الضجر هو الشيطان ... أراء في المسرح





الضجر هو الشيطان
أراء في المسرح
بيتر بروك
ترجمة وتقديم
د. محمد سيف
(3)
الجسد الحساس والخصوصية
لا بد من الاعتراف بأن الجسد كأداة، غير متطور عندنا خلال مرحلة الطفولة والشباب ،

كتطوره في الشرق؛ إذن فالحاجة إلى تمرين تعتبر شيئاً مؤكداً. يجب أن يدرك الممثل انه بحاجة لان يقلل من صعوباته، وان يعرف بأنه ليس براقص.
في مسرحنا، توصّل ممثل، من خلال التمارين الصعبة للغاية، إلى أن يمتلك جسداً مرناً مؤهلا مثل جسد أي راقص، لن يجعله بالضرورة أفضل ممثل. على الممثل أن تكون له خصوصية، وان يكون راقصا ولكن دون أن يظهر عليه ذلك. إن الراقصين – واقصد راقصي الباليه، والرقص الكلاسيكي- بحاجة لان يتبعوا ملاحظات مصمم ومعلم الرقص بطريقة خفية بشكل كاف. والأمر مختلف بالنسبة للممثل؛ انه من المهم جدا أن يمتلك الممثلون مواصفات جسدية دَامْغة، صغيرٌ وسمين .. طويلٌ ونحيف .. واحد سريع الحركة، وآخر ثقيل … إن هذا ضروري، وذلك لأننا- وهنا اكرر من جديد- إن ما نكشف عنه على المسرح ونظهره هو الحياة، الحياة الداخلية والخارجية، ولا يمكن أن تسير واحدة من دون الثانية. من اجل الحصول على دلائل الحياة الخارجية، لا بد من امتلاك شخصيات بمواصفات مختلفة، مثلما كل واحد منا يمثل في الحياة نموذجا من الرجال أو النساء. لكن من المهم جدا – وهنا العلاقة مع الممثل الشرقي يمكن أن تتحقق- أن يكون الجسم حساساً ومؤثراً للغاية، سواء كان متيناً عديم المهرة أو يقظاً شاباً سريعاً.
حينما نقوم بممارسة ألاعيب بهلوانية، نقوم بها لا من اجل المهارة والبراعة "في الفن"، ولا من اجل أن نصبح بهلوانين عباقرة ( وهذا أيضا يمكن أن يكون مفيدا)، وإنما من اجل التأثير. إن الممثل الكبير الذي لا يمارس تمارين نهائيا، يسمونه في إنكلترا " ممثل من فوق الأكتاف". انه من السهل جدا في الحقيقة، أن تكون مؤثرا ومحسوسا في اللغة، في الوجه، في الأصابع؛ ولكن الذي لا يوهب بسهولة، يجب الحصول عليه بالتمارين، ونفس الحساسية والتأثير يوجدان في باقي أجزاء الجسم: الأرجل، الظهر، المؤخرة … مؤثر ومحسوس يعني أن يكون الممثل في كل لحظة من اللحظات في علاقة مستمرة مع جميع أجزاء جسمه. فالممثل عندما ينطلق، يعرف أين سيعثر على جسده.
لقد قمنا خلال عرض مسرحية المهابهاراتا [18]Mahabharata بمشهد خطر جدا، في الظلام، حيث الجميع كانوا يحملون مشاعل. لقد كانت في المشهد نار حقيقية، الزيت يتساقط، الملابس كانت من الحرير. كنا نخاف وينتابنا الرعب في كل مرة من مخاطر الحادث. مما كان يضطرنا دائما للقيام بالتمارين مع المشاعل، لكي يعرف كل واحد أين مكان مشعله في أي لحظة من اللحظات. بالطبع، كان يوشي Yoshi الممثل الياباني منذ البداية، هو الأكثر جودة، لانه كان يعرف بالضبط أين يضع أقدامه، يده، عينيه، مهما كانت الحركة التي ينفذها. لا يترك أي شئ للصدفة والمصادفة. غير إننا، إذا طلبنا من ممثل غربي أن يتوقف فجأة، في وسط الحركة، ونقول له أين هما رجلاه، أو يداه، فستواجهه مشاكل كبيرة. إذن، أن هذا الذي يعتبر في الشرق وأفريقيا جزءاً من التربية الطبيعية يفترض أن يكتسب عندنا من خلال التمارين. وهذا ممكن جدا لان الأجسام هي نفسها.
هل تستطيع أن تحدثنا عن الخوف من الفراغ ؟ حتى لو كنا أصحاب تجربة في التمثيل، كل مرة نبدأ فيها، ونجد أنفسنا فوق طرف البساط، يحضر هذا الخوف من الفراغ من تلقاء نفسه، والخوف من الفضاء من جديد ألسنا مستدرجين لأجل ملئه كي لا نشعر بالخوف ثانية، ولكي نملك شيئا ما نقوله أو نفعله ؟
إن ملاحظاتك تعتبر مهمة وذلك لان من المهم بالنسبة لكل ممثل أن يتعرف على العوائق وان يشخصها. غير إن الأمر هنا يتعلق بعائق طبيعي و مشروع. عندما نسأل ممثلاً يابانياً عن تمثيله، فانه يَصّرْ على أن تمثيله في الواقع ينطلق من الفراغ. حينما يمثل جيدا، فان هذا لا يعني انه قد حقق بناءا ذهنيا قد أعده مسبقا وإنما هو مثل بشكل تلقائي منطلقا من نفسه

طقس االشاوو
لقد حضرت في قرية من قرى بنكلاديش طقساً قوياً جدا يطلق عليه اسم الشاوو.أن فيه ممثلين، أشخاصاً من القرية، يمثلون مشاهد حربية بتقديمهم، الأرجل مثنية قليلا ومتباعدة، قافزين في الهواء قليلا. ينظرون أمامهم، متقدمين قافزين، وتوجد في نظراتهم قوة عظيمة بشكل مطلق، وعزم وإصرار خارق. سألت المعلم عن سر "مهارتهم" لأجل سرقتها منه وتعلمها:( ماذا تفعلون انتم ؟ على ماذا تؤسسون تركيزكم حتى تحصلوا على مثل هذه النظرة ؟ طلبت منه أن يجيبني، فرد عليّ: ( إن هذا بسيط جدا، إنني أطلب منهم بأن لا يفكروا في أي شئ. وبكل بساطة أن ينظروا أمامهم وأن يحافظوا على عيونهم مفتوحة). كان هذا كافيا لكي يكون تعبيرهم قوياً وخارقاً وأؤكد لك أن لا وجود " لشيء" آخر غير ذلك. إن هذه الصرامة والقوة ستكون غير موجودة أبدا لو كان التركيز مبني على: ماذا يجب عليّ أن أفعل؟ لو ملأوا وزاحموا الفراغ بالأفكار.
ما هي العناصر التي تكدر وتقلق صفو الفراغ ؟ من جهة من الجهات إن الذي يقلق الفراغ ويعكر صفوه، هو الإفراط في التفكير، والأعداد المسبق. لماذا نهيئ الأشياء؟ أننا نقوم بذلك، تقريبا، من اجل الكفاح ضد الخوف من الفراغ. إن بعض الممثلين التقليديين يحبون أن نعطيهم كل التفاصيل الإخراجية منذ اليوم الاول للتمارين وأن نتركهم بعد ذلك دون إزعاج. إن هذا بالنسبة لهم السعادة المطلقة بعينها، وإذا صادف وإن أجرينا بعض التعديلات الطفيفة قبل خمسة عشر يوما من اليوم المحدد للعرض تثور ثائرتهم ويخرجون عن طورهم ! لقد عرفت مع الأسف الشديد، هذا النوع من الممثلين. أنا الذي يحب أن يغيرَّ كل شئ، وفي بعض الأحيان، أقوم بذلك، في يوم العرض نفسه، لهذا لم اعد قادراً على العمل مع هذا النوع من الممثلين. لقد عملت مع الممثلين الذين يحبون المرونة. ولكن حتى مع هؤلاء، هنالك من يقول في بعض الأحيان: " كلا، إن هذا متأخر جدا، ولا أستطيع أن أغير شيئاً"، يقولون ذلك لأنهم فقط خائفون. انهم مقتنعون بتشييدهم لبعض البنى، وحين نجردهم منها لا يبقى لهم أي شئ، وسيكونون ضائعين. في هذه الحالة، سيكون بلافائدة أن نقول لهم "لا تخافوا "، وهي أفضل طريقة لتخويفهم. يجب تعليمهم، بكل بساطة، إن هذا ليس حقيقياً. وحدها التجارب المحددة والمكررة تسمح لهم بإقامة الدليل على الإبداع، والإخلاص الحقيقي يمكن أن يظهر عندما لا نبحث عن الطمأنينة والأمان.
تطرح هنا مسألة الفنان. هل إن الكائن، هو فنان حقيقي ؟ بإمكاننا أن نقول إن الفنان الحقيقي مستعد لتقديم العديد من التضحيات من اجل الوصول إلى لحظة الإبداع. إن الفنان السيء والرديء يفضل أن لا يعرض نفسه للخطر، لهذا السبب سيكون تقليديا. وكل ما هو تقليدي، وكل ما هو رديء له صلة بهذا الخوف. إن الممثل التقليدي "حلقة" وفعل "غلق" الحلقة هو فعل دفاعي. ولكي أدافع عن نفسي، "فأنني ابني".

الشكل الحقيقي
إن المسألة تذهب بعيدا. فما نسميه تأليفاً، بناء شخصية، هو فعل بناء تدريجي. واعتقد، إن هذا النهج ليس بالطريقة الخلاقة. إن الطريقة الإبداعية الخلاقة هي القيام بفعل عدة تكوينات مؤقتة مع العلم انه حتى لو تكون لدينا الإحساس ذات يوم بأننا قد عثرنا على الشخصية، فأن هذا ما هو إلا مؤقت. إن هذا فقط ما نستطيع أن نقوم به هذا اليوم بشكل أفضل ، ولكن يجب أن نقول لأنفسنا بأن الشكل الحقيقي ما يزال غير موجود حتى ألان. إن الشكل الحقيقي لا يصل إلا في اللحظة الأخيرة، وفي بعض الأحيان يأتي حتى بعد هذه اللحظة الأخيرة بكثير. إنها عملية ولادة. الشكل الحقيقي لا يشبه بناء عمارة أو بيت، يخضع لسلسلة من الأفعال البنائية والمنطقية. بل على العكس، إن التطور الحقيقي للبناء هو في ذات الوقت نوع من الهدم. وهذا يعني أننا نتوجه اكثر فأكثر نحو الخوف، مثل كل هدم. نخلق فراغاً، فنقلل من تعكزاتنا، نقلل من دعاماتنا وركائزنا، وهكذا نكون اكثر فأكثر في خطر. تأكدوا أننا حتى لو نصل إلى لحظات إبداعية حقيقية، في الارتجال، في التمرين أو في العرض، هنالك دائما خطر في تحطيم هذا الشكل، وإفساده.
خذوا على سبيل المثال ردود فعل الجمهور. إذا قمتم بعمل ارتجال معين، أحسستم بحضور هؤلاء الذين ينظرون (وإلا فان هذا سيكون بلا معنى) وإن الناس يضحكون، إنكم تعرضون أنفسكم لخطر أن تنقادوا بسبب ضحكهم في اتجاه لن يكون بالضرورة هو نفسه الذي كنتم ستأخذونه من دونهم. جميع أنواع العناصر الذاتية يمكن أن تكون مثيرة مهيجة، مثل الرغبة في الإعجاب أو الخوف، الذي يمكن أن يحطم الإبداع.
إن الأساسي هو الأخذ بعين الاعتبار والشعور بهذه الظاهرة.وبمجرد ما تمتلك الشعور والإحساس بهذا الذي يبعث على الخوف، تستطيع أما أن تقبله، وأما أن تستقبله، وأما أن تحمي نفسك منه. ولكن لا بد من ملاحظة ومساءلة جميع العناصر التي تطمئن. وهذه مثلا، هي حالة الممثل الذي يصبح بفعل عدة عناصر "ميكانيك". وفي بعض اللحظات، بدافع الكسل، والتواني أو الخوف، يبدأ بتكرار نفس الشيء دائما دون أن يمتلك هذه العلاقة الحاذقة والحساسة مع الآخر. عندما ينظر، يتظاهر انه ينظر. تصبح ميكانيك لانه اطمئنان.
نفس الشيء ينطبق على المخرج أيضا. إذ توجد إغراءات كبيرة أمام المخرج الذي يهيء خطته الإخراجية قبل التمرين الاول. هذا طبيعي ولقد قمت بفعله دائما: إذ رسمت مئات الرسوم والتخطيطات للديكور وللأفعال. الشيء الوحيد الذي ساعدني هو معرفتي، بإن كل ما نقوم به من تخطيطات وتحضيرات قبل التمرين، لا شئ منه يجب أن يُحمل محمل الجد في اليوم التالي. غير إن هذا لم يمنعني عن القيام به لان هذا يعتبر تحضيراً جيداً، ولكن إذا طلبت من الممثلين أن يطبقوا التخطيطات التي وضعتها قبل ثلاثة اشهر أو ثلاثة أيام من التمرين، فسأقطع على نفسي طريق كل ما يمكن أن يكون حيويا وكل ما يمكن أن يظهر ويكشف عن نفسه أثناء لحظة التمرين ذاتها. إذن يجب القيام بهذه بالتحضيرات ولكن في نفس الوقت لا بد من التخلي عنها.
لماذا لا نتخلى عنها ؟ هل هو الخوف ! لأجل القبول بالقاعدة الأساسية التي تقول أن لاشيء لا يكتسب، يجب تحدي الخوف، حتى اللحظة الأخيرة، والوقوف أمامه بالمرصاد. يجب التحلي بالوعي في الاختيار الذي يقدم نفسه إلينا: في مواجهة هذا الخوف الذي لا مفر منه، أما أن تختار الطمأنينة أو ترفضها. وأن تعرف أيضا أن القرار المأخوذ لن يكون نهائيا أبدا.

ربما وصلنا الآن إلى مرحلة تكون فيها الاستراحة ضرورة ؟

هل نستطيع أن نعود إلى مفهوم الفضاء الذي بإمكاننا أن نسميه بالفضاء الكامن ؟ ألا يجب أن نلائم مفهوم التوتر، ومفهوم الأثر ؟ ألا يطالبنا المعلم الياباني بكل بساطة بمماثلتهم مع الفضاء بخلقنا هذا الفراغ الداخلي، لكي يولد التوتر الذي سيصبح أثرا ؟

أمام مثل هذا السؤال، يتأكد لنا، بأننا محتاجون إلى بعض الدقائق من التفكير..

( ضحك .. )

الاستراحة
1



نهار سعيد، يا سيد ليفنك ستون
إن غياب الديكور في فضاء خالٍ، يعتبر واحداً من الهيئات اللازمة التي لا مفر منها. وإذا كنت هنا لا احمل أي تمييز أو احتكام فليس من أجل القول بأن هذا أفضل أو أقل جودة، ولكي أكون اكثر وضوحا ، فإنني أؤكد بأن هذا الفضاء إذا كان فارغاً، فهذا يعني إنه لا يوجد فيه ديكور. وإذا وجد فيه ديكور واحد، فهذا يعني انه ليس بفارغ، وإنما مزدحم، حتى لو احتوى على عناصر غاية في الجمال. لانه في مثل هذه الحالة، ستكون مخيلة المتفرج هي أيضا مؤثثة أو مزينة مسبقا. إن المكان الذي نحن فيه الآن لا يقص أية حكاية. ونستطيع أن نسمي هذا فضاءاً خالياً، حتى لو وضعنا فيه بساطين، بساط على الأرض والآخر في العمق، لكي نجعل من المكان نظيفاً، مريحاً وأكثر حرارة من الحيطان السوداء الوحيدة للصالة. وهكذا فان الخيال، السمع، والتفكير الشخصي لكل واحد لا يربك.
عندما اقترحنا منذ قليل على شخصين أن يلتقيا وأن يقول أحدهما للآخر " نهار سعيد "، كان خيالكم حراً كلياً. ولو إن واحدة من بين الاثنتين[19]قد قالت " نهارك سعيد … يا سيد ليفنك ستون"، لكنتم تخيلتم أفريقيا حالاً، حيث النخيل … ولو حدث العكس، وقالت:" نهار سعيد … أين هو المترو؟ "، لأستحضر هذا القول صوراً أخرى. إلا إذا أجابت السيدة الأولى، بكل تأكيد :" المترو ؟ هنا ؟ في وسط أفريقيا ؟ عندئذ كل شيء جائز. إن الخيال يسمح بالتفكير بأن واحداً من الاثنين مجنون، وفقا لما أعتقده في أفريقيا أو في باريس، وهو يتابع الحوار:" سامحني، لقد كنت أفكر بشيء آخر، وكنت بصدد كتابة هذه المسرحية …" أو " هل يوجد طبيب في القاعة ؟ الخ … . إن غياب الديكور شرطٌ من الشروط التي تسمح بالخيال والتخيل. ضع ممثلين داخل فضاء فارغ، وهذا يشبه إلى حد كبير حالة وضعهم داخل مختبر: إننا نبحث عن شيء ما في الحياة ونضع الممثلين تحت ضوء قوي جدا من اجل أن نراهم بطريقة أفضل.
صورة سماح يحيى