الصيف يزداد سخونة على الجبهة السورية..




الصيف يزداد سخونة على الجبهة السورية..
راسم عبيدات
*


..... كل الدلائل والمؤشرات والتطورات، تشير إلى أن المنطقة تتجه نحو حرب إقليمية شاملة. فعمق الأزمات الداخلية الأمريكية والإسرائيلية، والتعثر الشديد في سياساتهما الخارجية، بل والفشل المتكرر لهما، بدءاً من أفغانستان وانتهاءاً بغزة، يعزز من هذا التوجه والنهج، فالمأزق الأمريكي في العراق يزداد ويتعمق ويتوسع، والمقاومة في تصاعد وتطور نوعي، والخسائر البشرية الأمريكية في ازدياد وارتفاع، وإسرائيل من فشل القضاء على حزب الله في لبنان، إلى فشل القضاء على المقاومة الفلسطينية في القطاع.

ولهذا فإن المخرج الممكن أمام قوى اليمين المتشدد في كلا البلدين من أجل الإستمرار في الإمساك بالسلطة والحفاظ على مصالحهما، هو دفع الأمور نحو الحرب الإقليمية الشاملة، وخصوصاً أن الإدارة الأمريكية كانت تراهن على فك عرى التحالف بين سوريا وإيران من خلال تطويع النظام السوري، بعد فشل محاولات حصاره وعزله إقليمياً ودولياً.

ولكن هذه الخطوة لم تنجح، حتى أن قوى اليمين المتشدد الأمريكية وعلى رأسها، نائب الرئيس "ديك تشيني" تعارض توجه وزارة الخارجية الأمريكية بالسماح لإسرائيل بإجراء مفاوضات مع سوريا حول هضبة الجولان.

وضمن ذلك بدأت القيادتان الأمريكية والإسرائيلية بالتمهيد لهذه الحرب، بالحديث عن استعدادات وحشودات سورية على الجولان، وتسلح الجيش السوري بأسلحة حديثة، وكذلك استمرار تهريب السلاح إلى حزب الله، بما في ذلك صواريخ إيرانية بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى قلب المدن الكبرى لتصل إلى بئر السبع وغيرها.

وفي هذا السياق جرى العمل على تشكيل طاقم وزاري إسرائيلي من أحد عشر وزيراً لمناقشة خطط الجيش في حالة نشوب حرب مع سوريا، وتوجه وفد عسكري إسرائيلي برئاسة وزير المواصلات الإسرائيلي "شاؤل موفاز" إلى واشنطن لحضور وعقد جلسات الحوار الإستراتيجي الأمريكية- الإسرائيلية، والتي سيكون في صلب مناقشاتها البحث في مخاطر امتلاك إيران للسلاح النووي. حيث يقول " موفاز " في هذا السياق إن إيران مستمرة في مساعيها، بل ومصممة على امتلاك السلاح النووي، وهي غير مكترثة ومهتمة بقرارات مجلس الأمن، المتعلقة بمنعها من امتلاك التكنولوجيا والأسلحة النووية، ويقول أيضاً إن الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى من طراز فاتح 110، والتي يجري تهريبها من سوريا إلى حزب الله، قادرة على الوصول إلى قلب المدن الرئيسية الكبرى، وإن سوريا تعمل على تقويض الإستراتيجية الأمريكية في العراق، وكذلك فإن حماس تسعى للسيطرة على السلطة عسكرياً وسياسياً، ناهيك عن أن السلطة في لبنان تترنح والأوضاع غير مستقرة، بما يجعل الحدود الشمالية غير آمنة.

أمام كل هذه المعطيات، فمن المرجح أن تبدأ الجبهة الشمالية بالازدياد سخونة خلال الشهرين القادمين، وبما يمكن من كسر الحلقة السورية، والتي تشكل شريان رئيسي في العلاقة الإيرانية السورية وقوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وكسر الحلقة السورية من شأنه، إضعاف وتهميش قوى المقاومة والممانعة والمعارضة الشعبية والرسمية العربية للمشاريع الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة، حيث يجري طرد وإغلاق كافة مكاتب الثورة الفلسطينية في سوريا، ووقف دعمها وإسنادها لقوى المقاومة اللبنانية، وتحديداً حزب الله من خلال السيطرة على الحدود السورية اللبنانية، وبما يضمن تدويل لبنان وإقامة حكومة فيه تدار وتأتمر بأوامر وتعليمات السفير الأمريكي في لبنان، ناهيك عن توفير الأمن والاستقرار لمنطقة الشمال الإسرائيلي، وبما يمكن من عزل إيران، واحتواء مخاطر توسعها الإقليمي، والذي يشكل خطراً مباشراً على الوجود والمصالح الأمريكية في المنطقة، وخصوصاً أن إيران غدت قوة إقليمية، ولها تأثيراتها الواسعة في أكثر من ساحة، الساحات العراقية واللبنانية والفلسطينية، وهي بالتالي تستطيع أن تضع العصي في دواليب المشاريع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

وهذا ما ثبت في الصيف الفائت، عندما قامت إسرائيل بحربها العدوانية على لبنان بالوكالة عن أمريكيا، واستطاع حزب الله أن يلحق الهزيمة بإسرائيل، ويمنع ولادة الشرق الأوسط الكبير الذي كانت تخطط لإقامته أمريكيا في المنطقة، وبالتالي فإن الحديث عن التلويح بالعصا الأمريكية للسوريين لا معنى له، فالقيادة السورية لن تقبل بأية تسوية، لا تعيدها إلى خطوط الرابع من حزيران، وخصوصا أن الأسد الأب رفض المقترحات الأمريكية السابقة، وكذلك فإن إقرار المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، لن تكون ورقة قوية في يد الإدارة الأمريكية لتجريم وإدانة القيادة السورية، حيث أن الوضع الداخلي اللبناني، أصبح رجاجاً إلى حد كبير، وسوريا وحلفاؤها يملكون أوراق قوة في الساحة اللبنانية، والعقوبات على سوريا غير مجدية، وخلق اصطفاف وتحالف أمريكي - إسرائيلي – عربي ضد سوريا، فيه تحرج ومخاطر على أنظمة الاعتدال العربي.

وكذلك تدرك سوريا جيداً، أن الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية غير جادتين في المفاوضات، وهما تعملان على إدارة الأزمة، وخلق اصطفافات عربية خلف مشاريعهما، وبعد تحقيقها يتم طرح اشتراطات جديدة على العرب، من خلال الموازين على الأرض، وليس وفقاً لمقررات الشرعية الدولية، ومن خلال مفاوضات ثنائية وسرية، أثبتت عقمها وفشلها، حيث أن الطرف الفلسطيني دفع وما زال يدفع فاتورتها ثمناً باهظاً، فأوسلو كان دماراً ووبالاُ على الشعب الفلسطيني، حيث أحدث حالة من الإنقسام السياسي والمجتمعي الفلسطيني.

وهذا المشهد واضح جيداً للقيادة السورية، وهي ترفض أن تدخل إلى هذا الفخ، وهي تصر على مواقفها بأن الإنسحاب هو شرط للتفاوض، وليس التطبيع والمفاوضات السرية، ومن هنا نقول أن الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية تدركان جيداً، أنه لا مناص من حسم الأمور عبر القوة العسكرية، لأن تركها على غاربها، وبما يستتبعها من تهديد ومخاطر جدية على المصالح الأمريكية في المنطقة، وخصوصاً أن الانتصارات التي تحققها وحققتها المقاومتان العراقية واللبنانية، أصبحت ملهما ومرشداً لقوى إقليمية ودولية للتمرد وتحدي السياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وخصوصاً المقاومة الفلسطينية.

ولم تقف الأمور عند حد الإعتراض عليها، بل ومقاومتها، وهذا يمهد لامتداد مفاعيلها وتأثيراتها لأقطار عربية أخرى، كانت أنظمتها أدوات طيعة في يد الأمريكان تخدم أهدافهم وتنفذ سياساتهم. ولذلك فإن ما هو مرجح ورغم كل الحديث الإسرائيلي عن أن إسرائيل ستحاول تجنب المواجهة العسكرية مع سوريا، إلا أن الوقائع وتعارض وتضارب المصالح، وعمق الأزمات الداخلية أمريكياً وإسرائيلياً، والفشل المتلاحق والمتواصل لسياساتهما الخارجية يعزز من أن المنطقة ستشهد صيفاً ساخنا، وهو ينتظر فقط تحديد اتجاهات الضربة ومن يقوم بها أمريكيا أم إسرائيل، وهذا رهن بمدى قدرات أمريكيا على خلق اصطفاف عربي خلف سياساتها وتوجهاتها العسكرية في المنطقة.


* كاتب مقدسي
8/6/2007

صورة راسم عبيدات