الضجر هو الشيطان ... أراء في المسرح








الضجر هو الشيطان
أراء في المسرح
بيتر بروك
ترجمة وتقديم
د. محمد سيف
(2)
مقدمة
التقى "بيتر بروك " بتاريخ 9 و10  آذار،


 في مشغل شودرون
Chaudron
  المسرح الواقع في الكرتوشغي
 Cartoucherie
 بمنطقة فنسن
 Vincennes،
 مع معلمين وفنانين مسؤولين عن دروس "المسرح والتعبير الدرامي" للمرحلة  الإعدادية في العديد من الثانويات الفرنسية.
أن الهدف من هذا اللقاء الذي نظم من قبل إدارة المسرح والعروض في وزارة الثقافة هو إلقاء نظرة تأملية حول كتاب "الفضاء الخالي" الصادر عن "دار نشرSeuil  "، المسجل في البرنامج الدراسي للبكالوريا.
كيف نعيد كتابياً هذا الدرس المسرحي لبتر بروك، بمحافظتنا على غياب الدُغماتيّة والابتهاج بفكرة مازالت تعيش حركة مستمرة ؟ لقد حاولنا، وبكل بساطة، أن نحافظ على طابعها الحيوي- الاندفاع الحيوي- باحترامنا تسلسل وإيقاع هذا اللقاء، وترقيم التمارين الصغيرة، وأسئلة المشتركين وبعض الاستراحات. بهذه الذهنية تتنزه هذه الكتابة في الفضاء المسرحي محافظة على تلقائية التبادل.
 
اليوم الأول
 
 
 
بيتر بروك
لقد اكتشفت من خلال التجربة التي مررت بها، إلى أي مدى هي مهمة العلاقة التي نعيشها في هذه اللحظة، ما بين شخص يتحدث ومجموعة تستمع. في أحد الايام، عندما كنت القي محاضرة، في إحدى الجامعات الإنكليزية، تدور حول كتابي "الفضاء الخالي"، وجدت نفسي واقفاً على منصة أمام صالة مليئة بالظلام. أحسست عندما بدأت بالكلام  بأن كل ما أتفوه به من كلمات كان خارجاً من فمي دون فائدة تذكر. مثلما، نتكلم هنالك دائما آذان تصغي، كنت أنا مكتئباً وحزيناً اكثر فأكثر! لم استطع أن أجد طريقي إلى اللغة، إلى الصورة، إلى الكيفية الطبيعية التي من خلالها يمكن تمرير بعض الأشياء. لقد رأيت أمامي أناس مثلما لو كانوا في مدرسة، في جامعة، حيث الصرامة المبالغ فيها، جالسين أمام شخص، يجد نفسه بطلا لأنه كان واقفاً أو جالساً على منبر مرتفع أمام أشخاص مسالمين، بائسين، ضجرين من غير أن يعلموا، ومع ذلك فهم منصتون.
لحسن الحظ، كانت لدي الشجاعة لان اطلب منهم أن نتوقف وان نبحث لنا عن صالة أخرى. ذهب الجميع يبحثون عن صالة أخرى في جميع أنحاء الجامعة حتى عثروا في نهاية المطاف على صالة صغيرة، ضيقة، غير مريحة مقارنة بالصالة الأولى، ولكننا عثرنا فيها على علاقة قوية، منشرحة. وعندما أخذت بالكلام ثانية في هذا المكان، وجدت نفسي قد تغيرت تماماً. هذا التحول الذي طرأ عليّ فجأة لم اكن أنا مصدره، ولم يكن الفضل لي أنا فيه، وإنما لطبيعة العلاقة الجديدة التي نشأت بيني وبين الأشخاص الذين كانوا أمامي. وانطلاقا من هذه اللحظة لم يعد بالإمكان الحديث بطريقة افضل واحسن فحسب وإنما أيضا بنوع من التبادل. بحيث صارت الأسئلة والأجوبة تأتي بتلقائية اكثر فأكثر.
وهنا تعلمت واحداً من أهم الدروس حول الفضاء، والذي عمقته في تجاربنا التي حققناها ، بشكل متأخر، بفضل المركز العالمي للإبداع المسرحي، الذي تأسس في باريس عام1970 .
لقد بدأنا خلال السنوات الثلاث الأولى، القيام بتجاربنا خارج المسارح. لقد مثلنا اكثر من مائة مرة، مثلنا في كل مكان إلا في المباني المخصصة للمسرح: في المقاهي، في الصالات التي يجتمع فيها الجمهور أثناء الاستراحة، في الشوارع. مثلنا في إيران في الأماكن الخربة المتهدمة، في القرى والمدن الأفريقية، في الساحات العمومية في أمريكا، في البارات ... لقد تعلمنا أشياء كثيرة ولكن، كانت التجربة، في ذلك الوقت، بالنسبة للممثلين، بمثابة اكتشاف إذ شعروا باختلاف كبير وهم يشاهدون رؤوس المتفرجين أثناء تمثيلهم. ولقد كان قسم كبير من هؤلاء الممثلين يعملون في مسارح كلاسيكية كبيرة بالنسبة لهم، العمل على سبيل المثال في أفريقيا وعقد علاقة مباشرة مع الجمهور، وتقاسم المصدر الضوئي الوحيد معه، الذي هو الشمس، نوع من الصدمة الكبيرة. أتذكر جيدا ما قاله لي بروس مايرBrouce Myers: لقد قضيت عشرة أعوام من حياتي وأنا اعمل في مسرح محترف دون أن أرى رؤوس المتفرجين الذين من أجلهم أقوم بمثل هذا العمل، وفجأة ها أنذا أراهم. ولو قالوا لي ذلك قبل عام من هذا التاريخ لأصابني الهلع ولانتابني الإحساس بـأني عارٍ، ولتولد لدي الشعور بأنهم(أي الجمهور) قد جردوني من أهم أسلحتي الدفاعية التي تتمثل بالتركيز على العمل، وعلى شركائي فوق الخشبة، ولقلت: أية فظاعة هي رؤية هؤلاء الناس، الجمهور). لقد أدرك فجأة، هذا الممثل المحترف عكس ما كان يعتقد، بأن رؤية الآخرين قد غيرَّت معنى التمثيل نفسه. ولكن ربما سنعود إلى هذه القضية فيما بعد. ولنبدأ بالأحرى من البداية.
 
ترجمة عنوان
أريد أن أقول لكم، أولا وقبل كل شئ، بأنكم لا تستطيعون أن تتصوروا مدى تأثريّ بتجمعكم هذا حول كتاب "الفضاء الخالي".
إن كل ما حاولت التعبير عنه، في هذا الكتاب يتضمنه عنوان الكتاب. وإذا أردنا أن نتفق جميعا على أسس الكتاب نفسه، فلا بد لنا أن نتفاهم على العنوان وإيحاءاته، بمعنى أخر، أن نتفق حول شئ نوعي يحدثه العنوان، ومن اجل تحقيق ومعرفة، نوعية بعض الأشياء التي يحدثها، يجب أولا أن يخلق فضاءاً خالياً يسمح لمظهر جديد أن يستمد حياته منه. ولو نظرنا إلى جميع مجالات العرض، لوجدنا إن كل ما يمس المضمون، المعنى، التعبير نفسه، الكلام، الموسيقى، الحركات، العلاقات، التأثير، الذكريات التي يمكن أن نحتفظ بها في داخلنا .. كل هذه الأشياء التي قمنا بتعددها لا يمكن أن يكون لها وجود ما لم توجد إمكانية التعبير الطريّ والجديد أيضا. غيرَّ، إن إمكانية الحصول على هذا التعبير الطريّ والجديد لا يمكن أن توجد ما لم يكن، أولا وقبل كل شئ، فضاء عارٍ، بكر، نقي، من اجل استقباله.
بعض الكلمات حول هذا العنوان ... لقد أعطيت قبل صدور هذا الكتاب بسنوات سلسلة من المحاضرات في جامعات عدة. وعندما قدمت الكتاب للطبع، اقترحت على الناشر العديد من العناوين المعقدة، لقد بقينا نتبادل الرسائل بهذا الخصوص لعدة شهور. وفي يوم من الايام الجميلة، أرسلت إليه ثانية مجموعة من العناوين المعقدة، الغريبة والرومانسية. ولقد تستلّمت منه كلمة صغيرة مؤدبة جدا- من طبيعة الناشرين الإنكليز انهم لا يتدخلون نهائيا- يقول لي فيها: لماذا لا تطلق على الكتاب العنوان الذي تحمله محاضراتك "الفضاء الخالي" ؟ اندهشت كثيرا لهذا الاقتراح، لأنني لم أفكر في ذلك نهائيا. ان هذا، بطريقة من الطرق يكشف لنا مرة ثانية عن الشيء نفسه، يعني، كيف وبأية سهولة،  نحاول أن نزحم هذا الفضاء بأي شئ.
لقد نشرنا الكتاب بنسخته الإنكليزية بعنوان "الفضاء الخالي The Empty Space "، وحينما قررت دار نشرSeuil طبع ونشر الكتاب باللغة الفرنسية، ظهرت مشكلة الترجمة. لقد قدم لي الناشر مترجماً ظريفاً، متحمساً جدا، علمت من محاورتي الأولى معه، انه كان روائيا. ولقد كتب رواية ولكن دار نشر Seuil لم تنشرها، وبطريقة من الطرق، بدا لي، إن دار النشر، أسندت إليه ترجمة كتابي هذا ترضية ومواساة له لعدم نشرها لروايته. وعندما التقينا، أول ما علمته انه لا يتحدث ولا كلمة إنكليزية، "ولكن هذا لا يعني شيئاً"، مثلما يقول هو، "سنترجمه كلمة كلمة" ولقد سألته: " ولكن المسرح، هل تحب المسرح ؟ " كلا، ولم ادخله يوما في حياتي نهائيا، ولا افهم منه شيئاً … ولكن هذا عظيم، أن تغوص في مجال أو بحر لا تعرف العوم فيه، لا تعرف لا لغته ولا مرجعيته ومع ذلك تلقي نفسك في أمواجه .. إن هذا خارق وعجيب بحد ذاته!".
بعد ستة اشهر على هذا اللقاء، جاءني بترجمة للكتاب. قلت: إن هذا رائع، إن هذا السيد قد جاء خالٍ مثل فضاء، وهذا بحد ذاته "مذهل"! لقد كان سعيدا جدا لان يكون في مجال لا يعرف عنه أي شئ، لقد غير جميع الاطروحات التي يحتوي عليها الكتاب إلى مبادئ "دوغمات"، من خلال فروقات اللغة، غير إن كل المقترحات الإنكليزية الموجودة في الكتاب لها إيحاءاتها، وكل إيحاء من الإيحاءات يحتوي على قليل يناقضه أو يتعارض معه. لقد قام هذا السيد بهذا العمل بحرص شديد، أراد أن يكون مخلصا للكتاب ولمؤلفه، ولقد وجدت في كل جملة من الجمل المترجمة حقيقة مطلقة، حقيقة مؤكدة، خالية من أي احتمال غامض أو ملتبس.
 
الكلمة المتقنة
كانت هذه الترجمة التي قدمها السيد مستحيلة وذلك لان هدفي لم يكن عمل كتاب يعطي أنظمة عن المسرح أو حوله، بل على العكس انه وجد من اجل أن يخلق فضاءات خالية في كل مكان، حيثما استطاع القارئ نفسه أن يراجع بنفسه أحاسيسه وانطباعاته، أفكاره الخاصة، أن يجدد منظورا ته ورؤاه بطرحها للمناقشة، بتعريضها للمسائلة والتحقيق. إن هذا الأمر قد صار لنا بمثابة نوع من الدروس العظيمة، التي على أساسها يتوجب علينا أن نبحث عن مترجمين آخرين. ومع ذلك كنا دائما نصطدم بنفس المشكلة. إن الذين يجيدون اللغة الإنكليزية من بينكم يعرفون إلى أية درجة يصعب ترجمة هذا الكتاب إلى الفرنسية لأننا في الإنكليزية نبحث دائما عن كل ما يمكن أن يكون غامضاً أو ملتبساً اكثر من بحثنا عن ما هو ممكن. إن الكلمة المتقنة في اللغة الإنكليزية هي الكلمة غير المتقنة. غير إننا حينما نترجمها إلى لغة جميلة، واضحة، ونقية، وشفافة وصافية حيث الكلمة المتقنة التي تعبر عما نريد أن نقول، نجد أنفسنا دائما نواجه صعوبة كبيرة في اللغة الإنكليزية، نستطيع أن نسمح لأنفسنا باستعمال "أنصاف الكلمات"، بل قد نستعمل لغة عامية أو لغة اصطلاحية. أن الجملة المكتوبة تستطيع أن تنتهي بأسلوب كلامي من غير صعوبة. وهذا ما يمنحها بعض الخفة والسلاسة ويزيل تماما اللهجة الجازمة عن المقترحات. إن هذا مما يصعب جداً تحقيقه في الترجمة.
وهكذا، فقد قمنا بالعديد من المحاولات على الترجمة، ولقد وجدت من خلال ذلك تجربة شيقة وساحرة تخص المضمون. فقد قال لي أحد المترجمين: (لا تستطيع أن تقول في اللغة الفرنسية "الفضاء الخالي" وذلك لان الفضاء هو دائما خالي). وإن هذا سيكون له وقع مضحك؛ إن كلمة "فضاء" تعني "الشيء غير المزدحم". وإذا طفح أو ازدحم لم يعد فضاءا. إذن، يجب أن نطلق على كتابك عنوان "الفضاء"!)، ولقد أجبته: (بالتأكيد ولكن ليس هذا ما أريد أن أقوله تماما، وسيكون ذلك فظيعا، لو أخذت باقتراحك). فردّ عليّ: (إذن، تستطيع أن تسميه "الخالي) …
ومن كثرة الجدل في هذا الموضوع استطعت من جديد أن اعرف الجوهر نفسه الذي يختفي خلف مفهوم الفضاء الخالي: بحديثنا ونقاشنا في كل مرة، كنا بهذه الطريقة، نملأ من جديد هذا "الفضاء الخالي" الذي هو في الحقيقة ذو معنى  استدلالي مباشر، واضح يفهمه العالم بأجمعه. ومن كثرة التحليل والتنقيب فيما وراء بعض النقاط ملحين في محاولتنا لان نكون عادلين في ترجمتنا ودقيقين في اختياراتنا للكلمة والجملة، بدأ المعنى يتبخر ويفقد نفسه. غير إن المعنى كان هنا، يستعرض نفسه بطريقة بسيطة جدا لا تحتاج إلى تعقيد وتنقيب وبحث وراء ما هو خفي ومستتر. على كل حال، قبلنا في نهاية المطاف بهذا العنوان "الفضاء الخالي". وهكذا، بقلبنا للصفحة، يطالعنا الفصل الاول من الكتاب " deadly theatre" الذي ترجم إلى اللغة الفرنسية "بالمسرح البرجوازي".

 
محزن، مزعج واخضر مُزرق
إن الفصل الأول من الكتاب له هدف بسيط، هو زعزعة بعض المفاهيم. يبدو لي، إن من المستحيل الذهاب بعيدا ما لم نَهزًّ جميع أنواع المفاهيم الشائعة؛ وما لم نضع، وبشكل صارم وقوي، كل ما في المسرح الخالي من الحياة، موضع مساءلة وامتحان. أن التبرير الوحيد للشكل المسرحي هو الحياة. ماذا سيكون عليه المسرح من غَيرْ الوثُوب الحيويَّ ؟ وهل يمكن أن يوجد المسرح من غير حياة ؟ الشواهد والبراهين تثبت، وللأسف الشديد، أن هذا النوع من المسرح موجود ومنتشر في كل مكان. كنت أريد أن امنح هذا النوع اسماً ليس عدوانياً وذلك لان الهدف من الكتابة هو خلق "مصلحة" بكل هدوء، اكثر مما هي عملية شَنِّ هجوم وحشي. في اللغة الإنكليزية، توجد كلمة محكية، منطوقة وهذه الكلمة ليست بالأدبية بشكل خاص. إنها كلمة "dead "، وهي كلمة مذمومة تُدين بعض الأشياء ولكن بتساهل.
لقد حاولنا في البداية، أن نترجمها بكلمة "مُحْتَضَر" "فانٍ" ولكن هذه الكلمة تجمع  في ذات الوقت شيئين معاً، هذه الكلمة هي الموت " dead/mort" ولكنه موت حي، تقريبا، ليس تماماً، ولكن هكذا، ولكنه أيضا ليس هكذا تحديدا … وعلى كل حال، يجب القبول به ! وفي نهاية الأمر خرج الكتاب إلى السوق بترجمة رديئة وهي: "المسرح البرجوازي" بدلا من deadly/theatre . يجب أن أحذر هنا من أن كلمة "برجوازي" من الناحية النظرية يمكن أن تُسمع كصفة رمزية تستنطق بعض الحالات النفسية التي نستطيع فعليا، أن نصفها بالحزين، بالتبلد، بالثقل، بالمنقطع عن العالم، المُرَفّه بإفراط، بلا حيوية، فاتر، خامل، ناعس. ولكن في سنوات 1968-1970، حينما خرج الكتاب إلى النور أصبحت كلمة البرجوازي صفة سياسية بالمفهوم الضيق للكلمة.
لقد عثرنا منذ ذلك الحين على ترجمتين، بدتا لي اكثر تكيفا. الترجمة الأولى: لا يحتمل " insupportable ". في اللغة الفرنسية، يمكننا أن نقول عن الشيء، انه لا يحتمل، ولا يطاق وفي نفس الوقت، نتحمله ونطيقه! وهذا يشبه إلى حد كبير أو تقريبي كلمة إنكليزية، نشير من خلالها إلى الشيء ونقيضه، في ذات الوقت. في المسرح، على سبيل المثال، نستطيع أن نلتفت إلى الشخص الجالس بالقرب منا، وخاصة إذا كانت فتاة جميلة ونقول لها، إن هذا العرض "لا يحتمل"؛ وتجيبنا هي بنعم، انه لا يحتمل، ولكن مع ذلك نبقى في مكاننا ولا نغادر! أما الكلمة الأخرى فأنها تحتوي على النوعية معا، على الخفة والثقل في نفس الوقت، وهذه الكلمة هي " كئيب، محزن lugubre  ". وعندما نسأل، كيف كان هذا العرض؟ يأتينا الجواب: "محزناً أو كئيباً" ولكن كلمة "محزن أو كئيب" هذه لا توحي لنا في نفس الوقت بأننا على استعداد لإحراق المسرح. واليوم نستطيع حتى القول إن "المسرح اخضر مزرق". وبما إن هذه الاحتمالات لم تأتِ على بال أحد، فأن المترجمين الثلاثة للكتاب اتفقوا على تسمية الفصل الاول " بالمسرح البرجوازي".

 
ضد المقدسات      
لقد كان الهدف من الفصل الاول من الكتاب هو الوقوف ضد كل ما يسمح لقدسية مسرحنا أن تحاكم قدسية مسرح آخر، مثلما لو أن الحيوية ملك لهذا الفريق دون غيره.
في اللحظة التي كنت اكتب فيها كتاب "الفضاء الخالي"- واعتقد أن هذا لم يتغير- كان مدراء بعض المسارح الشعبية يعتقدون إن كل ما هو ذو طابع شعبي يمتلك الحيوية بشكل أوتوماتيكي، على العكس، تماما من "المسرح النخبوي" المحروم من الحيوية. وكل المسارح التي تقدم مسرحاً فكرياً، واقصد المسارح الصغيرة، التي تعتمد على نصوص صعبة، تشعر بتفوقها الفكري والذهني الذي يتناقض وبشكل قوي مع مسرح البوليفار المشرف على الموت والخالي من الحيوية. وبنفس الطريقة، هذا ما تفعله المسارح التي تعتمد في عروضها على النصوص الكبيرة، والنصوص الأدبية الراقية، زاعمةً وبشكل مطلق أن الأدب الراقي قادر على أن يبعث الهيجان والغليان في صفوف المجتمع اكثر مما يمكن أن يحدث لجمهور أمام مسرحية كوميدية مألوفة أو متداولة. غير أن التجربة التي خضتها خلال العديد من السنوات، علمتني أن هذا ليس بالصحيح.
لحسن الحظ، حينما بدأت العمل في المسرح كنت جاهلا تماما. لقد عملت في بلد لا توجد فيه مدرسة، ولا معلم، ولا يوجد فيه مثل اعلى. لم يكن المسرح الألماني معروفا بعد، وستانسلانفسكي يكاد أن لا يكون معروفا إلا قليلا، وبرشت قليلا جدا، في حين أن ارتو لم يكن معروفا نهائيا. لم تكن هنالك نظرية متبعة، الناس يقومون بعمل المسرح بالانزلاق من نوع لأخر بشكل عفوي وطبيعي. الممثلون الكبار يقومون بتمثيل شكسبير مرورا بمسرحيات البوليفار الهزلية، أو الكوميدي ميوزيكال.
وكان الجمهور والنقد يتتبعهما بكل بساطة، ومن دون تعقيد، أو تفكير بأنهم يرتكبون خطيئة بانتقالهم من لون مسرحي لأخر. لقد كان هذا التنوع والتلون بالنسبة لنا شيئا إيجابيا.

 
إكسبُرسو  بونكو    Exprsso Bongo
هنالك حكاية طريفة بخصوص هذا الموضوع … لقد ذهبنا في إحدى السنوات إلى موسكو لأجل أن نمثل مسرحية هاملت، وكان على رأس فريق العمل "بول سكوفيلد Paul Scafild " الذي كان في ذلك الوقت ممثلا كبيرا مسبقاً. ولقد مثل هذا الممثل أدواراً كثيرة وكبيرة، على مدار اكثر من عشر سنوات، بحيث كان يعتبر في إنكلترا واحداً من المع الممثلين الشباب لذلك العصر. لقد ذهبنا لكي نمثل هاملت، في روسيا التي كانت فيما مضى منغلقة ومغلقة، حتى إنني اعتقدت أننا أول فرقة إنكليزية تقدم نتاجها هناك. لقد كان ذلك حدثا كبيرا، ولقد  حقق "بول سكوفيلد" في أدائه نجاحا عظيما يضاهي نجوميته وشعبيته في الوقت الحاضر.
عند عودتنا إلى إنكلترا، استمرينا نشتغل معا بعض الوقت، على مسرحية للشاعر "أليوت"، وعلى مسرحية أخرى "لكراهام غرين". وفي أحد الايام بعد أن كان قد انتهى الموسم المسرحي، عرض على "بول سكوفيلد" أن يمثل دور مدير مسرح " Cockney" في كوميدي ميوزيكال، كان عنوان العرض يحمل اسم "إكسبرُسو بونكو Exprsso Bong "،  ويعتبر أول كوميدي ميوزيكال قبل الروّك. لقد جاء بول لرؤيتي وهو في قمة الحماس وقال لي: ( بدلا من أن يعرضوا عليّ مسرحية أخرى لشكسبير، عرضوا عليّ Exprsso B ong، أن هذا رائع، سوف أستطيع أن امثل Exprsso Bong). شجعته على القيام بالدور، وقد حققت المسرحية نجاحا لا بأس به. وفي أثناء عروض هذه المسرحية، وصلت من موسكو وبشكل مفاجئ، بعثة رسمية تتكون من عشرين شخصاً من بينهم، ممثلون مسرحيون، ممثلات مسرحيات، ومدراء مسارح. ومثلما استقبلونا هناك، بحفاوة وتقدير، عندما ذهبنا لعرض مسرحيتنا في موسكو، ذهبت أنا شخصيا لاستقبال الفرقة في المطار. أول سؤال طرحوه عليّ كان يتعلق ببول سكوفيلد: ماذا يفعل ألان؟ هل نستطيع أن نراه؟ ولقد قلت لهم، بكل تأكيد، انه يمثل حاليا مسرحية Exprsso Bong" . وقد قمنا بحجز مقاعد وذهبوا لرؤية المسرحية.
إن الروس، بشكل عام، وبالذات في ذلك الوقت، قد تعلموا أن بالإمكان التخلص من أي إحراج أو ورطة مسرحية بكلمة واحدة: " مثير". لقد حضروا العرض، والتقوا ببول سكوفيلد. وكانوا سعداء جدا، والعرض "مثير"، وبعد ستة اشهر على هذا التاريخ، تستلمت كتابا كتب فيه حول الرحلة من قبل رئيس البعثة، وهو أستاذ متخصص بشكسبير في جامعة موسكو. في هذا الكتاب رأيت صورة سيئة لبول سكوفيلد وهو يضع القبعة التي مثل فيها الكوميدي ميوزيكال Expresso Bongo على رأسه مذَّيلة بالتعليق التالي: ( لقد تأثرنا جميعا لحالة وواقع الممثل التراجيدي في المجتمعات الرأسمالية. لم نستطع أن نتخيل حالة الذل والإهانة التي وصل إليها اكثر ممثلي عصرنا، فمن اجل أن يعيل زوجته وطفليه، قزم نفسه هذا الممثل العملاق ومثل مسرحية Expresso Bango"".
 
المسرح هو الحياة
إنني أقص عليكم كل هذا من اجل أن اكشف لكم عما كان يشغلني في محاضراتي التي سبقت تأليف الكتاب. إن ما كان يعنيني، هو أن أتقاسم مع محاوريّ هذه الفكرة الجوهرية: أن المسرح، يعني أولا وقبل كل شئ الحياة. هذه هي نقطة الانطلاق اللازمة والحتمية ولا شئ آخر غيرها يستطيع أن يثير اهتمامنا حقيقة دون أن يكون جزءاً من الحياة بالمعنى الكبير والممكن للكلمة. فالمسرح هو الحياة. ولكننا في نفس الوقت لا نستطيع أن نقول ليس هناك فرق ما بين المسرح والحياة.
لقد رأينا في عام 1968 أشخاصا تركوا العديد من المسارح الكئيبة، المشرفة على الموت، المميتة، لأسباب كثيرة جيدة وأخرى استفزازية… لكي يؤكدوا على أن "الحياة هي المسرح" وليس هنالك حاجة لفن اصطناعي، غير طبيعي، ومرتب. يقولون نستطيع أن: "نمارس المسرح حيثما نكون، المسرح في كل مكان، كل واحد منا ممثل، إذن، نستطيع أن نفعل أي شيء أمام أي إنسان، هذا هو المسرح" ما هي مواضع الشك والريبة في هذه الفكرة ؟
من إحدى النواحي، إن هذه الفكرة تبدو صحيحة وعادلة  فنحن نذهب إلى المسرح من أجل أن نعثر على الحياة من جديد، ولكن إذا أنعدم الاختلاف ما بين الحياة خارج وداخل المسرح، عندئذٍ أيّ معنى يبقى للمسرح ؟! ما الفائدة التي ترجى من وراء القيام به ؟ ولكن إذا قبلنا بأن الحياة داخل المسرح مرئية ومقروءة أكثر مما هي خارجه، فسنرى إنها في آن واحد هي نفسها وفي الوقت ذاته مختلفة عنها قليلا.
انطلاقا من ذلك نستطيع أن نعطي العديد من التفسيرات، وأولها أن الحياة داخل المسرح تكون مرئية ومكثفة وأكثر تركيزا، ذلك لان تقليص الفضاء، والتقاط الزمن نفسه يخلق نوعاً من التركيز.
في الحياة نتكلم، نثرثر، وهذه طريقة طبيعية جدا للتعبير عن انفسنا تأخذ دائما وقتا أكبر بكثير مقارنة بالمضمون الحقيقي لما نريد أن نقول. ولكن يجب أن نبدأ هكذا، بالضبط مثلما في المسرح، نبدأ بالارتجال، مع نص طويل جدا. ولكن ما هي حركة الضغط والتقليص إذن ؟ إنها تعتمد على حذف كلما هو زائد وبلا فائدة، ووضع نعت قوي مكان كل صفة باهتة، مع الحفاظ على طبيعة التعبير بكامله. وإذا حوفظ على هذا الانطباع، عندئذ سنصل إلى ما يلي: إذا كان شخصان يحتاجان في الحياة اليومية إلى ثلاث ساعات لكي يقولا شيئا معينا، ففوق خشبة المسرح يأخذ هذا الأمر ثلاث دقائق. ونستطيع أن نلحظ ذلك بشكل واضح في أساليب كل من بيكت، بنتر، وتشيكوف.
إن النص لدى تشيكوف يعطينا الانطباع بأنه قد سجل على آلة تسجيل؛ وإنه قد أخذ جميع الجمل والمفردات من الحياة اليومية. غير أنه، لا توجد هنالك جملة واحدة من جمل تشيكوف لم يشتغل عليها، ينحتها، يخضعها للحذف والتغيير، ولكن بكيفية فنية بحيث تعطي الانطباع للممثل بأنه يتكلم حقيقة "مثل ما لو كان في الحياة اليومية ". ومع هذا، إذا شئنا أن نمثل ذلك مثلما في الحياة اليومية، لا نستطيع أن نمثل تشيكوف. إن على الممثل، والمخرج أن يتبعا نفس خطوات المؤلف، الذي يدرك أن كل كلمة، حتى لو بدت بريئة، فهي ليست بريئة. إنها تمتلك بحد ذاتها، وفي الصمت الذي يسبقها، والذي يأتي بعدها، مشهدا كاملاً، وشحنات معقدة ما بين الشخصيات. وإذا استطعنا أن نتوصل إلى ذلك، وإذا بحثنا بالإضافة إليه عن السبل الفنية لإخفائه، حينئذ نتوصل إلى قول هذه الكلمات بكيفية سهلة بحيث تعطينا الانطباع بأن هذه هي الحياة. بالتأكيد، هذه هي الحياة ولكن برداء وشكل أكثر تركيزا، وأقل قصرا، ملتقطة من الزمن ومن الفضاء. و بهذه الطريقة نعود من جديد إلى مسألة الفضاء.
 
 
 
التألق، كل لحظة
المشكلة كل المشكلة تكمن في معرفة ما إذا كان هذا التألق موجودا، هذه الشعلة الصغيرة التي تتوقد لكي تعطي الكثافة لهذه اللحظة الملتقطة، أم لا. ذلك لأن الالتقاط والتكثيف غير كاف. نستطيع دائما أن نختصر نصا مسرحيا طويلا، مليئاً بالثرثرة، غير إننا نبقى أمام شيءٍ مملّ، مضجر. انه من المدهش جدا رؤية إلى أي درجة يبدو الشكل المسرحي  مُتَطَلٌباً وذلك لأن هذا التألق والاشتعال الصغير للحياة يجب أن يكون موجودا هنا، لحظة بعد لحظة.
إن هذا لا يوجد إلا في المسرح وإلا في السينما. إن الكتاب يمكن أن يمتلك بعض التوقفات والفراغات ولكن في المسرح إذا كان المشهد غير دقيق أو مضبوط في توقيته، فإنه يمكن أن يضيع الجمهور من لحظة لأخرى. إذا توقفت الآن عن الكلام… سنسمع الصمت … الجميع متيقظ…  ويكفيه تفاهة صغيرة لكي يفقد زمام هذه اللحظة من الترقب والانتباه. ويكاد أن يكون فوق قدرة البشر التمكن من تجديد المصلحة باستمرار، والعثور على هذه الحداثة، هذه الطراوة، هذه الكثافة، لحظة بعد أخرى. ولهذا السبب لا توجد، مقارنة بالفنون الأخرى، إلا أعمال درامية قليلة عظيمة في العالم؛ وذلك لأن الخطر موجود دائما في كل لحظة، يكاد فيها أن يختفي ألق والتماع الحياة. ولأجل أن يكون هذا الألف حاضرا، يجب، بدقة تحليل الأسباب التي أدت إلى اختفائه في اللحظات الأخرى. ومن أجل ذلك، لا بد من ملاحظة ومراقبة الظاهرة بنوع من الوضوح.
يبدو لي إذن، أن من المهم جدا، في هذا الفصل الأول، المرور باستمرار، من المسرح الكلاسيكي إلى مسرح البوليفار، ومن الممثل الذي يتمرن خلال عدة اشهر إلى الممثل الذي  عليه أن يتمرن وينهي العمل خلال عدة أيام، ومن نقد بعض الأشكال المسرحية إلى إمكانية نقد أشياء أخرى، ومن ملاحظة الشروط الاقتصادية للإنتاج وهذا ما يمكن تحقيقه بالكثير من الأموال، وهو أيضا ممكن عندما تتوفر نقود أقل…
أتمنى أن استحضر جميع هذه المجالات معا، هذه التي لا تستطيع أن تتحقق إلا فوق المسرح، مع ديكور وإنارة، وهذه التي لا تتحقق دون إنارة وديكور، في الهواء الطلق… من أجل أن أبرهن على أن الظاهرة المسرحية الحية غير مرتبطة بالشروط والعوامل الخارجية.
يمكننا أن نذهب ونشاهد مسرحية عادية جدا، موضوعها دون المتوسط، ومع ذلك فهي قد حققت نجاحا كبيرا، وربحت أموالا كثيرة في مسرح تقليدي جدا، وفي بعض الأحيان نجد في هذا المسرح التقليدي، أن ألق والتماع الحياة يفوق في نسبته ما يحدث عند أشخاص تغذوا على تعاليم برشت وأرتو واشتغلوا في ظروف وبموارد جيدة منحت لهم من قبل مؤسسة كبيرة، مع دراسة سينوغرافية جيدة، وتحليل جيد لمحتوى المسرحية … يقدمون عملا مدعوما بكل ما يجعل عملهم في الوقت الحاضر جديرا بالاحترام.
أمام هذا النوع من العروض بإمكاننا أن نمضي بسهولة جدا ليلة "كئيبة" ونحن نرى كل شيء موجوداً ومتوفراً فيها إلا الحياة. إن من المهم جدا أن نستنتج هذا ببرود، وبوضوح، وبلا رحمة أو شفقة، خصوصا إذا أردنا أن نتجنب الوقوع تحت تأثير هذا التفاخر الذي نطلق عليه "ثقافة". لهذا السبب أراني أركز، في هذا الفصل الأول، على تقديم مؤلف كبير مثل شكسبير، أو عمل كبير مثل الأوبرا. أن بإمكان نوعية العمل الأدبي أن تقودنا  نحو الأفضل مثلما بإمكانها أن تقودنا نحو الأسوأ. وكلما كان مستوى العمل كبيراً، عظم خطر الضجر إذا جاء العمل غير متقن.

 
المادة الإنسانية
انه من الصعب دائما أن يقبل أولئك الذين كافحوا مرارا وتكرارا بصعوبة، لأجل الحصول على إمكانيات إنتاجية من اجل اقتراح عمل ذي قيمة أدبية كبيرة، بالوقوف أمام جمهور غير مكترث. أننا مجبرين تقريبا على الدفاع عن المحاولة، ونصاب دائما بخيبة الأمل لان هذا الجمهور، في كل البلدان، يرفض هذه الأعمال ويفضل عليها ما نجده نحن اقل جودة ونوعية. ولو نظرنا هنا جيدا، لاستنتجنا أن العمل الكبير والرائع قد قدم فعلا، ولكن من دون أن تكون الحياة حاضرة فيه. علما، بأننا عندما نتأمل عن كثب، هذا التحليل، نلاحظ أن الشيء الوحيد الذي يمكن القيام به، انه يقودنا إلى الفضاء الخالي.
إذا أخذنا -بشيء من الآلية- فكرة أننا من اجل أن نقوم بعمل المسرح يجب أن نبدأ بخشبة مسرح، ونص، وإخراج، وديكور، وإضاءة، وموسيقى، وآرائك …  إذا أخذنا بذلك بشكل بديهي، فإننا نتورط بسلوك طريق مغلوط. إن هذا يمكن أن يكون حقيقة وواقعاً في السينما، ففي السينما نحتاج على الأقل إلى كاميرا، إلى شريط سينمائي، إلى إمكانيات لتحميض هذا الشريط، ولكن لكي نقوم بعمل المسرح، ولكي نمتحنه، ونفهمه، فليس هناك إلا شئ واحد نحن بحاجة إليه: المادة الإنسانية. وهذا لا يعني أن البقية الباقية من الاحتياجات ليس لها أهمية كبيرة، ولكن فقط أنها ليس بالمادة الرئيسية.
ربما تكونون قد حضرتم في السنة الفائتة، في مسرح البوف دي نور Theatre les Bouffes du Nord [12] في الموسم المسرحي لأفريقيا الجنوبية الذي حققناه من خلال عروض سرافينا   sarefina و وزا آلبرتو Woza Albert. أحد مؤلفي هذه العروض، قبل أن يعمل في المسارح البيضاء. في أفريقيا وفي آخر العالم، عمل مع فرقة مسرحية صغيرة لا تقدم أعمالها إلا في town-ship، في sowet[13] ، منذ عشرين عاماً. وكان هذا المؤلف يتعاون مع كبسون كنت Gibson Kente، أحد المخرجين المدهشين الذين خلقوا حركة المسرح الزنجي، وهو مسرح شعبي مليء بالأغاني وباقي عناصر الحياة اليومية… وقد كانوا يمثلون في كل مكان حيثما يستطيعون، لأنه لا يوجد مسرح في أي منطقة خاصة بالزنوج Township[14] لقد قال شيئا مثيرا ومؤثرا جداً: ( لقد قرأنا جميعاً "الفضاء الخالي"، وهذا ما ساعدنا جدا في حقيقة الأمر).
 
الجملة الأولى
ابعد من المتعة التي يمكن أن يحصل عليها مديح مثل هذا، تساءلت مع نفسي كيف يمكن لهذا الكتاب أن يؤثر على الممثلين الذين يشتغلون في مثل هذه الظروف ؟. بعد كل شئ، إن الجزء الكبير من هذا الكتاب قد كتب قبل تجاربنا في أفريقيا وفي باقي أنحاء العالم، التي تحيل إلى مسارح لندن، باريس، ونيويورك …
إذن، ما الذي استطاعوا أن يجدوه في هذا النص من نافع ومفيد؟ كيف استطاعوا أن يعتبروا هذا الكتاب هو أيضا ومفيداً لهم؟ لقد، طرحت عليهم السؤال وكان جوابهم:" الجملة الأولى" !
( يمكنني أن أتناول أي مكان خال، فأسميه مسرحا عاريا. وكل ما يقتضي  الفعل المسرحي هو أن يمشي شخص عبر تلك الفسحة في حين يراقبه شخص آخر.)
لقد كانوا مقتنعين أن العيش والقيام بعمل المسرح في ظروفهم هذه كان بمثابة تعاسة وشقاء محتوم لا مفر منه لانه لا توجد أية بناية "للمسرح" في المناطق المخصصة للزنوج twnships  في كل أنحاء أفريقيا الجنوبية. لقد كان لديهم الإحساس بأنهم لا يستطيعون أن يذهبوا بعيدا ولا أن يفعلوا الشيء الكبير طالما انهم لا يملكون مثلما يملك بيض Johannesburg، أو بيض المدن الخرافية، باريس، لندن، نيويورك … هذه المسارح ذات الألف مكان والستائر، والسقف المسرحي، الإضاءة والبروجكترات الملونة. كانوا مثل ذلك الموسيقي الذي مع نايه يحلم بأوركسترا برلين السمفونية الكبيرة! عندما وصل إليهم فجأة كتاب  يؤكد في جملته الأولى قائلاً: إذا كان هنالك شخص، لم يصرح بمكانه، يعبر فضاءا ما، في حين يقوم بمراقبته شخص آخر، فإن هذا يحتوي على كل شئ. "وانه كل ما لديكم وما تحتاجون إليه لكي تقوموا بعمل المسرح." وهنا كان الارتياح الكبير.
 
النظرة واللقاء
لقد كتبت في بداية كتابي "الفضاء الخالي": "كل ما  يقتضيه الفعل المسرحي هو أن يمشي شخص عبر تلك الفسحة في حين يراقبه شخص آخر وهذا كاف لان يفجر الفعل المسرحي". مع هذا فإننا عندما نتحدث عن المسرح فلا نقصد ذلك المعنى على الإطلاق. لقد ارتحت كثيرا لعثوري على كلمة " يفجر". وأضيف اليوم لما قلته سابقا في الجملة الأولى من "كتابي الفضاء الخالي": لا بد من شخص ثالث. إذا وجد شخص واقف، وآخر ينظر، فهذا يعني أن هناك فعل مسبقاً، موجود فيه كل شئ ، شرط أن يذهب هذا الفعل ابعد كثيرا. إذن، لا بد بعد ذلك من اللقاء. لا بد من توفر عنصر ثالث: شخص ما ينظر، شخص ما يمكن أن يكون وحيداً خلال بضع دقائق، ثم شخص ثالث لكي يدخل معهم في علاقة. هنا، يمكن أن تدب الحياة وتبدأ بالجريان و من المحتمل أن تذهب بعيدا إلى ابعد حد.
لهذا السبب بالذات، كنت نادرا ما اقتنع كمسرحية الممثل الواحد One man Show. نعثر في مسرح المنوعات ( تمثيل ورقص والعاب بهلوانية الخ …)، مثلما في فن الحكواتي، على علاقات مباشرة مع الجمهور. شخص واحد يتوجه مباشرة إلى أشخاص آخرين، وهذا بحد ذاته أخذ ورد، وتواصل حيث يحكى فيه ومن خلاله شئ ما، ويمكن أن يكون كل هذا عظيماً ومعمولاً بشكل جيد، ولكن مع هذا، أنا شخصيا لا اكتفي بذلك أبدا. هذه العلاقة لا اسميها علاقة "مسرحية" لأنها ليست استدعاءاً للحياة ولا استحضاراً لها. ينقصها دائما شئٌ ما. ينقصها هذا الذي يحدث ما بين شخصين متقابلين، وأمام جمهور.
لنأخذ مثلا: إذا التقي شخصان، دون أي نظرة خارجية، مثلما يحدث عادة في التمرين، حيث توجد المحاولة وخطر الاعتقاد بأن هذه هي العلاقة الوحيدة الموجودة. وهكذا، نستطيع أن نقع، في شراك التركيز الداخلي الذي يصبح نرجسياً وبلا معنى. وبهذه الطريقة، نرى كيف تفقد في النهاية المجاميع التي تقضي وقتا طويلا في التمرين، إمكانية العثور على الطاقة التي تولد في حضور العنصر الثالث: المتفرج. إننا بمجرد ما نحس أو نشعر بوجود هذا الشخص الثالث وهو ينظر إلينا، تتحسن تلقائيا شروط وظروف التمرين بشكل أفضل.
غالبا ما نستخدم البساط كفضاء في تمريناتنا، وباتفاق واضح جدا مع الممثلين: خارج البساط يعني أننا في الحياة اليومية، وبإمكاننا أن نفعل ما نشاء وما نهوى من أفعال وتصرفات، يستطيع الممثل أن يفقد طاقته، أن يقوم بحركات لا تدل على شيء معين أو خاص، يحك رأسه، ينام … كل هذا ليس له أهمية، ولكن حالما ما نجد أنفسنا فوق البساط، لا بد من توفر وامتلاك غاية واضحة، وأقول اكثر، نكون داخل حياة كثيفة. وهذا سهل جدا عندما يوجد الجمهور.
لنقم بتجربة: هل بإمكان شخصين من بينكم أن يعثرا على الفضاء وان يقولا لبعضهما
" نهار سعيد" ؟
(ينهض رجل وامرأة ويجدان لهما فضاءا أو مكانا لازما لتطبيق التجربة)
المرأة : نهار سعيد !
الرجل: نهار سعيد !
( قوموا بذلك ثانية)
المرأة : نهار سعيد !
الرجل: نهار سعيد !
كان ذلك رائعا وساحرا جدا، ولكن هل بإمكاننا أن نقول أن هذه الثواني الخمس كانت ممتلئة بهذا النوع من الصفاء، بهذا النوع من الجدة والدقة، وان كل لحظة من هذه اللحظات الخمس لا تنسى بل تبقى عالقة في الذهن وفي الذاكرة ؟ هل تحلفون، انتم، الجمهور، أن بإمكانكم الحفاظ على هذا المشهد في ذاكرتكم مدى الحياة ؟ إذا كنتم تستطيعون فأجيبوا "بنعم" وان استطعتم أن تقولوا في الوقت ذاته أن " هذا كان طبيعيا "، فهذا يعني إن ما حدث منذ قليل قد تحول إلى حدث مسرحي.
في مسرح النو “No”، يأخذ الممثل خمس دقائق لكي يقطع نفس المسافة ويصل إلى مركز أو وسط المسرح، مع ذلك فإن، هذا لا يبدو عليه انه أسلوبٌ طبيعي وإنما هو اتفاق. لماذا يقوم هذا الممثل، يقوم بفعل نفس الشيء الذي تقومون انتم بفعله، ولكنه أبطأ منكم بألفي مرة، هل لانه يثير الفتنة لدرجة أن يصبح فيها بعيدا عن المقاومة ؟ لماذا حينما ننظر إليه، نتأثر وننبهر؟  لماذا نكون مرغمين على متابعته ؟ واكثر من هذا أيضا، لماذا يكون معلم مسرح النو اكثر عظمة أيضا ؟ وخارقاً للعادة ؟ ماذا سيكون الفارق ؟
مازلنا حتى هذه اللحظة لم نتطرق بعد إلى المضمون واكتفينا وبكل بساطة، بالحديث عن الحركات. هنالك اختلاف جوهري ما بين هذا الذي يعطي الحياة توهجا وهذا الذي هو يومي. بإمكاننا[15]، كما لو تحت عدسة مكبرة، أن نعثر وان نرى كل شئ في هذا الشيء البسيط جداً، حيث ممثلان يقولان لبعضهما " نهار سعيد". إذا قام هذان الشخصان بفعل ذلك بطريقة متقنة، سنكون في لحظة من اللحظات أمام الحياة المرئية والواضحة للغاية.
 
لا تكن كيفما اتفق
إن هذا يتعلق بأشياء دقيقة جدا،خصوصا حينما نكون تحت الأنظار[16]. فإن نظرة الجمهور هي العنصر الاول الذي يساعد. إذا أحسسنا بهذه النظرة مثل حاجة ضرورية حقيقية تطالب في كل لحظة من اللحظات بأن لا يكون هنالك شئ مجاني، ولاشيء رخو وإنما الكل يجب أن يكون في حالة يقظة، عندئذ نفهم بأن الجمهور يمتلك وظيفة فعالة. انه لا يحتاج إلى "تدخل"، أو إلى إيضاح لأجل الاشتراك. انه مشترك باستمرار من خلال حضوره اليقظ. إن هذا الحضور يجب يكون محسوسا مثل تحدٍ إيجابي، مثل المحبوب الذي لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بالمثول أمامه كيفما اتفق.
لقد اعتادت الحياة اليومية أن تكون كيفما اتفق. ولكننا إذا تعرضنا لامتحان أو تحدثنا إلى مثقف، فسوف لن نفكر أو نتكلم كيفما اتفق، بقدر ما سيكون الجسد كذلك. وفي حضرة إنسان مريض يتعذب، سوف لا يمكننا أن نتعامل في المشاعر والأحاسيس كيفما شاء واتفق، سنكون رقيقين، منتبهين، ولكن البال سيكون غامضاً وغير واضح، وكذلك الجسد أيضا. وعلى العكس من ذلك، إذا قمنا بعمل حرفي دقيق، مصلح ساعات، خياط، سيكون الجسد مستنفرا حتى أطراف الأصابع، أما الرأس فسيكون بإمكانه أن يحلم.
من اجل أن تكون واضحا على الوجه الأكمل في النوايا والمآرب الفكرية التي تتبادلها مع الشخص الأخر، دون لف ودوران في حقيقة المشاعر وان يكون الجسد مضبوطا ومتوازنا، مبينا ذلك بحساسية مفرطة ، نرى أنه ما من عنصر من العناصر الثلاثة التي تكوننا- التفكير، الشعور، الجسد- بإمكانها أن تكون "كيفما اتفق".
نفهم إذن، من مثالنا هذا " أن شخصا يجتاز فضاءا، يلتقي بشخص آخر تحت أنظار شخص ثالث "، هنا بالإمكان خسارة وربح كل شئ. لكي نربح كل شئ ولكي يكون بإمكاننا الحديث عن "الفن" يجب أن نكون قادرين أن نميز بكل دقة هذا الذي يخلق أو يكبح حركة الحياة في داخل هذا الاقتراح.
احب ألان سماعكم، وان نتبادل أطراف الحديث قليلا حول كل ما قيل حتى هذه اللحظة.
ألا تعتقدون إن الممثلين الغربيين لديهم صعوبات اكثر من غيرهم، واستحضر هنا على سبيل المثال ممثلين مسرح النو، في الحصول على امتيازات الحضور؟
إن الجسد هو العنصر الأساس. في جميع أجناس كوكبنا، وباستثناء المريخيين Les Martiens ،فأجسادهم هي نفسها تقريبا. بإمكاننا أن نلاحظ بعض الاختلافات في الطول، في اللون، ولكن بالنسبة للأساس، الرأس هو دائما فوق الأكتاف، الأنف، العيون، الفم، البطن، الأقدام … كلها في نفس المكان. إن أداة الجسد هي نفسها في العالم اجمع، والذي يختلف هو الأساليب، والثقافات.
 
 
 
اليابانيون وقادة الأوركسترا
حينما ذهبنا لأول مرة إلى اليابان، التقينا ببعض الفنانين اليابانيين حول موضوع " الفضاء الخالي". لم اكن أتخيل إلى أي درجة كان هذا الموضوع يشكل جزءا من الزين[17] Zen، من ثقافتهم المتأسسة على فكرة الفضاء، وفكرة الفراغ. نستطيع، في الغرب، أن ندرك ونثمن الفراغ ولكن بشكل مختلف عن أدراك وفهم وتقدير الشرقي له. يقول بعض متفرجي مسرح البوف دي نورد، عندما يشاهدون فضاءا،" آه ، أسلوب شرقي! ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍". أنا لا أبالي بما يقولون، ولكن هذا غير صحيح. لقد وجد هذا الفراغ لأسباب تجعله ضرورياً، سواء كنا وكان في الشرق أم في الغرب.
في اليابان نستطيع أن نلاحظ إن نمو جسم الطفل افضل بكثير من نمو جسم الطفل في بلادنا. فأبتداءاً من عمر الثانية، يتعلم الطفل الياباني الجلوس بطريقة متوازنة، معتدلة تماما؛ وبين سنتين وثلاث يبدأ بالانحناء بانتظام، وهذا بحد ذاته تمرين عظيم للجسد. في فنادق طوكيو، هنالك فتيات شابات جميلات جدا يبقين واقفات طول النهار أمام بوابات المصاعد الكهربائية، ثماني ساعات في اليوم، وينحنين في كل مرة يفتح فيه باب المصعد الكهربائي أو يغلق. إن هذا لمدهش، ولكن لو اختيرت واحدة من هذه الفتيات من قبل مخرج مسرحي لعمل مسرحي، كونوا على ثقة بأن جسدها سيكون متطورا جدا.
عندنا الأشخاص الوحيدون الذين، في عمر التسعين سنة، ولديهم جسدٌ نامٍ ومتطور اكثر حتى من الأفارقة، هم قادة الأوركسترا. إن قائد الأوركسترا، يقوم كل حياته بممارسة، الحركات التي تبدأ بانحناء النصف الأعلى من الجسم، دون أن يعتبر ذلك تمرينا. انه محتاج لان يمتلك، مثل الياباني، بطناً قوية، لأجل القيام مع باقي أجزاء الجسد بحركات معبرة بطريقة لا تصدق. إن هذا الحركات ليست بالحركات البهلوانية أوالجمناستيكية، الصادرة عن توتر وانسداد بل هي حركات العاطفة و التفكير الدقيق فيها مرتبطان. إن هذه الدقة في التفكير التي يحتاج إليها قائد الأوركسترا لأجل أن لا يفقد أي تفصيل موسيقي، وهذا الشعور الذي يجب أن يتبعه في جميع الحركات الموسيقية، وهذه العين اليقظة والساهرة على الأوركسترا بكاملها والجسد دائم الانحناء، والنهوض، واذرع تتحرك باستمرار مثل ذراعي سباح، كل هذا يسمح لقائد الأوركسترا في عمر التسعين أن يمتلك جسداً في غاية المرونة.
علما بأنه لا يقوم برقصات محارب أفريقي شاب، ولا بأداء التحايا اليابانية! إن إنكليزياً قائداً كبيراً لأوركسترا من بداية هذا القرن ادعى أن (قادة الأوركسترا، في القارة، مهيئون بشكل افضل لأنهم ، عندما يلتقون بامرأة، ينحنون لكي يقبلوا يدها). وينصح كل الشباب الإنكليزي بالانحناء وتقبيل أيادي جميع النساء اللواتي يلاقونهن …
إذن لديك الحق، هناك اختلاف في نمو وتطور الجسم الشرقي والغربي. عندما كنت اصطحب ابنتي وهي في عمر الثالثة أو الرابعة إلى دروس الرقص، أذهلت، فزعت، من حالة أجسام أطفال مجتمعنا. لقد رأيت أطفالا في عمر ابنتي أجسامهم قد تحجرت مسبقا، بلا إيقاع. إن الإيقاع ليس بموهبة خاصة. في سن الثالثة، نعثر عليه بشكل طبيعي بنفس الطريقة التي نتحرك بها بشكل طبيعي،مثلما في جميع المجتمعات التقليدية. غير إن أطفال المدينة يقضون حياتهم جامدين أمام التلفزيون، وفي سن الثالثة يذهبون إلى مدرسة الرقص بأجساد متحجرة يابسة.

صورة سماح يحيى