إيديولوجيا المصالحة الوطنيّة - قراءة في النسق الثقافي للمشروع و المُغيّـَب -




إيديولوجيا المصالحة الوطنيّة - قراءة في النسق الثقافي للمشروع و المُغيّـَب -
الطاهر مرابعي


الرب عبد و العبد رب يا ليت شعري من يكلّف
ابن عربي



منذ أن انبلج فجر الإنسانية و العبد على هذه الأرض في صراع مع الرّب، و مع أن حكمة التعالي قد أسندت إلى ذوي العقول مقولة التفوق، و ضرورة الخضوع و الخنوع إلا أن العبد لا يبرح أرض المعركة إلا ليقاتل على أخرى، جارًّا وراءه انكساراته و هزائمه عقب كل معركة، في أمل لمغالطة القدر لحظة غفلة منه.
منذ غيلام الدمشقي و الحلاّج حتى أفول الخوارج –رغم اختلاف الأدوات بين هذا و ذاك- كانت النُُّصرة دائما للسيد و إن جُبل على غير ما هو عليه من اقتدار الطاعة و حق الولاء، و كتب للصعاليك دائما أن يعيشوا في فلاة الصحراء فارّين من جلدهم أو أن يموتوا غيضا و كمدا بحالهم، و ليس للأقلام النادرة إلا أن تحسن ذكرهم – بعد أمد من الزمن- في استعرا ض لمسار التاريخ الذي لا يقر إلا بالواقع، و إن هو لم يقدر على تغييره، فهو الذي يأتي دائما عقب عموم الخراب و انتشار الوباء ليسجل تمام ما تبقى من روايات للعبر.
ليست هذه السطور نُصرة للخروج و لا دعوة للثورة، كما ليست سكوتا عن الحق و تضللا بفئ الإله العبد، و أولى بها ألا تكون كفرا بالرب الخالق فيما سن من سنن ‹و لولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض›، و لكن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فيهتك بالمسلمين أعراضهم و ينفخ في صدور العالة، حتى إذا أقدموا عل الشر أفسدوا و ما أبقوا على الأرض من صالح ... من لبنان حتى الجزائر حتى العراق، – الموت واحد و السبب واحد - ... السياسة و السلطة، و إن تلبس الرجال و حتى النساء بالألقاب و الأسماء و المذاهب و تحلوا بالشعبوية و الديمقراطية و الإسلاموية ... و لكن ليس دائما – هاته من تلك -، و إن كانت جميعا من السياسة.
من حيث تبدأ السياسة تبدأ المصلحة، و إن كان من شرعنا أن المصلحة حيث كان شرع الله و ليس العكس، فإن إسلاميينا يبدءون من المصلحة متجهين نحو الدين، حيث يبدءون بما يرونه للأمة و ينتهون إلى ما يصبح دينا (بدعة)، و لهول المفارقة بين الضدين نال من الجزائريين ما نال، بؤسا، و قهرا... و أصبح من لوازم الوعي عندنا أن نقبل بالاقتتال دونما سبب و أن نصحح حديثا هو من الضعف بحيث لا ينكر (اختلاف أمتي رحمة) .
من الطبيعي أن يتساءل قائل بدواعي هذه المداخلة تحت العنوان المذكور أعلاه، فقد يبدو الأمر واهيا و المنهج متشضيا، إلا أن القولَ عندنا أن تمام الإبتداء ها هنا يقتضي هذه اللفتة الدائرية حول النسق الثقافي العام، و التداخل الخطابي في السياسة الجزائرية، و إن بإشارة عابرة، تجعل النص مستعص على غير المطلع على الشأن العام، و سيكون سهلا على المتلقي/القارئ المدرك لهذه الخصائص أن يتبين مدى طبيعية النتائج المترتبة على نمط التفكير الجزائري بحكم الانبثاق من ذات المؤسسة – النتائج حصيلة طبيعية للمقدمات -، سواء تعلق الأمر بالسلطة أو المعارضة على اختلافها، و كنموذج بالنسبة إلينا في هذه المداخلة قضية المصالحة الوطنية التي تسعى السلطة الجزائرية إلى تثبيتها بمفاهيم عينية.
المصالحة الوطنية/الخطيئة و التكفير:
على إثر الصراع الدموي العنيف الذي استغرق فترة تتعدى العقد من الزمن بين التيار الأصولي الإسلامي و التوجه شبه العلماني للدولة الجزائرية، كان لابد من إيجاد بدائل معنوية تتمثل أساسا في ترك العمل العسكري و الجلوس إلى طاولة الحوار في ظل ظروف مختلفة تماما عن الظروف السابقة، بحكم التحولات الدولية الجديدة خصوصا بعد أحداث الحادي عشر سبتمبر بأمريكا، و الظروف الداخلية المتمثلة في تراجع المد الإسلامي للتنظيمات المعارضة بعد اختراع القواعد الشعبية المساندة للسلطة ممثلة أساسا في ميليشيا الدفاع الذاتي، و لكن بسياسة الخضوع من المغلوب أو من هو على وشك الوقوع في الهزيمة للغالب المفاخر بانتصاراته، خشية تمادي الضعيف في إزعاج القوي بالوخز.
ولما كانت السلطة ممثلة في وجوهها الجديدة التي لم تعايش لحظات الصراع (الرئيس) مستعدة للتنازل قدر المستطاع عن المبادئ الموروثة و التي لم تعد تعنيها بحكم تنوع الخلفيات و المرجعيات صار ممكنا التكفير عن ذنوب الجاني و الاعتراف بالمزالق الخطيرة للسياسات السابقة بشرط - العصى في يد الجاني- و إن سكت، فكانت مصالحة مشروطة – لا مصالحة -، إن هي إلا تغافل عن الضعيف شرط الهدوء.
المصالحة / المنهج و الشروط :
من الطبيعي أن يكون لكل مبادرة حدود ترسمها لنفسها، إن لم نرسمها لها مخافة التشعب و الضياع، و في حال المصالحة فإن اللفظ أغنى من أن يعرف به، فهو دلالة على الاشتراك (المفاعلة / التفاعل) التطاوعي بين الأطراف المعنية و الالتقاء في عدد من النقاط بإحداث تقاطعات تتجاوز الإشكاليات الاختلافية، مع مراعاة الاستعدادات التلقائية للتنازل المشترك عن كل النقاط موضع الخلاف و التي كانت سببا في التمزق و النزاع ، طبعا ليست هذه العناصر أفكارا مثالية لا تجد لها تطبيقا، إنما هي الشروط الموضوعية لكل عملية مصالحة بمفاهيم و مدلولات المصطلح، حتى إذا خرجت المفاهيم إلى غير هذا أمكننا إطلاق مصطلحات أخرى أكثر تناسبا مع طبيعة المفاهيم، حتى لا نسمي التفاح و نعني به الليمون، و هنا يجدر بنا أن نسأل: هل يكفي المصطلح و الإعلان السياسي في تثبيت المصالحة ؟
و الجواب يقتضي النزول إلى الميدان، بمعنى؛ ترك الأفكار النظرية و الابتداء بالسؤال عن الشروط الموضوعية لنجاح المصالحة في المجتمع العيني أولا ثم في الافتراض النظري لمجال تطبيق المصالحة ؛ أي متى يمكننا أن نتحدث عن المصالحة و ما هي الظروف التي تؤدي إلى ظهورها ؟
أفتكون المصالحة بديلا طبيعيا في كل الحالات الخلافية ، أم تكون بديلا عوضيا لفشل العمل المسلح في تحديد الجهة التي يليق بها اعتلاء العرش ؟
تبدو المصالحة من حيث هي مشروع وطني على جانبين :
1- جانب اجتماعي يعمل على تقويم مختلف المحددات التي تساهم في "المصالحة" ضمن البنية الاجتماعية و هي بذلك ألصق بالمعيش و اليومي في أبسط و أصدق صوره،
2- جانب سياسي يهتم بتبعات المصالحة و طبيعتها فيما يتعلق بوجودها ضمن مسالك تسيير الدولة كعامل من عوامل عدة قد ترهن مختلف النشاطات السياسية للطبقة الحاكمة و تغير من وجهتها و بهذا تكون المهمة هنا الحذر و الحرص و توخي تأثيراتها السلبية أكثر من تأثيراتها الايجابية بحكم اهتمام المسؤولين أولا بمناصبهم و مصالحهم أكثر من اهتمامهم بمصالح الشعب، لأن المصلحة معه قد تتحقق بغير الإضرار بمراكزهم.
إن الإجابة عن السؤالين السابقين بخصوص المناسبة في المصالحة الوطنية في الحالة الراهنة هو ما يحدد طبيعتها ضمن خريطة أولويات السياسة الحالية و منهجها، و من الطبيعي أن الواقع الجزائري كما تمت الإشارة سابقا يتحدد بتدهور أوضاع المعارضة المسلحة لصالح النظام...، فبأي بديل استأجرت المصالحة و جعلت مجازا لواقع ينتظر التغيير بغيرها.
إن المصالحة الوطنية مشروع واقعي لكل المجتمعات، و في كل الأوقات ... لكن فروضا ما تدخل البيت لتستأذن الأهل ! فليست المصالحة في واقع ما نرى سوى مرحلة تجاوزية تقبع خلف انتكاسات العمل المسلح الذي لم يحسم الأمر لجهة واحدة، إن الدخول في حرب يعني محاولة اختصار ملف الاختلاف في فترة وجيزة و فرض الرأي الغالب على الطرف المغلوب، و هنا نتساءل: هل فشل العمل المسلح في الجزائر في فرض رأي على طرف ما، و الجواب: لا !، فقد تمكنت الدولة من القضاء على التنظيمات المسلحة المعارضة بفضل ميليشيا الدفاع خاصة، و لم يعد هنالك ذكر إلا لاستسلام هذه الجهات، فالقضية تنكشف عن غالب، و مغلوب شرب من ماء الذل حتى ثمل، أفلا يحق الآن أن نتساءل : من أي باب ندخل المصالحة و الصراع قد فض، و طلقة النقاش العنيف قد سكتت من بنادق الخوارج تحت وقع نار السلطة المفحم.
لمــن الــرأي اليــوم ؟!
للغالب الواحد القهار، للسلطة ممثلة في أشخاصها و مبادئها التي احترقت لأجلها الجزائر ... لما بعد الاسلاموية ! ، فكيف بنا بعد هذا ندخل بابا نسميه المصالحة الوطنية و نجزم قطعا بنجاحه في إخراج الدولة مما هي فيه من مشقة !! و الحال أن رجالا قد رست بهم السفينة إلى بر الهوان لازالوا يؤمنون بنصر كاد يحالفهم و يقسمون بحق لهم في رقاب غيرهم !
ليس مصادفة أن يكتب لنا دائما أن نقع في دائرة التناقض، فهو ذات التناقض بين المصلحة و الدين يتكرر هذه المرة بين المصالحة و الاستئصال، و ما لنا من تفسير لهذه الظاهرة إلا أن نقول بغلبة التفكير بالنازلة حال وقوعها أو سيادة فكرة تجاوز المرحلة و صعوباتها دون التمكن من تقديم برنامج متكامل ينظر في حيثيات الوقائع و مقتضيات معالجتها على المدى البعيد.
إن طبيعة واقع ما بعد الإسلاموية الحربية يفرض قهرا اندثار نوع التفكير الذي حاول أن يهيمن بكل الطرق على المسار العام، بحكم فشله فيما اختار من سبل لتمرير مشروعه، بل وقوعه في خانة الاتهام بالخيانة و التواطؤ، فماذا أبقى الأول للآخر ؟!
الإحتلام الإسلاموي نشوة النصر أم نشوة الهزيمة :
الآن بعد قرع الطبول إعلانا عن نهاية عهد و بداية عهد، بملامح أكثر وضوحا بفعل مُتَخيَل المصالحة الوطنية أصبح ممكنا أن نتصور طبيعة العلاقات التي ستحكم النظام العام للمجتمع و السياسة على حد سواء، فليس من تبعات هذه المصالحة ترتب تتابع منطقي للعالم الخارجي مع مضمونها، فهي (المصالحة) أشبه بجني مارد يخرج على الناس لحظة حك الإبريق لا ليباشر الواقع و الانجازات و إنما – لينقذ الموقف- الآني ثم يختفي، فما من متعة لوجوده إلا في شاعرية ظهوره كاحتلام حل بقلب فتى عباسي كما في قصص ألف ليلة و ليلة، يملي عليه تسلية شبقيّة في غير ما تسلية حتى إذا استيقظ هاله ما هو عليه من أمر و أدرك أن مآله ما يزال العزوبة، و ما من شك أن تصور بنية خطاب المصالحة الوطنية في ظروفها التي ظهرت فيها تكفي للتسليم بنوع النتائج المتولدة عنها، فهي ليست غريبة، و لا يعقل أبدا أن تكون إلا من طبيعة مدخلها.
صورة الطاهر مرابعي