم بعض الإعداد من خلال التقطيع ؟ وهل إن التقطيع يسمح بالتقرب من هذا الذي تسمونه نوعية ؟

صورة سماح يحيى