الضجر هو الشيطان ... أراء في المسرح



الضجر هو الشيطان
أراء في المسرح
بيتر بروك
ترجمة وتقديم
د. محمد سيف
(4)

 

الخيال هو عضلة
إذا وضعتم، بكل بساطة، شخصين داخل هذا الفضاء، واحدا بجانب الآخر، ستلاحظون إلى أي درجة تصبح اقل التفاصيل حيوية. وهكذا نمتلك مسبقا عرضا كاملا. إن هذا لا يستطيع أن يستمر إلى ما لا نهاية، ولكنه منذ البداية كان يؤدي عمله. وهذا بالنسبة لي، الاختلاف الكبير ما بين المسرح، في شكله الأساسي، والسينما. إن الشخص في السينما، وبسبب الصورة، يكون دائما في سياق معين، ولا يستطيع أن يتخلص من سياقه أبدا. كانت هنالك محاولات كثيرة لإخراج أفلام داخل ديكورات مجردة، بدون ديكور، في عمق ابيض باستثناء فيلم "جان دارك" من اخراجDreyer[20]، الذي لم يحقق نجاحا أبدا. لو راقبنا افضل الأفلام الكبيرة التي صورت، للاحظنا إن قوة السينما تكمن في قوة الصورة والصورة هي " شخص واحد في مكان من الأمكنة". نفهم من هذا المعنى، إن السينما لا يمكن أن تكون إلا اجتماعية، لا تستطيع أن تتجاهل ولو للحظة السياق الاجتماعي الذي توجد هي فيه. إنها تفرض بعض الواقعية اليومية، فالممثل فيها جزء لا يتجزأ من نفس العالم الذي توجد فيه الكاميرا. في المسرح، بإمكاننا أن نتخيل بابا (حَبْر أعظم) يمثل من قبل ممثل يرتدي بلوفر "كنزه صوفية" بيضاء حمراء، مثل أي واحد منكم يرتديها الآن. في السينما، إن هذا سيكون مستحيلا. إذ يجب أن تتوفر الشروحات الخاصة التي من غيرها لا يمكن أن يكون هذا الاتفاق أو الاشتراط مقبولا. إن الخيال في المسرح يملأ الفراغ في حين أن في السينما الشاشة هي التي تعرض الكل، المرتبط بطريقة عضوية ومتماسكة.
إن الفراغ في المسرح يسمح للخيال بأن يملأ الثغرات. وبطريقة متناقضة في الظاهر، كلما أعطيناه أقل، كان أكثر سعادة وفرحاً. إن الخيال عضلة، إنها سعيدة جدا بممارستها للعبة. بإمكاني أن آخذ هذه القنينة البلاستيكية، على سبيل المثال واقرر إنها تمثل برج بيز Pise [21].
أستطيع أن العب معها، أن اجعلها تميل، أحاول أن أجعلها تسقط، وربما حتى اجعلها تنهار، أن تنفجر على الأرض .. بإمكاننا أن نتخيل ذلك في المسرح أوفي الأوبرا، وبمستطاع هذه القنينة البلاستيكية أن تخلق صورة اكثر قوة من الصورة العادية للمؤثرات الخاصة بالسينما التي تبنى برجاً حقيقياً وهزة أرضية بالمليارات الخ … . إن الخيال، هذه العضلة، ستكون اقل اكتفاء.
 نرى من خلال ذلك ماذا تعني مشاركة الجمهور. في الستينات، كنا نتوق إلى "مشاركة" الجمهور. وبسذاجة كنا نعتقد، إن "المشاركة" تعني التظاهر بجسده، أن يقفز فوق المسرح، أن يثور، أن يصبح جزءاً من مجموعة الممثلين. إن كل هذا ممكن وفي بعض الأحيان يكون هذا النوع من التظاهرات مهماً جدا، ولكن "المشاركة" تعني شيئا آخر. إنها تشتمل على عملية دخول في نوع من التوطئ مع المسرح والقبول بأن تصبح القنينة البلاستيكية برج بيزا pI ise  أو تصبح صاروخاً يذهب إلى القمر … إن الخيال يلعب هذه الأنماط من اللعب بمتعة ولكن شرط أن يكون الإنسان في "غير ما مكان". لو كان خلفي الآن مكتب أو مركبة فضائية، لرأينا تدخل المنطق السينمائي بأسرع ما يمكن. وبهذه الحالة، لا بد من مكائن وآلات لأجل تصوير وتقديم الصاروخ، الفضاء، والقمر.
في المسرح بإمكاننا، أن نتقبل في آن واحد، أن تكون هذه القنينة البلاستيكية صاروخا وأن تلتقي عن طريق الصدفة والمصادفة، بشخصية حقيقية، فوق كوكب فينوس. ويمكن أن تستمر القصة نفسها بتغيرها، برمشة عين، الفضاء والزمان. يكفي أن أقول" منذ كم قرناً وصلت أنا إلى هنا ؟ لكي نقوم بقفزة كبيرة ونتنقل في الزمن. وبنفس الطريقة بإمكاني أن أنتقل من كوكب فينوس إلى متجر كبير دون أي صعوبة، وأن اصبح حكواتي، وأن أذهب من جديد في الصاروخ الفضائي، الخ … . كل هذا ممكنٌ شرط أن نكون داخل فضاء حر. جميع الاتفاقات ممكنة ويمكن تخيلها، فهي متوقفة على غياب الأشكال.  
 
كاربت شو CARPET SHOW
إن التجارب التي خضناها في هذا المجال تبدأ في السبعينيات مع هذا الذي نسميه كاربت شو carpet show. كنا وقتئذ، نقوم بعدة رحلات، إلى أفريقيا وأماكن آخر، وكنا نصطحب معنا بساطاً صغيراً لكي نحدد السطح الذي فوقه سنشتغل. من خلال قيامنا بهذه المحاولات استطعنا أن نكتشف التكنيك الحقيقي للمسرح الشكسبيري. لقد لاحظنا أن الطريقة الفضلى لدراسة شكسبير، لم تكن رؤية وإعادة بناء المسرح الاليزبيثي، وتخيل كيف كان عليه الضوء Le GLOBE  آنذاك، وإنما القيام، وبكل بساطة، بالارتجال حول وعلى بساط صغير. لقد اكتشفنا كيف كان من الممكن أن نبدأ مشهداً ونحن جالسون، وإنهاؤه ونحن واقفون، والجلوس ثانية وأن نكون بعد عشر سنوات، في بلد آخر … إننا نجد بسهولة في مشهد من مشاهد شكسبير شخصان يسيران بكل وضوح في مكان مغلق، في الداخل، وفجأة يجدان نفسيهما، في الخارج دون ملاحظة أي انقطاع. جزء من المسرح في الداخل، وجزء آخر في الخارج، دون معرفة في أي لحظة من اللحظات قد تم فعل العبور والانتقال من الداخل للخارج أو العكس.
لقد كتب العديد من المختصين في شكسبير مجلدات حول هذا الموضوع، يتصدون فيها دائما إلى مسألة ازدواجية الزمن لدى شكسبير. " كيف يحدث في مثل هذه المسرحية، إن هذا الكاتب الكبير، لم يفهم الخطأ الذي ارتكبه عندما زعم إن هذا قد استمر ثلاث سنوات، غير أن مصدراً من المصادر يعطينا الانطباع بأن هذا قد استمر سنة ونصف، لكنه في الحقيقة لم يستغرق إلا ثلاثة دقائق ؟ يكتبون (كيف استطاع هذا المؤلف عديم المهارة أن يكتب في الجملة: "ناولني قدحا من الشاي" وهذا بحد ذاته يشير إلى إننا في الداخل، وفي الجملة التالية: "انظر إلى ورقة الشجر هذه" وهذا يشير إلى كوننا في غابة ؟)       
حتى اكتشفنا فيما بعد بأن شكسبير كان يكتب مسرحا لفضاء غير محدد …

 
عندما لا نمسك بوحدة المكان، ولا بوحدة الزمان، وحينما يكون الفضاء غير واضح كليا، يتم التركيز وبشكل إجباري على العلاقات الإنسانية. فإن الذي يأتي بالمنفعة، هذا الذي يحدث ما بين شخص و شخص آخر؛ والسياق الاجتماعي، حاضر دوما، والذي أحضره هي الشخصيات الأخرى. إذا كانت العلاقة ما بين امرأة غنية ولص هي موضوع الفعل، وإن هذا الذي سيخلق هذه العلاقة سيكون لا الديكور ولا الإكسسوار وإنما القصة، والفعل نفسه. هو لص، وهي ثرية، ويصل قاض فيتدخل فيما بينهما: العلاقات الإنسانية بين المرأة، واللص والحاكم هي التي ستخلق السياق. إن الديكور، في المعنى الحيوي للموضوع، قد خلق بطريقة ديناميكية وحرة كليا من خلال فن التمثيل الذي حصل ما بين الشخصيات.إذ يجب أن يكون التمثيل بأكمله، بما فيه النص معبرا بطريقة مباشرة عن اكبر توتر ممكن واكثر كثافة.
إذا وجدنا أنفسنا داخل ديكور حقيقي، بنافذة، وصندوق فولاذي لاختزان المال وما يشابهه، وباب … حينئذ سنكون في السينما. وبهذه الطريقة سيكون الإيقاع والتوتر التمثيلي أكثر هشاشة. ولأجل العثور على البعد الحياتي لهما، لابد من أن يتدخل المونتاج.
 
القوة والطاقة
إن العلاقة في المسرح، ما بين جملة وجملة أخرى ليست بعلاقة طبيعية مثلما هي في الحياة؛ بل إن الأمر يتعلق بعلاقة شبه معمارية تقريبا ما بين قوة وأخرى. وهنا نرجع إلى نقطة البداية والانطلاق. من اجل أن يوجد هذا الاختلاف ما بين المسرح، واللامسرح، وما بين كل الايام والحياة داخل فضاء مسرحي، فأن هذا الضغط داخل الفضاء وداخل الزمن متلازم بتعزيزه للطاقة. فالطاقة هي التي تخلق العلاقة القوية جدا مع المتفرج. لهذا السبب وبشكل بديهي، توجد الموسيقى، في جميع أشكال المسرح الشعبي، وفي جميع مسارح القرى والأرياف.
لقد رأيت مؤخرا عرضا رائعا في Ouzbekistan، قد مُثلَّ مع قارع طبول. كان عرضا كوميديا يتألف من رجل، وعشيقته، وزوجته، وخادم، في سلسلة من مشاهد الغيرة، وسوء الفهم … لقد كان المسرح يتغذى باستمرار على علاقات الشخصيات جميعها مع الموسيقي قارع الطبول.  
إن قارع الطبل لم يكن يتابع ويرافق الشخصيات فحسب، وإنما كان يتدخل بشكل دائم بكل صغيرة وكبيرة تخص العرض، فبالإضافة إلى عزفه وقرعه على الطبول كان يقوم ببعض التعليقات، ويجيب على بعض الأشياء التي تعني في قلب الحدث، الخ …   لماذا كان هذا العرض جيدا إلى هذه الدرجة ؟ لانه كان يمنح الطاقة للمتفرجين، وهذا ما يجعله اكثر حيوية وفرحا.
من تقاليد هذا العرض، انه كان حرا، وهذا ما نسميه نحن بالأسلوب. إذن كل شئ كان ممكنا وجائزا. وهذا ما يطرح مشكلة المسؤولية الكبرى: إذا كان كل شئ ممكنا، فهذا يعني إن هناك مع ذلك دائما بعض الأشياء المتقنة وبعض الأشياء التي هي "أي شئ". نعود دائما إلى  نفس السؤال !
         لقد تطرقت منذ قليل إلى عرض الممثل الواحد LE ONE MAN SHOW بقولك إن هذا لم يعد مسرحا. لقد تطرقت إلى الحكواتي … فهل يعتبر واحداً من صنف أو طراز دار يوف Dariof[22] انه لا يمارس المسرح ؟
  سأكون ضد جميع المبادئ التي أحاول أن اعبر عنها إذا تعاملت مع هذا الأمر بكيفية  دوغماتية. بطبيعة الحال، هنالك آلاف الاستثناءات. وهنا يتعلق الأمر بانطباع شخصي جدا وباختيار ذاتي. إنني غالبا ما أجد  في عرض الممثل الواحد نقصاً لبعض الأشياء. إن العلاقة مع الجمهور يمكن أن تكون قوية جدا، مثلما في حالة الحكواتي أو المغني، وإن الشيء الوحيد الذي يحسب له حساب هو المحافظة، على هذه العلاقة. لكن بشكل عام، ولهذا السبب ربما يعد المسرح واحداً من الفنون الأكثر صعوبة، وثلاثة أشياء يجب أن تحدث في نفس الوقت وفي هارموني ممتاز.
 
العلاقة الثلاثية
من جهة، إن الشخص يجب أن يكون  في علاقة عميقة، سرية وحميمة مع مضمونه، مع حساسيته الداخلية. إن هذه العلاقة الأولى توجد أيضا لدى الحكواتي والمغني. إن كبار الحكواتيين الذين رأيتهم، على سبيل المثال، في بيوت الشاي في إيران، في أفغانستان، كانوا يقصون أساطير ضخمة بفرح كثير ولكن أيضا برصانة داخلية كبيرة. كانوا ينفتحون على الجمهور في كل لحظة من اللحظات، لا لكي يكونوا مركز الإعجاب ومصدره وإنما من أجل أن يتقاسموا معه فرح بعض الأشياء التي تبقى وبقيت نصاً مقدساً. في سالف الزمان كان كبار الحكواتيين في الهند، يقصون المهاباراتا في المعابد الدينية، دون أن يفقدون العلاقة مع عظمة الأسطورة التي هم في طريقهم لأحيائها. لقد كانوا يمتلكون طاقة استماع موجهة نحو الداخل والخارج في آن واحد، ومثل هذا يجب أن يكون لدى كل ممثل حقيقي. انهم داخل العالمين قي ذات الوقت.
          إن هذا صعب جدا ومعقد. عندما يلعب ممثل، داخل علاقة أسميها "مسرحية" يجب أن يكون في داخل هذه العلاقة ذا رصانة داخلية. مهما كانت المسرحية، يتوجب عليه أن يكون مخلصا لشيء ما، وأن يفعل كل ما بوسعه وبمشاعر رقيقة جدا. إذا مَثَلَّ "هملت" أو " الملك لير" لشكسبير، يجب عليه أن لا يفكر بالتأثير فحسب، وإنما أن يصغي باستمرار، لكل ما يتحرك في داخله؛ أن يصغي إلى كل ما هو أسطوري مخفي داخل المناطق الأكثر خفاءاً، والأكثر امتناعاً في نفسيته الخاصة. إن جزءا من حياته الخلاقة- في اللحظة التي يمثل فيها- يجب أن يكون موجها نحو الداخل دون أن يقطعه هذا الأخير، ولو للحظة، عن الشخص الذي يوجد أمامه. إننا نرى دائما ممثلين- أحيانا حتى ممثلين كبار واعين جدا بشهرتهم- متجهين كليا صوب أنفسهم. انهم يوحون بالتمثيل مع رفاقهم إيحاءا فقط. إن هذا الذي يمثل شخصية الملك لير يوحي بأنه يمثل مع كورديليا، ويستطيع أن يدير لها ظهره ويستمر بالتمثيل. في هذه الحالة، سوف لا يكون وفيا لإحدى التزاماته الكبيرة التي هي تمثيل علاقة الاب/البنت بطريقة حقيقية.
 من اجل أن يكون هذا متقناً بشكل حقيقي، يجب أن لا تنطلق مبكرا أثناء التمارين. أننا نرى ممثلين يظهرون عواطفهم بشكل مبكر جدا ولا يستطيعون أن يعثروا على العلاقة الحقيقية مع الآخر.
حتى لو كان النص قد كتب من أجل أن يكون منطوقا بقوة، يجب أن نبدأ التمرين عليه بحميمية كبيرة، كي لا نهدر الطاقة. يجب أن تكون حرا بشكل كاف لكي تشعر بالعلاقة، وأن ترتجل كلمات أخرى، وأن تقوم بحركات أخرى. وكل هذا، بطبيعة الحال، مجرد مرحلة مؤقتة لأجل الوصول إلى هذا الشيء الصعب جدا الذي يعمل على الاحتفاظ بعلاقة حيوية جدا مع المحتوى الداخلي أثناء النطق بصوت قوي. كيف يُسمح لهذا التعبير الداخلي أن يتحول إلى تعبير مترع بالطاقة لأجل ملء فضاء كبير، دون خيانة ؟ كيف الصعود أكثر فأكثر بالقوة الصوتية دون أن يشوه ذلك العلاقة مع الآخر ؟ إن هذا صعب على الممثل بطريقة لا تصدق.
 
أخيرا، العنصر الثالث، هو إن الشخصين اللذين يمثلان يجب أن يكونا في آن واحد شخصيات مسرحية وحكوا تيه. أن يكونا حكواتي مزدوج، حكواتي برأسين، وفي نفس الوقت  يجب على اللذين يمثلان فيه أن يحافظا، على علاقة حميمية وخاصة فيما بينهما، ويتحدثا مباشرة إلى المتفرجين الذين هم زبائنهم. إن لير وكوردليا يقصان على زبائنهم: " كان يا ما كان في قديم الزمان رجل وأبنته" …
إذ لابد من امتلاك هذه العلاقة الثلاثية بشكل دائم وإلزامي، مع الذات، مع الآخر، ومع الجمهور.
          بمقدورنا في عرض الممثل الواحد، أن نسمح لأنفسنا بكل شئ: الحديث إلى شخصيات متخيلة … لكن يبدو لي بأن هذا النوع صادر عن واقع ذي جذر اجتماعي تراجيدي، يعني أن ما هو آتٍ صادر عن الممثلين الذين لا يجدون عملا فيتمنون أن يمارسوا أي شئ، فيبنون عرضا واحدا، وهذا طبيعي جدا. غير أنه سيكون من الحيوي والمثمر جدا لو أنهم يقومون بنفس العمل مع شريك لهم. لهذا السبب غالبا جدا ما ينقص عرضهم الواحد هذا، ذلك التحدي الذي يفرضه الشخص الآخر، وهذا الكرم الضروري اتجاه الآخر. لكن بطبيعة الحال، إن جميع هذه الاستثناءات ممكنة، وتبعث على الفخر أحيانا.
 
وميض الضجر
          إن اكبر دليل أعرفه في العمل، هو الضجر، هذا الذي اسمعه طول الوقت،. إن الضجر في المسرح، مثل الشيطان، بإمكانه أن يبرز وينبثق في كل لحظة. يكفيه أي شئ لكي يقفز عليك، فهو مترصد، شره! انه يبحث عن اللحظة التي يتسلل فيها بطريقة غير مرئية إلى الفعل، إلى الحركة، إلى الجملة. حينما ندرك ذلك، يكفي أن نمتلك الثقة بالنفس كي نعمل. يكفي أن تأخذ نفسك مقياساً أساسياً لتقويم هذه المَلَكَة التي نتقاسمها مع كل كائنات الأرض: الضجر ! أية أعجوبة ! أستطيع أن أشاهد تمريناً، تدريباً وأقول:" إذا انتابني الضجر، فهذا يعني أن هنالك سبباً". عندئذ، وبيأس، ابحث عن السبب. أعطي فكرة إلى الشخص الآخر، أو بالعكس ألومه، وألوم نفسي … وبمجرد ما يدب فيَّ الضجر أعلم إن هذا وميضاً أحمر.
 
          منذ أعوام، ونحن نقوم بأشياء مهمة جدا طيلة فترة تمريناتنا، نذهب لتمثيل عمل قيد التحضير، غير مكتمل، أمام الجمهور. وفي أغلب الأحيان نذهب إلى مدرسة للتمثيل أمام تلاميذها، دون أن يكونوا على علم بالأمر، دون أن يعرفوا بموضوع المسرحية. نذهب هناك من غير إكسسوارات، من غير أزياء، من غير خطة إخراجية، لا نملك غير "الفضاء الخالي" الذي تألف من الصالة الصغيرة التي نوجد نحن فيها. في البداية لا نستطيع أن نقوم بذلك، لانه لا بد من توفر العمل، ولكن بمجرد ما يتم نصف أو ثلث التمارين، نضع ما اكتشفناه موضع البرهان لرؤية ما الذي يمس مصلحة الناس، ما الذي يبعث على الضجر. إن الجمهور بشكل عام، وخاصة جمهور الأطفال يعتبر هو المعيار الأفضل. فالأطفال لا يملكون أفكارا مسبقة، انهم أما أن يهتموا وأما أن يضجروا ويملوا، أنهم أما أن يتابعوا الممثلين وأما أن ينفذ صبرهم.
صورة سماح يحيى