الإيمان والإلحاد في أدب ديستويفسكي




رئيس أساقفة كنتربري يناقش قضية الإيمان والإلحاد
في كتاب عن أدب ديستوفسكي
إعداد وترجمة مصطفى محمود







في رؤية معاصرة لأدب ديستويفسكي لرجل دين مسيحي يشغل منصب رئيس أساقفة كنيسة كنتربري، صدر لروان وليامز كتاب بعنوان "ديستويفسكي ـ اللغة والإيمان والرواية". ويقول "بول جيمس" عن هذا الكتاب، إنه يركز على الروايات الأربع الرئيسية: "الأبله" و"الجريمة والعقاب" و"الشيطان" ثم بشكل أساسي "رواية "الأخوة كرامازوف"، حيث يجادل "وليامز" في هذا الكتاب بأن ديستويفسكي كاتب ديني وأن أعماله تُفهم بشكل أفضل من خلال عيون مؤمنة. ومن أجل ذلك فهو يتحدى ويفند وجهات نظر المفسرين لأدب ديستويفسكي في القرن العشرين مثل وليام هاميلتون الذي رأى في السرد غير المحدد واستراتيجيات الحوار للكتاب الروس العظام على أنها تعبير عن "غنوصية مضطربة". لكن وليامز يفسر هذه الاستراتيجيات السردية على أنها لا مبالاة من ديستويفسكي في طرحه لأسئلة فلسفية جافة ومجردة عن الإيمان وحقيقته في ظروف المعرفة الدينية لشخصيات فعلية تاريخياً وثقافياً، وأيضاً استكشاف الاتجاه المعاكس، وهو ما الذي ستكون عليه شكل الحياة التي تعيشها مرة أخرى: "من خلال الظروف التاريخية الحقيقية والثقافية للأفراد"، مع كل التشعبات الكاملة للإنكار المطلق لهذا الواقع والتساؤل عن الشرعية الإلهية وخبرات المؤمنين في مواجهة كل الأشكال السخيفة والمنحطة من المعاناة الإنسانية. وكما كتب ديستويفسكي "إذا ما أثبت لي شخص ما أن المسيح كان خارج الواقع، وأن هذا هو الحال بالفعل أن الواقع يقع خارج المسيح، فإنني يجب حينئذ أن أختار أن أبقى مع المسيح بدلاً من أن أظل مع الواقع".
ويلاحظ الناقد تيري إيجلتون بطريقة جافة أنه: "بمقدور المرء أن يعيد تركيب ديستويفسكي بصورة أخرى أكثر حزناً وكآبة من هذا". وتعتبر هذه الرؤية قراءة إنجيلية أكثر ليبرالية للمؤلف الروسي، لكنها قراءة ساحرة ومتعمقة ومتبصرة. ويرى الكثير من النقاد أن هذا الكتاب دراسة متأملة في طبيعة اللغة وتفصيل جميل للحب العميق للكلمة المكتوبة، وهو في النهاية شهادة متحركة على التحول النهائي لسلطة الرواية.

يقول أندرو براون في مقالة له عن الكتاب في الجارديان:
إن الجانب الجيد من هذا العمل هو أن روان وليامز، رئيس أساقفة كنتربري ومؤلف الكتاب، ناقد أدبي رائع. إنه يريد أن يجعلك تقرأ، أو تقرأ كل شيء كتبه ديستويفسكي. إن الكتب التي يصفها رحبة واسعة بما يكفي لاحتواء العالم، وجميلة بما يكفي لأن تُستخدم كأيقونات تنيرنا من الداخل. ويقترب نشاط الروائي تماماً عند وليامز ـ على الأقل ديستويفسكي ـ من السماء: "يعمل ديستويفسكي على أساس أن الروائي قادر على أن يُظهِر بدرجة معينة ما الذي يمكن أن يشبهه خلق السماء". فهو يقول إن الروائيين يعملون من خلال الاختفاء عن شخصياتهم التي يخلقونها. وكلما بدت الشخصيات أقل تقيداً تجاه أي شيء فيما عدا الأعمال الخاصة بها الناتجة عن ضروراتها الداخلية وتلك الخاصة بالشخصيات الأخرى، كانت مهارة الروائي أعظم وأكثر التصاقاً، إذ إن وليامز يعتقد أن العمل الإبداعي للروائي يشبه عمل الإله في الخلق.
وإذا تقدمنا قليلاً بهذا المنطق إلى الأمام، فالحقيقة هي أننا كشخصيات من خلق الله نحن أحرار ـ في الحقيقة مجبرين ـ في أن الشك في وجوده يكون هو البرهان النهائي على قدرته كخالق. إنه ليس برهاناً كالذي يفهمه العالم.
لكن يكون هناك حينئذ الكثير الذي يتحدى فهم العالم؛ وهنا يأتي الجانب السيء. إن ذهن رئيس الأساقفة هو واحد من التفسيرات القياسية الأبدية. فكل فكر ينتج نقيضه؛ وكل جدارة لابد وأن وراءها تأهيل لها؛ وكل بحيرة من الإدراك لابد وأن سطحها يضطرب عندما يُقذَف بما هو هُراء. وأحياناً يتبعثر الفكر بالكامل مثل قنديل البحر يُلقى به في "الجاكوزي": "إن الضرورة المطلقة للعرفان في التبادلات لوسائل الحوار التي بينما نستطيع بالفعل أن نقول على مستوى معين ما يسرنا (من أن أثنين واثنين ليسوا أربعة) إلا أن بناء الحياة يتطلب منا أن نكتشف كيف يمكننا أن نتحدث بطريقة لا تعيد فقط أو تُنتج ما هو مُفترض، لكنها تحتل في الوقت نفسه العالم ذاته من التفكير والإدراك الحسي الذي اعتاد عليه الآخرون. إن الكلام من الممكن أن يكون حراً لكنه يحتاج إلى أن يكون محتملاً ـ وإلا فإنه سيخفق في النهاية أن يكون لغة على الإطلاق". فالمفارقة في كتابة الإنسان بإلحاح عن ضرورة الكتابة الجيدة، من الصعب أن تُولد.
لا شيء من هذا يُهِم إذا لم يكن لدى "وليامز" ما يقوله. لكنه لديه من الأشياء ما يستحق القول وليس فقط عن ديستويفسكي. فيبدو أنه يجادل بأن الله ليس تفسيراً لأي شيء في العالم ولا هو حقيقة تتعلق بالعالم: "إن الفرق بين المؤمن الواعي بنفسه... والملحد الواعي المفكر، ليس هو اختلاف حول إضافة أو عدم إضافة بند واحد [الله] إلى المجموع الكلي للأشياء الموجودة بالفعل. إنه صراع حول السياسات والإمكانيات للحياة البشرية: بين شخص ما يقبل الاعتماد في كل شيء على عطاء السماء ويحاول أن يستجيب بصورة ما لهذا العطاء ... وشخص آخر ينكر الاعتمادية ويواجه بالتالي سؤالاً قاطعاً لا إجابة له، وهو لماذا تكون أي سياسة في الحياة مُفَضلة على أخرى".
يمكنك أن ألا توافق على أن الملحد لا يستطيع أن يجيب على سؤال لماذا يجب أن تكون أية سياسة في الحياة أفضل من سياسة أخرى ـ إننا نجيب على السؤال بأن نعيش ـ لكن الأمر الهام بصورة مؤكدة هو أن "كبير أساقفة كنتربري" يفكر في أن وجود الله هو أحد الأشياء الأقل أهمية بالنسبة لله، ويعطي أسباباً لذلك. ولا أقصد بهذا أنه في منتصف الطريق إلى الإلحاد، لكن أعني أن موقفه يبتعد عن موقف ذلك الشخص الذي يهاجمه الملحدون بشكل طبيعي.
إن مناقشته للأيقونات هو صهر رائع وصياغة مبدعة للنقد الأدبي والشرح اللاهوتي الذي يُوَّلِد معنى أكبر لفهم التجسد في المسيحية أكثر من أي شيء آخر قرأته في هذا الموضوع: "إن ما يجعل الصورة مقدسة ليس هو التحصن ببعض من السحر أو الاحتماء بالقوة الخارقة للطبيعة، بل إن ما يمنحها القدسية هو قدرتها على الاحتفاظ بطاقتها الحقيقية لعالم آخر في حد ذاتها، وتحويلها إلى عالم من الوكلاء المعزولين والعاملين المقيدين بالموت. إن الأيقونة بهذا المعنى هي صورة "لا حول لها ولا قوة"، بمعنى أنها غير آمنة مما قد يفعله التاريخ بها؛ فصلب المسيح الصورة المتجسدة بالكامل للإله تجعلنا نعرف هذا. لكن الصورة غير المحصنة ليست مجرد صورة أو تصورٍ خالٍ".
وسوف يندهش بعض الناس عندما يجدون دوراً كبيراً ينسبه للشيطان. إن السوق الحديثة العالمية التي تطن الآن في آذاننا، تبدو لـ"وليامز" أنها شيطانية أو هي الشيطان، إذ إنها تختزل الناس إلى مجرد أدوات حينما تتوجه غاياتنا في أنفسنا إلى الله: "النقطة التي عندها يمكن أن نعبر عن نشاط رعاية المريض بشروط المُنتج الذي يوالي العميل بالإمدادات، هي النقطة التي تبدأ عندها ثقافة رعاية المريض في الاختفاء. فهي يحل مكانها مفاوضات تعاقدية للسلطة بين مصلحتين ممثلتين في المُنتج أو القائم بالإمداد والمستهلك: فأي منهما سوف تكون إرادته آمنة ومحمية؟ وما الذي أحتاجه لكي أُذعِن للمفاوضة من أجل أن أضمن الحد الأقصى من الحرية من أجل اختياراتي المستقبلية؟ وحينما تتوقف هذه العقود عن أن تكون مُرضية، لا تتبقى هناك علاقة؛ فالآخر قد توقف عن أن يكون الأداة الصحيحة لإرادتي، ويمكن أن أستغني عنه وأنا آمن".
عند عرض عمل لمثل هذه الذهنية الحادة والحيوية، يوجد دائماً خطر أن يبدو المرء كأنه أحمق يخدع نفسه، مثل مراسل عام في مهمة لكي يغطي حفل لعازف بيانو، والذي يكون لديه صديق مطَّلِع يستعين به ليكتب عرضاً كلياً يشتمل على الكثير من البحث الدقيق والنقد، لكنه يشعر أنه ينبغي عليه أن يضيف شيئاً ما من عنده، فيكتب في النهاية: "لوحظ أن السيد روبنتشتين يعزف بسهولة متساوية على مفاتيح البيانو السوداء وعلى المفاتيح البيضاء". إلا أنني كنت أرغب في أن يكون "وليامز" قد تمكن من استخدام مفاتيح الإلغاء إلى الأمام وإلى الخلف. فربما كان قد قال أكثر كثيراً مما قال، إذ إن الكتاب الذي يجادل بأن النشاط الأساسي للسماء هو الحوار ربما كان سيجد عدداً أكبر من القراء لو إنه قد اهتم بهم قليلاً.

وجاء في عرض هذا الكتاب في "الأمازون" أن "وليامز" يأخذنا في رحلة من خلال فن الأدب وطبيعة الرواية والأعماق النفسية والحقائق التاريخية والثقافية والتلميح إلى ما وراء عالم الإيمان والشك في الفلسفة واللاهوت. فنحن نعود إلى ديستويفسكي ببصيرة جديدة وفهم شامل ومنظور طازج للحياة الحقيقية حول معنى ما هو إنساني وما هو واقعي تحت تهديد الشيطان وفوق كل شيء الإحساس بالظلام والوجود الطاغي للإله الحي.
إنه كتاب يدور حول طبيعة الاعتقاد الديني في حد ذاته والغرض منه. فالإرهاب وانتهاك الطفولة وغياب الأبوين وتشظي الأسرة وإضفاء الطابع العلماني والجنسي على الثقافة ومستقبل الديمقراطية الليبرالية وصدام الحضارات وطبيعة الهوية القومية ـ وكذلك الكثير من الأوجه المثيرة التي نفكر فيها على أنها خصائص جوهرية لأوائل القرن الواحد والعشرين وما هو قادم، تكون حاضرة في أعمال ديستويفسكي ـ في رسائله وفي مقالاته الصحفية وفوق كل شيء في رواياته. إن العالم الذي نعيش فيه كقراء لرواياته هو العالم الذي يُطرح في السؤال عن ماذا يدين به البشر لبعضهم البعض، وتُرِك مفتوحاً بصورة مؤلمة وصادمة وليس هناك مكان لنستطيع منه أن نؤسس مشهداً أخلاقياً واضحاً. لكن روايات دستويفسكي تضغط باستمرار إلى الداخل، ما الذي ربما يمكن أن يكون بشكل آخر ـ كشخصيات وقراء ـ إذا رأينا العالم من خلال ضوء آخر يبعث به الإيمان ـ هناك توتر لا ينتهي في روايات ديستويفسكي ـ توتر بين الإيمان وعدم الإيمان بالله. في "الأخوة كارامازوف" نستطيع أن نتلقى "إيفان" بنوع مرعب من الابتهاج. فنحن نتعرف سريعاً على صورة "إيفان" عن نفسه على أنها بورتريه شخصي لنا. فالإله الذي مات بالنسبة له مات بالنسبة لنا. إن إله "كارامازوف" للتوتر والرعب هو في الغالب الإله الوحيد الذي نستطيع أن نجده.

وكتب "إيه إن ويلسون" في جريدة التايمز، يقول إن روايات دستويفسكي تقدم المادة الخام للمناظرة الميتافيزيقية. فأنت لا تستطيع أن تقرأ "الأخوة كارامازوف" دون أن تنشغل بالأسئلة التي تتناول الإله: هل هو موجود؟ وإذا كان موجوداً كيف يمكن التفكير فيه؟ وتصبح قضية قتل الأب الرهيب للأخوة كارامازوف ترتبط لا محالة بالمسائل اللاهوتية.
هل كان دستويفسكي هو الذي فكر في أن الإنسان إذا توقف عن الإيمان بخلوده والإيمان بالله يصبح كل شيء مباحاً؟ أم إنه كان هو إيفان كارامازوف الذي فكر في ذلك كعذر واهٍ لقتل أبيه؟ أم كان هو الشيطان؟     
 
       

صورة مصطفى محمود

التعليقات (1)

لم يأنف رئيس اساقفة كنتربرى من مناقشة الايمان والالحاد فى ادب ديستوفسكى وارتكن على مواقف وظواهر لغوية فى ادب ديستوفيسكى الذى رأى انه اشبه بمناظرة ميتافيزيقية عن اثبات وجود الله
ومالاضافة التى يمكن لمؤمن او ملحد ان يضيفها لو سارت تلك الجدلية معه فى تسيير حياته وتقبل الحياة كموقف وماالذى يمكن اضافته  لها من خلال تدينه او الحاده
ماقصدت قوله هنا ان رجل الدين ناقش ادب ديستوفيسكى دون ان يرميه بالالحاد
او يصبغ عليه صفة الواعظ المباشر فى رواياته
اتمنى ان نجد رجل دين عندنا يقوم مثلا باعادة النظر فى انتاج رجل مثل محفوظ وبدراسة موضوعية وليس باولاد حارتنا ببعيد لكن تبقى الرؤية الشاملة الغير منحازة سبقا لوجهة نظر محددة
احييى المترجم الاستاذ مصطفى محمود على ترجمته الواضحة التى ازجت لنا وجهة نظر الاسقف  فى سلاسة دون تقعير او مبالغة فجة
لك خالص التحية
اميمة عز الدين

صورة أميمة عزالدين