البورتريه المزدوج للخيال ـ ماريو بارجاس يوسا

ماريو بارجاس يوسا

دون كيشوت المبصر ودون كيشوت الأعمى
البورتريه المزدوج للخيال




ترجمة: مصطفى محمود

ماريو بارجاس يوسا
يُعد ماريو بارجاس يوسا المولود 1936 الكاتب البيروفي والسياسي والصحفي وكاتب المقالات واحداً من أهم الروائيين وكتاب المقالات والمؤلفين البارزين في جيله. ويعتبره بعض النقاد صاحب أكبر تأثير دولي عالمي من بين كتاب أمريكا اللاتينية. أصدر أول رواية له "زمن البطل" (1960) أعقبها روايات "المنزل الأخضر" و"مناقشة في الكاتدرائية" وغيرها. ومن رواياته الأخيرة "حرب نهاية العالم" و"عيد الماعز" و"الطريق إلى الجنة" (2003) و"الفتاة الفاسدة" (2006). ومن أعماله غير الروائية "قصص جارسيا ماركيز" و"مدام بوفاري: العربدة الأبدية" و"حقيقة الكاتب" و"الصيد في المياه" و"رسالة إلى الكاتب الشاب" و"لغة العشق" و"تأمل المستحيل". ويُصنف "يوسا" على أنه كاتب "حداثي" و"ما بعد حداثي".
أصدر مؤخراً كتاباً أسماه "الينابيع" من جامعة هارفارد يتناول فيه الصورة المزدوجة للخيال في الأدب من تخييل الواقع واستحضار الأسطورة إلى أرض الواقع: 
 
دون كيشوت المبصر ودون كيشوت الأعمى
البورتريه المزدوج للخيال
الينابيع



يمكن في المجتمع المطلع على الخيال الواقعي، أن تكون الحدود بين الواقع والخيال غير واضحة في اتجاهين متضادين. يعتمد أول هذه الأشياء على سرعة تصديق القارئ. فالعمل الخيالي يمكن أن يبكينا أو يضحكنا، تماماً مثل أحداث الحياة الحقيقية. وأحياناً يكون العمل الروائي قادراً على أن يفعل حتى ما هو أكثر، حيث يدفعنا ليس فقط إلى أن نشعر بالعواطف تتملكنا، ولكن إلى أن نعمل بموجبها كما لو إن أهدافها موجودة بالفعل وتحتاج إلى مساعدتنا أو تعاطفنا.  
ولا تعتمد الطريقة الثانية التي يمكن أن تتشوش فيها الحدود بين الواقع المادي والخيالي على سرعة التصديق، بل على القدرة على السخرية والاستخفاف في خبرة قارئ الرواية وذائقته. فحينما نواجه حادثاً حقيقياً يسبب الكثير من المنغصات العاطفية أو الالتواءات الحسية التي ترتبط بشكل طبيعي بالخيال، فنحن نخاطر بفهم هذا الحدث على أنه غير حقيقي أو خيالي. فالقراءة عن بشاعة الحروب ووحشيتها، أو عن المصائر المعقدة عن الأسلاف، تجعلنا نقيد تأثيرها المرهق والمشتت لنا بمقارنة هذه المصائر التي آلوا إليها بمثل مصائر أبطال الروايات أو الأفلام. ولذلك فنحن نعترف أن القصة التي حُكِيت إلينا يمكن أن يكون لها تأثير علينا، ومن ثم فنحن نفصل أنفسنا عن واقعيتها ونقلصها إلى إحدى الحكايات ضمن أسطورة تضم سلسلة من الحكايات. إن ما صار حدثاً إنسانياً فعلياً يصبح نصاً أو نسخة من حكاية مشهورة يمكن أن تؤثر فينا تأثيراً عميقاً في المرة الأولى التي نسمع بها، لكنها الآن تستثير فينا فقط رد الفعل المألوف والتقليدي.
إن السهولة التي نعبر بها يومياً الحدود بين الخيال والواقع في أي من هذين الاتجاهين تجمع بين السحر والإثارة. ونظراً إلى أنها تؤثر ليس فقط في الطرق التي تربطها بها بالكتب، بل أيضاً في الطرق التي نتخيل بها الأناس الآخرين، فهذه العملية الإدراكية تكتسب بعداً أخلاقياً إضافياً. إن أكثر ما يبدو مدهشاً في هذه العملية هو مساحة الحرية التي تتركها للمشاهد، فهو إما أن يعزو الواقع إلى الأحداث المدركة أو يأخذه بعيداً عنها. فالمدى الذي يبدأ عنده، ليس محدداً مسبقاً بناءً على بينة انطباعية أو دليل غير موضوعي يمكن الاعتماد عليه أو إقامته على إدراك عقلاني يقضي بأننا يجب أن ننزعج بشكل صحيح من بعض الأشياء وليس من أشياء أخرى. إنها بمعنى معين مشكلة أخلاقية، وليست مجرد شغف معرفي يقوم بعملية مسح للجداول الإحصائية عن ضحايا حرب حديثة، وكثيراً ما يتركنا أكثر بروداً ولا يؤثر فينا أكثر من مونولوج لشخصية من شخصيات "بلزاك" الروائية وهي تحتضر على فراش الموت.
إن الغشاوة التي تعتم على التفرقة بين الخيال والواقع ربما تحمل الكثير من الإثارة والرعب إذا عشناها في مجتمع منظم ومحدد التركيب نسبياً، والذي يكون مطلوباً من أعضائه بموجب القانون أن يقروا على الأقل بإنسانية بعضهم البعض. وكذلك، فإن هذه الغشاوة هي أيضاً مثيرة أكثر منها مرعبة في الإطارات الجغرافية والسياسية التي تكون محددة جيداً ومعرفة لنا، وهي الإطارات التي نكون قد قبلنا حساباتها بالفعل فيما يفصل الأحداث التاريخية الحقيقية والطبيعية عن الأساطير الشعبية والكائنات الأسطورية.
إن الجوانب الضارة والمظلمة في تذبذبنا العقلي فيما بين الخيال والواقع، تصبح أكثر وضوحاً وتبرز في جلاء في المواقف غير المألوفة، حينما يبدو أنها تحقق كل من التماشي مع الأساطير التي نعتز بها كثيراً منذ أمد بعيد، وتسمح لنا أيضاً أن نعلق واقع الأشياء التي عاملها المجتمع الذي اعتدنا أن نعيش فيه كشيء نموذجي وطبيعي.
وكما يشرح الكاتب البيروفي الشهير "ماريو بارجاس يوسا" في كتاب "الينابيع"، فإن مثل هذا الاختلاط والاهتزاز القوي في المفاهيم بين الخيال والواقع قد حدث مع المواجهة بين الثقافات القومية لأمريكا الجنوبية وثقافة الأوروبيين الفاتحين، وسنوات المفاوضات الثقافية غير السهلة والحساسيات التي تلت صراعاتهما العنيفة. وعند القدوم إلى أمريكا الجنوبية، وجد الإسبان على أرض الواقع الكثير من الأساطير الراسخة للثقافة الأوروبية: قبائل النساء المحاربات ومدن الذهب، وهو مناخ يشبه الجنة صالح للإخضرار والازدهار. وتعامل الأوروبيون مع الوطنيين الأمريكيين الذين قابلوهم على أنهم مادة الأساطير وعلى أنهم همجيون من غير البشر، فارتكبوا معهم الإبادة الجماعية ودمروا ثمار حضارات القرون القديمة. إن الأساطير التي من خلالها جعلوا هذا العالم مفهوماً بالنسبة لهم والتي من خلالها قد عبروا عن إعجابهم بثرائه، قد استُعمٍلت أيضاً لإخفاء الكارثة الأخلاقية لأفعالهم.
إن المشهد الثقافي الذي انبثق عن هاتين الحضارتين، هو مواجهة مفاجئة بنسختيها الحرفيتين غير المعقولتين لأكثر الخيالات الاجتماعية خيالاً، وظلت الكوابيس معلمة بهذا الغموض البدئي. إن ثقافة أمريكا الجنوبية محفورة بعمق في الأسطورة، لكنها ساخرة فيما يتعلق بالأهداف والنتائج الأخلاقية في أية أسطورة مصنوعة. فهناك عدم الوضوح للحدود بين الحقيقي والسيريالي، وإجبار للقارئ على أن يقبل المعجزة لسهولة هذه التحولات وجمالها، إلا أن أدب أمريكا الجنوبية هو رؤية ثاقبة عن تأثيراته الضارة: نمط ثقافي ثابت وبسيط ومدرك حسي فظ للحقوق الفردية. إن الدرس المرعب للتاريخ الثقافي لأمريكا الجنوبية يتضح من خلال الكثير من المقالات التي تشكل كتاب "يوسا". فهي تشكل الخيوط الظاهرة الملوثة، بعيداً عن الشكل الأساسي الذي يتكون منه نسيج المؤلف. وبدلاً من التركيز المجرد على أدب أمريكا الجنوبية أو تاريخها، فإن مقالات "يوسا" تمتد على مدى أوسع من المواضيع: من دون كيشوت إلى الفاشية والقومية، ومن الفلسفة السياسية الروسية من خلال "بورخيس" إلى أخبار الغزاة الفاتحين عن أسفارهم في أرجاء أمريكا. إن ما يجمع بين كل هذه المقالات هو اهتمامها الدقيق للعلاقة بين التعميمات الاجتماعية أو الفلسفية والمصائر الإنسانية الخاصة. يدرس "يوسا" طرق تمثيل الآخرين كأفراد وكطرق مؤثرة في مسح واقعها من العقول. إن ما يدعو له هو الشك العام في كل النظم العالمية الظاهرة للفكر ـ تكون معقدة ورائعة مثل مقالات "بورخيس"، أو بسيطة مثل الدعاية الفاشية ـ واحتفالاً بـ"الامنتظم" والخاص. إنه يؤطر نفسه ويمنع القارئ من أن يكون الفارس التائه للإخلاص والانفتاح تجاه كل ظاهرة جديدة نقابلها.
إن تحليل "يوسا" لهذه المواضيع المختلفة هو تحليل طازج وجرئ؛ بعضه جاد وملتزم عاطفياً، بينما بعضه الآخر له صفة التضخيم والإثارة. وعلى الرغم من أنه أحياناً يلعب على التعارض، إلا أنه نادراً ما يخرج المرء منها غير متأثر بالحجج التي يقدمها "يوسا".
يفتتح الكتاب بقراءة "يوسا" في "دون كيشوت"، حيث يضع تعريفاً للخيال بوصفه نقيضاً للواقع الذي سيظل حاسماً خلال الكتاب:
إن الخيال هو كل من برهان ومصدر لعدم تأكدنا. الاستخفاف بالعالم بالشكل الذي هو عليه، فالخيال هو برهان لا يُدحض على أن الواقع ـ الحياة المعاشة ـ قد جرى تفصيله فقط لما نحن عليه، وليس وفقاً لما نرغب فيه. إن الحياة الخيالية التي نفرضها على الحياة الحقيقية هي ليست تجميلاً للهارمونية الاجتماعية بل على العكس تماماً، وخصوصاً إذا تم إنتاجها في أزمان الانقلابات، كما كان هو الحال حينما كتب "سيرفانتس" ملحمته الاجتماعية... بالانتقام من [ظروفه الصعبة] خلال القتل الرمزي للإله، [فإن سيرفانتس] يحل الواقع الذي عانى منه بالعظمة والروعة التي تسحب القوة من إحباطاته، فهو قد اخترعها ليعارضها.
إن الوفرة الرائعة للتخيل في صنع الحيوات الإنسانية في الرواية، هو كما نعلم سلاح ذو حدين، إنها تجعل "دون كيشوت" بطلاً ومتعصباً، متمرداً والشخص الذي هو على العكس من "شانزوبانزا" [تابع دون كيشوت] لا ينمو إلا قليلاً في الرحلات الخيالية التي يقوم بها. إنه يسمح للفرد أن يسري بروحه بعيداً عن ظروفه وأن يستعيد كرامته حينما لا يعترف بها الواقع، لكنه يجعله أيضاً مختلفاً تجاه هؤلاء الذين يقابلهم، حيث يخضع خصوصيتهم لرؤية قاسية في تركيبتها. ويرفض التوسط في رد الفعل تجاه التغيرات الخارجية. وحيث إنه يجعله إنساناً غير خائف ومستقلاً، فمن الممكن بالنسبة له أن يجتذب المساندة من أية مصادر اجتماعية خارج أوهامه الخاصة.
إن "يوسا" حينما يأخذنا من يدنا إلى الحدود الأدبية الواضحة بين الخيال والواقع، يتقدم بنا لنتوغل تدريجيا إلى مثل هذه الممرات غير مألوفة للقارئ العادي. وكذلك مقالته عن "بورخيس" هي كل من رسالة حب ونصائح رجل دين. ومع تركيزه كالعادة مع كل كاتب يناقشه على "الإنسانية" الخاصة بهذا البرود الظاهر في تسيد المخ، فإن "يوسا" يشهد بكل من قوة الخيال وحدوده. إنه يمتدح جمال المتاهة في عمل "بورخيس" وكيف أن مداها الموحي الواسع سمح له أن يصبح أول كاتب دولي مهم في أمريكا الجنوبية. لكنه يلاحظ أيضاً الثمن الذي كان على "بورخيس" أن يدفعه من أجل اعتناق هذا النوع من الفن ويجعله مفهوماً على نطاق واسع من القراء: فقد كان مُجبراً على أن يرفض الثقافة التي وُلِد في رحابها من أجل ما يبدو أن "يوسا" يعتبره "المركزية الأوروبية" محدودة الرؤية.
وفي مقالات أخرى يدلي "يوسا" بعبارات جريئة مماثلة عن القومية والكولونيالية والفلاسفة السياسيين "أشعيا برلين" و"كارل بوبر" ليحدد القليل منهم. وعندما يقدم لنا الدليل الأولي الكافي ويستعرض المعرفة المؤثرة للموضوعات التي يناقشها، فإن "يوسا" يسحب حججه ومناقشاته إلى مجازات غنية وعبارات تتضمن الحكم والمأثورات الكثيرة التي تصل تعميماتها بعيداً إلى ما وراء الموضوع الحالي لكل مقالة. ونادراً ما يمزج أسلوبه الرؤية الثاقبة أو الإدراك الحاد مع الحب، بما يولد في القارئ الإعجاب بذكائه ولكن أيضاً التقمص للتعصب الثابت الذي لا يضطرب، والذي من خلاله يعطلنا قبل أن تصل أعيننا إلى نص أدبي أو جوهرة فلسفية يكشف عنها. إن حججه القوية التي يسهل تتبعها توجد مكاناً أحياناً للابتعاد عن الموضوع أو اقتراحاً جانبياً يعطيها الإحساس بالمناقشة التلقائية. وفي تقييم الحجة الفلسفية على سبيل المثال، فإن "يوسا" سوف ينحرف عرضاً إلى اقتراح القراءة.
وعلى الرغم من أن الحقيقة عند "بوبر" مشكوك فيها (كما في العنوان الرائع للدراما [الحقيقة المشكوك فيها] للكاتب المسرحي للعصر الذهبي "خوان روزير دي آلاركون)... فإن مقالات "يوسا" التي تنبهنا إلى سحر اللغة حتى وهي تستكشف بصفة قاطعة الأدب المعقد والقضايا السياسية ـ حتى لو وصلتنا من خلال الوسيط غير التام للترجمة ـ تشهد بكل من معرفته العامة الغنية وامتاعها، أحياناً لغة وقحة، وأحياناً لغة حب. ويطلب منا أن نتذكر خصوصية كل من الشيء الجديد وكون أننا نواجهه، فإن "يوسا" يتابع وصفه ليس فقط في تيقظه لأوجه الغموض في الثقافة، ولكن أيضاً في بصيرته وحساسيته اللغوية.
إن كتاب "الينابيع" لماريو بارجاس يوسا هو كتاب ممتع وجدير بالقراءة من عدة زوايا؛ يتميز بالطزاجة واللغة الناعمة المنسابة للمقالات والانفتاح غير المتعصب الذي تعلمه لنا المقالات لنتبناه تجاه الكتب التي نقرأها والناس الذين نتعامل معهم. وفي استكشاف الحدود بين الحقيقة والخيال، يظل "يوسا" أخلاقياً وجمالياً ذا نظرة ثاقبة وإدراك جاد دون أن يصبح داعياً أخلاقياً أو تعليميا؛ فهو يخاطب القارئ بصوت ودود وعقلاني في آن واحد. ولا يسمح أبداً لنا أن نفقد الرؤية سواء بسذاجتنا في أخذ الجمال مأخذ الجد أو رغبتنا في أن نعامل الأناس الحقيقيين كما لو كانوا من اختراع خيالنا، إن "يوسا" يبين لنا قوة التخيل في جمالياته كما يظهره في أكثر إغراءاته خطورة.


أخيرا تقول "مارتا فيجلرويتز" في عرضها للكتاب في "هارفارد بوك رفيو"، إنها تمتلك مهرة لكنها تجري بعيداً في الأركان المظلمة من عقلها.   
صورة مصطفى محمود