Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

الخطأ الذي وقع فيه الطيب صالح وندم عليه

  في كتابه الشيق " علي الدرب ... مع الطيب صالح ـ ملامح من السيرة الذاتية " الذي صدر عن مركز الدراسات السودانية بالقاهرة في العام 1997م ، كتب الأديب السوداني طلحة جبريل مارواه الأديب الكبير الطيب صالح ـ صاحب رواية موسم الهجرة إلي الشمال ودومة ود حامد وضو البيت ومريود وغيرها من الأعمال الأبداعية التي أثرت حياتنا الأدبية ـ من ذكريات عن فترة عمله مستشاراً لوزارة الإعلام السودانية في ستينيات القرن الماضي وعن أصدقائه ورفاق عمره حيث تحدث عن صديقه تاج السر محمد نور بقوله :
ـ في بداية حياتي كنت محظوظاً لأنه كان لي بعض الأصدقاء من أقاربي ، وكان من بين هؤلاء وأقربهم إلي نفسي  تاج السر محمد نور .
  كان تاج السر صديقاً للطيب صالح فهو ابن عمته رحمة التي كانت بنتاً وحيدة بين تسعة من الأشقاء هم أعمام الطيب أنجبهم جده وكان الطيب صالح شديد الإعجاب بها .
 عمل تاج السر موظفاً في إدارة الجمارك السودانية ووصل فيها إلي وظيفة مساعد مدير عام جمارك ميناء بورسودان ..
  وكان تاج السر رجلاً فاضلاً كما يصفه الطيب ، نشأ في بيت ورع وتقوي لأب اسمه محمد نور طه الفضل ، كان يتمتع باخلاق الفرسان ونبلهم ، وتواضع البسطاء وشهامتهم ..
  ولشدة حب الطيب صالح بعمته رحمة ـ أم تاج السر ـ فقد أطلق عليها لقب الـ" ليدي Lady " كما يقول الإنجليز فهي تجمع في شخصيتها الأثيرة بين صفات النبل والكياسة وتلقي احتراماً كبيراً من جميع الأهل والأشقاء الذين يلجأون إليها طلباً للنصح أو كلما واجهت أحدهم مشكلة فتقدم لهم الرأي الصائب والمشورة الصحيحة وتخفف عن كواهلهم عبء الحياة وكأنها الأم الرؤوم .
  ويستمر الطيب صالح في سرد بعض الذكريات عن فترة عمله في سنوات الستينيات كمستشار لوزارة الإعلام السودانية ، ففي عام 1966 م شرع المستشار في إدخال بعض الإصلاحات بداخل وزارته وطالت بعضها الإذاعة السودانية ، حيث سعي ضمن إصلاحاته إلي وقف إذاعة بعض البرامج التي لا تتناسب مع فترة البث الإذاعي في المساء ومنها نشرة أخبار كانت تذاع في الثامنة مساء تشتمل فقراتها علي إذاعة أسماء الوفيات في السودان معتمدة علي مبادرة من أهل المتوفي الذين يتصلون بالإذاعة يبلغونها باسم المتوفي ومحل إقامته وزمان ومكان الدفن وبعض أسماء أقاربه ليستطيع باقي الأقارب في البلاد معرفة الخبر ..
  وكانت هذه النشرة تستحوذ علي نسبة عالية من المستمعين الذين يحرصون حرصاً شديداً علي متابعتها فهي تمثل بينهم همزة وصل لإهميتها للوقوف علي أخبار الأهالي وحالات الوفاة ..
  ورأي الطيب صالح في هذه الفقرة صورة قاسية ، فطلب من مدير الوزارة وقتها إبراهيم حسن خليل ضرورة العمل علي إلغائها خاصة بدعوي أنه لا توجد إذاعة في العالم  تقدم مثل هذه الخدمة ..
  في البداية لم يقتنع المدير بوجهة نظر رئيسه ورأي أن النشرة  يتابعها جمهور عريض من المستمعين بطول السودان وعرضها ، وبعد جهد جهيد وأخذ ورد وافق الرجل علي قرار المستشار بالإلغاء ..
   وبعد مرور وقت قليل وقع مستشار وزارة الإعلام الطيب صالح في حرج شديد من جراء قراره وشعر بكبير الندم علي فعلته ووجد أنه قد أخطأ بالفعل بعد قراره بالإلغاء ..
  فقد حدث أن تلقي الطيب صالح بعد ذلك برقية تلغرافية مفادها وفاة جده في قريتهم بالمنطقة التي تقع عند منحني النيل والممتدة من ديار الشايقية إلي منطقة الدناقلة التي تعد مستودعاً للحضارة السودان وحيث تشكل المزيج العرقي الذي يتكون منه مايسمي شمال السودان ..
  ولما كان الطيب صالح قد نبه مشدداً علي إلغاء النشرة فقد كان من الضروري عدم إذاعة خبر وفاة الجد الذي كان الأهل في القرية بإنتظار سماعه علي الفورعبر الأثير ليعرف باقي الأهل بالخبر فيتوافدون للمشاركة وتقديم واجب العزاء خاصة وأن لهم ضلعاً كبيراً يشغل منصباً هاماً في " البلد "..
  ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن ، وكان من الواجب بالطبع أن يذهب الطيب صالح لمسقط رأسه لحضور مراسم الدفن وقبول العزاء..
  ولم يكن يدر بخلد الطيب أبداً ان يقابل بثورة عارمة تمثلت في عم له يدعي " إمام" الذي يصفه الطيب بأنه رجل فاضل إلا أنه ـ في نفس الوقت ـ كان صعب المراس علي حد قول الطيب الذي كان يحبه حباً جماً ، وقد استبد بالعم الغضب الشديد بسبب عدم إذاعة الخبر عبر موجات الإذاعة السودانية ليعرفه القاصي والداني ..
   وارتفع أوار الغضب في نفوس الجميع من حوله ، إلا أن العمة رحمة بحصافتها استطاعت أن تجمع الشمل وتعيد الوئام وينعقد الصلح وتطفئ جذوة النار المتقدة في النفوس بما منحها الله من كياسة وقدرة ، وقامت بدعوة الجميع إلي مائدة غداء عامرة في بيتها كانت الخراف السمينة علي رأسها ، وطيبت خاطر الجميع ..
  ويحكي الطيب صالح عن وفاة هذه السيدة الكريمة وانتقالها إلي جوار ربها بقوله :
" كانت عمتي رحمة إنسانة رائعة جداً ، حزنت عليها حزناً شديداً حين توفيت ، تماماً كما حزنت علي أمي ، وعلي خالتي آمنة التي توفيت قبل فترة قصيرة من وفاة امي .
  ثم يعود الطيب صالح للحديث عن ابن عمته وصهره تاج السر محمد نور الذي ينحدر من نسل صالح ، ويحكي عن نشأتهما معاً في صداقة كبيرة بدأت منذ تفتحت عيونهم علي الدنيا حيث عاشا معاً مباهج الطفولة في القرية البسيطة ، ولم يكن ثمة فارقاً في السن بينهما سوي أن الطيب يكبرتاج السر بعام واحد ، كما أن تاج السر تزوج من شقيقة الطيب ..
  ونشا الطيب يتمتع بصداقة أعمام له يماثلونه في العمر انجبهم الجد بعد زواجه مرة أخري وهو في سن كبيرة وكانوا ثلاثة أعمام للطيب هم علّوب وسيد وعباس ..
  وهكذا نجد في شخصية الطيب صالح سمات إنسانية عالية ومحبة لمن صادقهم ، كما كان ـ رحمه الله ـ يمتلك القدرة علي مواجهة النفس ومراجعتها عند الخطأ دون أن يمتلكه الغرور أو تعتلج في نفسه المكابرة والثقة الزائدة   ..

ــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
بورسعيد
مصر  

" الخطأ الذي وقع فيه الطيب صالح وندم عليه "
=-=-=-=-=-=-=
  في كتابه الشيق " علي الدرب ... مع الطيب صالح ـ ملامح من السيرة الذاتية " الذي صدر عن مركز الدراسات السودانية بالقاهرة في العام 1997م ، كتب الأديب السوداني طلحة جبريل مارواه الأديب الكبير الطيب صالح ـ صاحب رواية موسم الهجرة إلي الشمال ودومة ود حامد وضو البيت ومريود وغيرها من الأعمال الأبداعية التي أثرت حياتنا الأدبية ـ من ذكريات عن فترة عمله مستشاراً لوزارة الإعلام السودانية في ستينيات القرن الماضي وعن أصدقائه ورفاق عمره حيث تحدث عن صديقه تاج السر محمد نور بقوله :
ـ في بداية حياتي كنت محظوظاً لأنه كان لي بعض الأصدقاء من أقاربي ، وكان من بين هؤلاء وأقربهم إلي نفسي  تاج السر محمد نور .

 

صورة محمد عبده العباسي