آهات و عرانيس




آهات و عرانيس
مجدي السماك


آه .. آه.. آه .. آهات ثم آهات ثم آهات .. متقطعة و ممزقة و متواصلة .. تنفثها كتلة لحمية تمشي على قدمين .. و أنات كأنها منفلتة من ثقب طنجرة ضغط بحجم مبنى البنتاغون . هيكل عظمي مغطى بجلد رقيق ناشف ملقى بجانب حاوية القمامة و كأنه جزء منها أو هو القمامة .. لا اعرف إذا كان ضيفا طارئا عليها أم هو مقيم دائم عندها .. أقول هو إنسان بسبب لسانه الذي يعلو بصرخات آدمية أليمة وموحشة كأنها صادرة عن إنسان يشوى على لظى كومة من الجمر المستعر .. عيناه مستديرتان و تشيران إلى رأسه ببياضهما اللامع في العتمة .. أما قدماه و بقية جسمه فمن الصعب رؤيتهما أو التعرف على مكانهما لامتزاجهما بالقمامة والظلمة ... آهات معذبة يقذفها أعماق قلب بشري محروق أو مكسور أو مهزوم .. حدثتني : الآهات هي الآهات ...
خمنت بأنها النوبة القلبية المباغتة لقلبه المحروق بجسمه الهزيل .. ظننت أن عظامه تهشم بمطرقة حديدية ضخمة .. حسبت أن أحدا يقتلع أظافره من أناملها ...

أظهره ضوء سيارة إسعاف قادمة من بعيد .. من رأس الشارع .. أخذت معالمه تتضح أكثر فأكثر مع اقتراب السيارة .. كان مقرفصا على جنبه كالجنين في بطن أمه .. حملته السيارة للمشفى ... قال الأطباء : ليست نوبة قلبية .. و لا عظام تهشمت .. لا احد اقتلع أظافره .. إنما هي نوبة غذائية .. سوء تغذية ... أو غياب تغذية ، لم افهم بالضبط .. هنا الخيرات كلها وهناك تؤكل .
اتضح انه شاب في العشرينات من عمره ، قبل سنوات قليلة كان يحمل الأثقال ويشارك في مسابقاتها .. طردته إحدى الدول العربية .. عاد إلى غزة .. قصفت إسرائيل مشروعه الصغير و تحالف كل الكون ضده .. فقد أباه في حرب لبنان .. فقد أخاه الأكبر في اجتياح مدينة رفح .. فقد أخاه الأوسط برصاص طائش لاقتتال داخلي .. أمه ماتت كمدا .
ساعده احد الناس وقدم له مبلغا زهيدا من المال .. توجه لشاطئ البحر و افترش الرمال و اخذ يبيع الذرة المشوية تحت سقف السماء و حرها اللاهب .. تقدمت لشراء عرنوس ذرة بهدف المساعدة والفضول و ليس بهدف الشراء .. حدقت بجسمه النحيل .. جلده يكشف عن أعضائه الداخلية .. قفصه الصدري بارز من تحت جلده كأنه مصور بصورة أشعة اكس .. انه شاب صغير بعد .. حدثني قلبي : أولادنا أكبادنا تحرق على الأرض ...
ينصب الكانون الصغير .. يأخذ بحرق العيدان الخشبية التي يلملمها مع الورق المقوى .. يهف عليها بغطاء طنجرة قديم مسربل بالسخام و الشحار ، التقطه من القمامة على ما يبدو.. ومرات يهف بطرف جلبابه المتسخ بالسواد .. يضع شبكة معدنية صغيرة ويصف عليها اكواز الذرة النيئة بانتظام و كأنها طابور عسكري مهزوم .. يقلبها الواحد تلو الآخر كالأسرى بين يديه .. تبدأ بالاحمرار والنضج على مهل .. على نار هادئة فتصبح كالحقيقة المشهرة في وجه السلطان .. ثم يأخذ بالنداء : " ذرة مشوية .. ذرة مشوية .. يلا قبل ما يخلص .. يلا يا حبايب ... " . و لأنه أخنف بعض الشيء يخرج الكلام مخنوقا و كأنه يتكلم من انفه .. و قد استغنى عن فمه فلا يستخدمه إلا للنداء و الصراخ عند الحاجة الماسة .. و لا يعرف الضحك .. أو أن الضحك لا يجد طريقا لفمه و قلبه المثقل بالغبن والجوع .
يتوافد المصطافون إليه الواحد تلو الآخر لشراء عرا نيس الذرة الشهية .. سمعت احدهم : يا الهي ما ألذ رائحة الشواء ! .. تمتمت : يا الهي ما أقسى رائحة الشواء ! . صرت اشتري منه كلما توجهت إلى ذلك المكان .. حيث يقف ليصطاد الزبائن بطريقة لطيفة خنفاء ومحببة للنفس .. توجهت إليه ذات يوم للاستمتاع بمذاق ما أبدعت يداه من شواء .. وجدته يهف على الذرة بشهادته الجامعية .
Magdi_samak@yahoo.com
صورة مجدي السماك

التعليقات (8)

الأديب مجدي السماك
بعد التحية
إنسيابية وحيادية واضحتان منذ البدء وقد تمنَّيت لو أنك لم تجنح الى التشبيهات التالية : وكأنها طابور عسكري مهزوم ... وقولك : كالأسرى بين يديه . وأمّا قولك : كالحقيقة المشهرة بوجه السلطان , فربما له ما يبرِّره . وطبعاً هذه مجرَّد آراء حيث أنَّ هذه التشبيهات توحي بنوع من التكلُّف كما أرى ولكنها لا تؤثِّر كثيراً فنحن أمام قفلٍ بديع للقصة : يهفُّ على الذرة بشهادته الجامعية !! 
مع المودة ودمتَ
صورة سامي العامري
العزيز مجدي السماك
نموذج آخر للطاقات المهدورة والحياة المغتالة في الزمن العربي الرث..
أهلا بك في الورشة
تحيتي

صورة حسن البقالي
آه .. آه.. آه .. آهات ثم آهات ثم آهات....
هذه الآهات وحدها كافية كي تختزل واقعنا العربي المر الكئيب... هذه الآهات فقط كفيلة بأن تحكي كل القصة لأن الصمت بعدها سيكون صارخا، معريا  كل الظلمات التي نحياها جميعا بدون استثناء بعد أن قصفت معظم أحلامنا...
دمت للحكي الحلو رغما عن كم الحنظل الضافي الذي يترع به
  
 

صورة آسية السخيري
اخي الكريم : سامي العامري
تحياتي..سعدت بمرورك الكريم و تفاعلك مع القصة بجدية عالية ومسؤولية كبيرة، في الحقيقة لم افكر بالتشبيهات التي دونتها بهذه الطريقة..لا اعرف حقيقة ..قد تكون انت على صواب
مع خالص تحياتي
صورة مجدي السماك
اخي الكريم : سامي العامري
تحياتي..سعدت بمرورك الكريم و تفاعلك مع القصة بجدية عالية ومسؤولية كبيرة، في الحقيقة لم افكر بالتشبيهات التي دونتها بهذه الطريقة..لا اعرف حقيقة ..قد تكون انت على صواب
مع خالص تحياتي
صورة مجدي السماك
عزيزي الفاضل الاديب حسن البقالي
صدقت و سلم فاك.نعم اخي هي طاقات مهدورة و كما قال الاديب عبد الرحمن منيف في رائعته شرق المتوسط : ان الانسان لا يساوي اعقاب السجائر..دمت بخير
صورة مجدي السماك
اختي الفاضلة : آسية السخيري
سعدت بمرورك الكريم الطيب..نعم ان آهاتنا كثيرة ..ووراء كل آهة حاكم
تحياتي لك
صورة مجدي السماك
الأخ العزيز مجدي السمّاك
ما عنيتُ أنَّ التشبيهات ضعيفة ولكني عنيتُ أنها - ربما - لا يقتضيها السياق وبالمناسبة فقد نسيتُ أن أخبرك وسط زحمة الهموم اليومية أنَّ لديَّ صديقاً عراقياً
يحمل ثلاث شهادات علمية وعدة سنوات ممارسة وتطبيقاً
طاف خمسة بلدان عربية- كما أخبرني - فلم يجد بلداً عربياً بحاجة اليه وحين جاء هنا الى المانيا وجد مَن يحترم تخصَّصه ويوفِّر له العمل المناسب !, اليست هذه مأساة خاصةً اذا علمنا أنَّ المانيا ليست بحاجة كبيرة الى تخصّصهِ ؟
ولكن في هذا البلد يُحتَرَم الإنسان كقيمة أوَّلاً
فانظرْ الى مستقبل العرب عاربةً ومستعربة ! 
مع الود
صورة سامي العامري